على الرغم من الخلافات الإيديولوجية العميقة بين حزبي التقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية، إلا أن العلاقة بينهما ازدادت قوة خلال هذه التجربة الحكومية، حتى إن كثيرين وجهوا انتقادات لـ”الشيوعيين” بشأن هذا التقارب غير المسبوق. في هذا الحوار، يتحدث سعيد الفكاك، عضو الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، عن مستقبل العلاقة بين الحزبين في أفق الانتخابات التشريعية. ويتوقف الفكاك، بصفته رئيسا لمؤسسة الحسن الثاني للنهوض بالأعمال الاجتماعية لفائدة العاملين بالقطاع العمومي للصحة، عند أهم الخدمات التي بدأت المؤسسة في تقديمها للمنخرطين.

قال إن الأعمال الاجتماعية للصحة تقدم خدمة الدعم المباشر للحصول على السكن

الفكاك: “البيجيدي” سيتصدر الانتخابات التشريعية وسنستمر في تحالفنا معه

حاوره: سعيد الخمسي-المهدي السجاري

وزارة الصحة من بين القطاعات المتأخرة في إحداث مؤسسة للأعمال الاجتماعية لموظفيها. ما هو السياق الذي جاء فيه إحداث هذه المؤسسة؟

الفكاك: نحن لسنا متأخرين، بل إن مؤسسة الأعمال الاجتماعية للصحة تم خلقها مؤخرا، في حين أن وزارة الشبيبة والرياضة مثلا لا تتوفر عليها، ونفس الشيء بالنسبة لوزارة التنمية الاجتماعية والسكنى وسياسة المدينة. فجميع الوزارات كانت تتوفر على آليات للأعمال الاجتماعية من خلال جمعيات تشتغل وفق ظهير 1958، وهي كانت تقدم مشكورة بعدد من الخدمات. وكان هناك شكل آخر من آليات العمل، من قبيل وجود قسم خاص بالعمل الاجتماعي داخل الوزارات، والذي يوفر خدمات في مجالات التخييم والتعليم والحج وغيرها. هذا يؤكد أننا لسنا آخر أو أول من جاء بهذا الإطار كمؤسسة للأعمال الاجتماعية، بل إن التحول نحو هذه النوعية من المؤسسات جديد. فمثلا مؤسسة الأعمال الاجتماعية في قطاع العدل كانت في البداية جمعية، ومؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم تم إنشاؤها سنة 2003، ونفس الشيء بالنسبة لرجال السلطة والقيمين الدينيين حيث إن هذه المؤسسات تبقى حديثة النشأة. الدولة في إطار عقلنة القطاع وضمان تسييره بشكل شفاف وتقديم خدمات اجتماعية للموظفين جاءت بهذه المؤسسات، فالزيادات في الأجور لها كلفة والأعمال الاجتماعية تعد آلية لتحسين الدخل بطريقة غير مباشرة. تعلمون أن التفاوض مع الأبناك لمنح قروض بفوائد منخفضة أو التغطية الصحية أو تغطية مصاريف الحج هي خدمات يساهم في تحسين الدخل. المؤسسة تم إنشاؤها بقانون سنة 2011، وقد جاءت استجابة لمطالب النقابات والموظفين بغية توفير أعمال اجتماعية في مستوى جيد. هذا القانون تم تفعيله بتعيين رئيس المؤسسة في غشت 2013، والسيد وزير الصحة نصب اللجنة في 12 نونبر 2014. فعندما جئت وجدت أمامي نصا قانونيا، وكان لابد من انتظار فترة معينة لتوفير المقر والبحث عن الموظفين ووضع برنامج العمل وغير ذلك الأمور، ومؤخرا انطلقنا بشكل رسمي في تقديم خدمات الأعمال الاجتماعية.

كيف هي تركيبة المؤسسة؟

الفكاك: تركيبة المجلس الإداري حددها القانون. فالآمر بالصرف هو الرئيس، في حين يتشكل المجلس الإداري من ثلاث فئات. أولا هناك النقابات باعتبارها ليس فقط شريكا، بل إنها مقرر على مستوى المؤسسة وإذا لم يصادقوا على القرارات فإنها لن تمرر. وبالتالي فلدينا تمثيلية خمس نقابات، إلى جانب خمسة ممثلين لوزارة الصحة، ناهيك عن تمثيلية وزارة المالية والسكنى وسياسة المدينة ووزارة الشبيبة الرياضة ووزارة التعليم ووزارة التشغيل. كما أن الرئيس يسير المؤسسة وهو نفي الوقت عضو في المجلس الإداري.

