التهدئة المطلوبة في الحسيمة

بقلم محتات الرقاص

لحد الآن، وبعد كل ما شهدته إحتجاجات الحسيمة ونواحيها وما خلفته من وقائع وردود فعل وتطورات، يبقى مدخل المعالجة هو تهدئة الأجواء العامة ومنح الفرصة لإنجاز الإصلاحات وتحقيق المطالب الإجتماعية والإقتصادية، ومن ثم تفادي مختلف أشكال التصعيد من هذا الطرف أو ذاك.
هذه الأيام، إنتشر على مواقع التواصل الإجتماعي منشور مجهول المصدر يدعو إلى إحتجاج جديد في الثلاثين من يوليوز الجاري، أي يوم عيد العرش، وهو المنشور الذي نفت أي مسؤولية عنه عائلات معتقلي أحداث الحسيمة، والمعتقلين ذاتهم، ما يعيد التأكيد على وجود جهات أخرى، سواء في الرباط أو في الحسيمة أو خارجهما، تصر على تأبيد التوتر وإدامة الأزمة في الريف، وعرقلة الوصول إلى أي حل أو إنفراج.
لقد سجلنا منذ البداية حق المواطنات والمواطنين في أقاليم الريف في الإحتجاج السلمي دفاعا عن مطالبهم الإجتماعية والتنموية المشروعة، وأبرزنا منذ البداية مختلف الإختلالات والتجاوزات التي كانت المنطقة قد شهدتها خلال إنتخابات السنوات الأخيرة، وما نجم عن ذلك من إنسدادات محلية وجهوية، هي التي قادت الوضع إلى ما وصله اليوم، وطالبنا كذلك بمعالجة سياسية شمولية وإلتقائية للمشاكل المطروحة، وتفادي الإقتصار على المقاربة الأمنية لوحدها، كما نبهنا إلى أن الإصرار على إبعاد الأحزاب الجدية والنقابات والجمعيات ذات المصداقية والتضييق عليها أو السعي إلى”قتلها” في المنطقة، سيعمم الفراغ، ويترك الوقائع عارية من دون وساطات مؤسسية تمتلك الجدية والشرعية.
كل هذا كررناه عشرات المرات ونعيد التشديد عليه هنا والآن، ولكن الإمعان في الإحتجاج وإدامة التوتر في المنطقة من دون أي أفق سياسي أو وضوح في الأهداف والأساليب، يفرض علينا اليوم القول بأن عمى النظر واللامسؤولية يقتلان أيضا.
إن إفتعال إحتجاج جديد في الحسيمة وإقرانه بعيد العرش مثلا، هو فعل، إن تم حقيقة، لن يكون بدون رمزية لدى أي مبتدئ في السياسة أو من يتلمس الفهم الأول في إشارات المواقف والأفعال.
هو سيعني أن الإحتجاج إنتقل من طبيعته الإجتماعية والإقتصادية، إلى إصطفاف واضح يمتلك مضمونا سياسيا.
العقلاء في الحسيمة يجب أن يتعبأوا اليوم لإنقاذ ديناميتهم النضالية من أي إستغلال سياسوي فج، وأن يفوتوا الفرصة على كل من يتربص بهم لإمتطاء ظهورهم، وجر”الحراك”نحو وجهات أخرى غير وجهته الأصلية.
السلطات المركزية في الرباط، من جهتها، يجب أن تقوي نباهتها لكي لا تنجر، بدورها، خلف هواة التصعيد، وبدل ذلك، يجدر التفكير في سبل حل مشكلة المعتقلين ومنح مؤشرات الثقة للأسر، وأيضا توفير ممكنات إنجاح وتنفيذ البرامج التنموية المحلية وتسريع وتيرة إنجازها، وتخفيف الثقل الأمني في المنطقة، وتقوية المضمون السياسي العام لمقاربة الدولة.
ما تشهده الحسيمة والمنطقة اليوم تسبب فعلا في ركود قطاع السياحة بالمنطقة، ونتج عنه كساد تجاري وفرار المستثمرين، كما أن ذلك كانت له تداعيات سلبية على الصورة السياسية والإعلامية للمملكة عبر العالم، وقوى مشاعر التشاؤم والخيبة وسط سكان مناطق أخرى، وكل هذا ليس في صالح بلادنا على كل حال.
إحتجاجات الحسيمة والريف نجحت في إيصال رسائلها وإبلاغ مطالبها، وفِي كل إحتجاجات الدنيا يعمد منظموها بعد ذلك إلى منح مهلة وآجال لكي يجري تنفيذ المطالب ومباشرة الإصلاحات، أي يتم إنهاء الإحتجاجات ووقف التوتر وتكريس التهدئة ليبدأ العمل.
وهذا هو المطلوب اليوم، ومن يدفع في غير هذا الإتجاه فهو يلعب بمصير المعتقلين ومعاناة أسرهم، وبمستقبل المنطقة وسكانها، ولا يهمه لا مصير المغرب أو شعبه.
نحن، عكس ذلك، نعلنها صراحة وجهارا، المغرب يهمنا وتهمنا مصلحة شعبنا، وتعنينا المكتسبات الديموقراطية والحقوقية والتنموية التي حققها شعبنا بنضاله الطويل والشاق، والمطالب والإنتظارات التي يكافح من أجلها شعبنا وقواه الوطنية الديموقراطية…
أما السير من دون وضوح في النظر، وتعمد حرق كل شيء والدوس على كل الإعتبارات، وتفادي التفكير في مستقبل البلاد، فهذا لم يكن يوما أسلوبنا ولن يصير.

لا تعليقات

اترك تعليق