السياسة بشكل آخر…

بقلم: محتات الرقاص
عند تأمل ما يجري في مشهدنا السياسي والمؤسساتي والحزبي العام هذه الأيام من سلوكات وممارسات، وما يصدر عن أطراف حزبية من مواقف وتصريحات، يخال كما لو أن شعبنا ونخبنا لم يبدأوا الفعل السياسي إلا منذ بضع أيام أو أعوام، أو كما لو أن البلاد ككل تعرت من كل ما يتوفر لها من تاريخ ومراس في العمل الحزبي والنقابي والجمعوي يمتد لعقود…
هناك اليوم معاناة حقيقية في الأطلسين الكبير والمتوسط جراء تساقطات ثلجية كثيفة وغير مسبوقة، ونجم عنها وضع صعب وقاس يوجد عليه أهلنا هناك في مناطقهم الجبلية، وهذا يقتضي إنكبابا عاجلا ومخططا وطنيا استراتيجيا للإنقاذ، ولمساعدة الناس ودعمهم…
هناك أيضا اليوم حالة حنق تتنامى في أكثر من جهة في البلاد، ومن ذلك احتجاجات جرادة، وتينغير، وحراك الحسيمة الذي لا زال في البال، ثم توترات أخرى في أكثر من مدينة وإقليم، وجميعها تلتقي حول المطالب الإجتماعية ورفع”الحگرة”وتحقيق الكرامة والعدالة الإجتماعية، علاوة على أن الشعور السائد اليوم هو الخوف من الغد، وانعدام وضوح الرؤية والثقة وسط الناس، وحتى لدى كثير من السياسيين والفاعلين الإقتصاديين…
هذان المعطيان المشار إليهما، وحدهما يكفيان لمطالبة الحكومة بأن تعلن إستنفارا حقيقيا وقويا لمواجهة إختلالات هذا الواقع الوطني والإنكباب على الأسئلة الحقيقية التي يطرحها المغاربة في كل مجالس الحديث، والمرتبطة بعيشهم اليومي ومستقبلهم والقضايا الكبرى لبلادهم.
وبدل كل هذا، فبكثير من الحزن يتابع الجميع هذه الأيام صراعات صبيانية بين أطراف حزبية تحول شغلها الشاغل إلى تتبع تصريحات وأقوال وخطب المنافسين، وافتعال تلاسنات وحروب كلام ومزاج هي بلا أي سند أو مضمون أو أهمية.
لقد قرأنا عبر كثير من وسائل الإعلام عن سلوكات مستجدة في أسلوب عمل مؤسسات وطنية وطريقة تعامل مسؤولين رفيعي المستوى تجاه مهماتهم والتزاماتهم التي عينوا للقيام بها، وهي سلوكات، على الأقل، لم تكن معهودة من قبل، ولم يكن بالإمكان تخيل الإقدام عليها لمجرد تقدير مزاجي يصدر عمن يقترفها…
ولقد قرأنا وسمعنا أيضا عن أحزاب شرعت في حملات إنتخابية، وهي من الآن تتنافس فيما بينها أو تتبادل”المعيار”، لكونها تفكر في المحطة الإنتخابية القادمة حتى تتصدر النتائج، ولقد لاحظ الجميع أن مكونات حزبية يجمعها تحالف واحد بعضها”يقطر الشمع” على البعض الآخر بامتلاك حلول لمشكلات مجتمعية، حتى أن شعبنا بدأ يستغرب للأطراف كلها ويتساءل عما منعها كلها أن تلتقي في اجتماع الخميس لتتدارس هذه الحلول وتبلورها ضمن إجراءات وبرامج حقيقية لتقديم الحلول للشعب الذي ينتظر منها كلها العمل والنتائج وليس تبادل أدوار”التنقاز”وتعلم سلوكات ازدواجية التموقع والموقف.
كل هذا يعني اليوم أننا أمام ممارسة سياسية وحزبية مثقوبة وينعدم لديها الأفق، ولن تحمل أي شيئ إيجابي لبلادنا وشعبنا.
وفي مقابل ما سبق، هناك، في الوقت نفسه، كثير قضايا وملفات مطروحة على حكومتنا اليوم، وهي بمثابة تحديات كبرى وأساسية لهذه السنة.
لقد أشرنا أعلاه إلى الإحتجاجات الإجتماعية في أكثر من جهة، وإلى تنامي الفقر وضعف معدلات النمو وتراجع القدرة الشرائية ومستوى العيش لدى فئات واسعة من شعبنا، وأشرنا كذلك إلى معاناة ساكنة الأطلسين الكبير والمتوسط جراء التساقطات الثلجية الكثيفة وغير المسبوقة…
وهناك كذلك، وعلاوة على ما سبق، تحديات وحدتنا الترابية، حيث لا يبرز اليوم الحضور والإهتمام الكبيرين بتطوراتها وأخبارها في المجتمع، وحتى لدى الطبقة السياسية.
ثم هناك واقع البطالة والضعف الكبير والخطير في فرص الشغل، ويمكن استحضار أرقام مندوبية التخطيط الأخيرة بهذا الخصوص.
وهناك أيضا التدهور الواضح والمتفق عليه في الوضع العام للتعليم وتدني مستوى التلاميذ والطلبة والخريجين، ومختلف ما يشهده هذا القطاع من إختلالات بنيوية.
وطبعا هناك مشاكل ومطالب وتطلعات أخرى لدى شعبنا تتصل بقطاعات السكن والصحة، وخدمات الإدارة، ووضعية القضاء وقطاع العدالة، ثم هناك معاناة الفلاحين الصغار والمتوسطين في الأرياف ووضعية الفلاحة بشكل عام…
ويشتكي الناس في أكثر من مدينة وإقليم من تردي الوضع الأمني بمناطق عيشهم، وضعف الخدمات العمومية الأساسية في مدنهم…
وإلى جانب ما سلف، هناك مهمات أساسية يفرضها تطبيق الدستور وإعمال مرتكزاته، وتكريس أفقه على أرض الواقع.
وهناك أيضا الحاجة إلى النهوض بالأمازيغية وإخراج مجلس اللغات والثقافة المغربية، والحاجة إلى تفعيل إصلاح العدالة، والحاجة إلى مخطط وطني مستعجل لتطوير الثقافة والفنون وإشعاع القراءة وتنمية وعي المواطنات والمواطنين ومحاربة الأمية، والحاجة إلى برنامج حكومي يتيح أن تتعبأ الدولة كلها من أجل دعم وتقوية إستمرار وتطور الصحافة الوطنية وتأهيل الإعلام المغربي، وجعلهما يمتلكان المهنية والجودة والإستقرار الإقتصادي والمقاولاتي والإلتزام بأخلاقيات المهنة، ويساهمان في تقوية وتمتين الديموقراطية والتعددية والإنفتاح في بلادنا.
وهناك ضرورة تطوير المفاوضات مع النقابات، وبينها وبين أرباب العمل، وتعزيز الحوار الإجتماعي لمصلحة الأجراء والموظفين، ولتمتين السلم الإجتماعي في بلادنا.
كل هذه القضايا وغيرها هي التي يجب أن ينصب عليها اليوم اهتمام الحكومة ومكوناتها الحزبية، ومختلف الفرقاء في البرلمان، وباقي أطراف الحقل السياسي والمؤسساتي، بدل ما يحيط بنا من نزق طفولي هو أقرب إلى العقد النفسية منه إلى فعل سياسي ناضج ومسؤول.

لا تعليقات

اترك تعليق