ماذا عن بعض الإشكالات التي وقعت مع ممثلي النقابات؟

الفكاك: سأكون واضحا في هذا الموضوع. بالنسبة لي فإنني أحترم النقابات وأقدرهم، لأنني إبن العمل النقابي والسياسي، وهم أحرار ليقولوا ما يردون. نحن اشتغلنا وكانت النقابات تعمل بشكل إيجابي، حيث نظمنا خلوة في مدينة مراكش لنتشاور حول برنامج العمل وصادقوا معنا على برنامج العمل وميزانية 2016. وقع خلاف بسيط بشأن تنظيم حفل، حيث كان للإخوان في الفيدرالية والكنفدرالية والاتحاد العام للشغالين بالمغرب موقف بشأن حفل توقيع بعض الاتفاقيات واعتبروا الأمر بهرجة وبكونه لديه أهداف انتخابية فقاموا بمقاطعته. على كل نحن نحترم رأيهم، في حين أن النقابات الأخرى حضرت.

هل انتقل الصراع السياسي والنقابي إلى العمل الاجتماعي أيضا؟

الفكاك: أنا أنتمي إلى مدرسة ترفض إضعاف العمل النقابي، فكلما كانت الأحزاب والصحافة والنقابات قوية كلما كانت بلادنا مبنية على أسس صلبة. ليبيا انهارت بسبب غياب المؤسسة، في حين أنه في بلادنا توجد صحافة، وأنتم تعرفون بأن الصحافة المغربية لا ترحم إذا قمت بخطأ معين، وأحيانا لا تتوقف حتى عند الأمور جيدة. هؤلاء الإخوان قاموا بخلط العمل السياسي والنقابي، والحال أن هؤلاء ليسوا فقط شركاء بل مقررين وفي حالة غياب الرئيس فنائب الرئيس يقوم بمهام الأمر بالصرف وتوقيع الشيكات. مؤسسة الأعمال الاجتماعية يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة، لكن بعضهم يقوم بما يشبه معارضة للرئيس. هذا رأي أحترمه لكن لا أتفق معه، لأن عدم القيام بالواجب والتوقيع على القرارات يؤدي إلى تعطيل مصالح المنخرطين. على كل فهذا الأمر كان مجرد نرفزة عادية، والإخوان عادوا ليشتغلوا بشكل عاد وقد اتصلت بهم فيما بعد بشأن الوضعية الصحية لإحدى الممرضات وتجاوبوا معي وكانوا متفقين على ضرورة قيام المؤسسة بالواجب.

ما هو رصيد الوزارة في الجانب المرتبط بالأعمال الاجتماعية، وهل كانت هناك جمعيات تقدم خدمات معينة؟

الفكاك: هناك جمعية مركزية لوزارة الصحة قامت ولازالت تقوم بعدد من الأعمال، إلى جانب عدد من جمعيات الأعمال الاجتماعية. لكن بشكل عام هناك دعم وتعاون من طرف الوزير، حيث قام بتسليمنا عدد من العقارات التي نحن في إطار مسطرة تملكها للقيام ببعض المشاريع، علما أننا ورثنا عددا من النوادي. فحقيقة كان هناك خصاص مهول في الخدمات الاجتماعية على مستوى وزارة الصحة،على اعتبار أن إمكانيات الجمعيات محدودة ونحن بدأنا في عملية البناء.

ما هي أولوياتكم في مجال الأعمال الاجتماعية؟

الفكاك: في البداية أوضح أنه على مستوى الإدارة المركزية (الميزانية المركزية) لدينا 48 ألف موظف، إلى جانب 11 ألف في المستشفيات الجامعية وأيضا المتقاعدين بحوالي 12 ألف إلى جانب ذوي الحقوق. ففئة المتقاعدين وذوي الحقوق انخراطها اختياري، بينما الفئة المشتغلة انخراطها إجباري. فيما يخص خدمة السكن فقد خصصنا لهذه الخدمة 18 مليون درهم بقرار من المجلس الإداري. فبغية دعم منخرطيها لامتلاك سكنهم الرئيسي بأحسن الشروط، عملت المؤسسة على إحداث برنامج هام للمساعدة على السكن، وذلك بشراكة مع جل الأبناك المغربية. ويوفر هذا البرنامج امتيازات تفضيلية لفائدة المنخرطين في مجال الاستفادة من السكن الرئيسي، وهو مبني على نظام للقروض بنسب فائدة جد تفضيلية تصل إلى 4.5 في المائة حسب العرض المقدم من طرف كل مؤسسة بنكية. ولتقديم مساعدة لائقة بالمنخرطين بالنسبة لهذه الخدمة، عملت المؤسسة على تقديم دعم مالي في تمويل مشروع السكن الرئيسي عبر اختياريين، إما عن طريق الاستفادة من دعم سعر الفائدة أو عبر الدعم المباشر. بالنسبة لدعم سعر الفائدة  تدعم المؤسسة قرض السكن ب 2,5 في المائة من سعر الفائدة في حدود 200 ألف درهم الأولى من مبلغ القرض الإجمالي على مدى فترة تصل إلى 20 سنة، وذلك في حدود 3000 مستفيد برسم سنة 2016. أما بالنسبة للدعم المباشر، فتقدم المؤسسة دعما مباشرا قدره 30 ألف درهم للأفراد الذين لا يرغبون في الاستفادة من منحة دعم سعر الفائدة في حدود 100 ملف سنويا، على أن ما تبقى من قيمة القرض يطبق عليه سعر الفائدة التفضيلي المشار إليه سابقا، أي 4.5 في المائة.

هل هناك اتفاقيات مع المنعشين العقاريين؟

الفكاك: طبعا، فدعما منها للمجهود السابق في مجال الولوج للسكن عملت المؤسسة على توقيع اتفاقيات للشراكة مع العديد من المنعشين العقاريين وذلك بهدف منح المنخرطين امتيازات تهم المنتوجات والخدمات. وتهم اتفاقيات الشراكة هذه اقتناء الشقق والفيلات الجاهزة، واقتناء البقع الأرضية المجهزة، وتوفير برنامج عقاري متميز لصالح المنخرطين. كما تشمل توفير خدمات شخصية واستقبال خاص في مكاتب البيع، وكل هذه العمليات تتم عبر تخفيضات في ثمن البيع تتراوح بين 3 في المائة و20 في المائة.

ماذا عن دعم تمدرس أبناء المنخرطين؟

الفكاك: الخدمة التي نقترحها يبلغ غلافها المالي 1.5 مليون درهم. وتخصص المؤسسة منحا دراسية كل سنة للطلبة المتفوقين من أبناء المنخرطين في المؤسسة على الصعيدين الوطني والجهوي وفي جميع الشعب. فعلى المستوى الوطني تخصص المؤسسة 20 منحة دراسية سنوية تمنح للحاصلين على أعلى معدل في جميع التخصصات، ويبلغ حجم المنحة 1200 درهم شهريا لمدة 10 أشهر في السنة لمدة 5 سنوات. أما على المستوى الجهوي فتخصص المؤسسة 7 منح دراسية سنويا في كل جهة من جهات المملكة الإثنا عشر)، أي 84 منحة دراسية للحاصلين على أعلى معدل في جميع التخصصات، مع مراعاة مبدأ الإنصاف فيما يتعلق بالتوزيع العددي للمنخرطين جهويا. وتبلغ قيمة المنحة 1000 درهم شهريا لمدة 10 أشهر في السنة، خلال 5 سنوات.

في نفس السياق، أين وصلت المشاريع الخاصة بالمراكز السوسيو ثقافية؟

الفكاك: وضعت المؤسسة على رأس أولوياتها إنشاء وتهيئة مراكز للاصطياف لفائدة المنخرطين وعائلاتهم وأبنائهم. فالمؤسسة وبتعاون مع وزارة الصحة في طور تملك أراضي بمختلف المناطق لإنشاء نوادي ومراكز الاصطياف. وقد تم تخصيص ميزانية هامة برسم سنة 2016 لإطلاق عدة مشاريع. ويتعلق الأمر بإعادة تأهيل واستكمال بناء نوادي إيموزار ومراكش والرباط، وفي انتظار إنشاء وتهيئة مراكز اصطياف خاصة بها، تأخذ المؤسسة على عاتقها تنظيم مخيمات للاصطياف لفائدة أبناء المنخرطين. ومن المقرر أن يستفيد من هذه المخيمات 800 طفل خلال كل موسم (4 أفواج، يضم كل فوج 200 طفل). وستعمل المؤسسة على أن تمر هذه العملية في أحسن الظروف بالنسبة لأبناء المنخرطين. وسيعلن لاحقا عن المسطرة الخاصة بالاستفادة. وسعيا منها للاهتمام بالجانب الثقافي والترفيهي والرياضي، ستنظم المؤسسة أنشطة ثقافية وفنية ورياضية يستفيد منها المنخرطون وعائلاتهم وأطفالهم.

هل تشتغلون على الجانب المرتبط بالتغطية الصحية؟

الفكاك: استجابة منها لانتظارات وحاجيات المنخرطين، ستعمل المؤسسة على تفعيل هذه الخدمة عن طريق فتح طلب عروض أمام شركات التأمين الخاصة وذات التجربة الواسعة في مجال التغطية الصحية التكميلية. وسيغطي التأمين الصحي التكميلي سلة من العلاجات تشمل الأمراض المكلفة والأمراض المستعصية والتي تتطلب علاجات طويلة الأمر،  وكذلك الاستشفاء والبصريات وطب الأسنان والأشعة. هذه الخدمة الاجتماعية في مرحلة تحضير الإعلان الخاص بطلب العروض. ولابد أن أشير إلى أننا نتوفر على ميزانية خاصة بالحالات الطارئة في انتظار صرف التحملات، ومن هذا الباب قمنا بمساعدة الأخت الممرضة “هند تيدارين”، حيث اجتمعت اللجنة وخصصنا لها دعما، وقمنا بالواجب في إطار القانون.

ماذا عن باقي الخدمات؟

الفكاك: بموجب اتفاق بين المؤسسة والمكتب الوطني للسكك الحديدية، يستفيد المنخرطون من تخفيضات هامة وكذلك أزواجهم وأطفالهم الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و18 سنة. وهكذا يستفيد المعنيون من تخفيض في الأسعار العمومية المطبقة على تذاكر السفر بالدرجة الأولى والثانية على متن قطارات الخط الحالية، إذ لا تشمل هذه التخفيضات السفر عبر القطارات المكوكية السريعة. وتوفر هذه الخدمة تخفيضا يصل إلى 40 في المائة خلال الأيام العادية، و25 في المائة خلال فترة الذروة في نهاية الأسبوع. وقد قمنا بعملية تطبيقية ووجدنا أن هذه الخدمة دخلت حيز التطبيق تحت تسمية “أسرة الصحة”. بالنسبة لحافلات “ساتيام”، فمهنيو الصحة يسافرون نحو مناطق بعيدة، ولحد الآن تم منحنا تخفيض يصل إلى 30 في المائة، وننتظر فقط ضبط المؤسسة لنظامها المعلوماتي لنوقع الاتفاقية. ولابد أن أوضح بأنه قمنا لحد الآن بمعالجة حوالي 27 ألف طلب انخراط، والرسالة التي نود تأكديها هي أن الخدمات الاجتماعية جاهزة، فخدمة القطار دخلت حيز التطبيق وقمنا بتوقيع الاتفاقيات مع الأبناك لتخفيض فوائد قروض السكن، وعلى المعنيين أن يضعوا فقط ملفات الانخراط. فالموظف سيتم االاقتطاع من أجره لفائدة المؤسسة بشكل أوتوماتيكي، وهو ملزم بوضع الملف ليحصل على البطاقة كي يستفيد من الخدمات.

ما هي الموارد المالية للمؤسسة، والتي ستمكنكم من إنجاز هذه المشاريع المهمة؟

الفكاك: لدينا 50 مليون درهم كمنحة لوزارة الصحة، تتأتى من الميزانية العامة للدولة، إضافة إلى الانخراطات. فالقانون يحدد قيمة الانخراط بين 20 درهم و50 درهما، فالموظف الذي يتقاضى أقل من 5000 درهم سيؤدي 20 درهما والموظف الذي يتقاضى بين 5000 و10 آلاف سيؤدي 30 درهما والفئة بين 10 آلاف و15 ألف ستؤدي 40 درهما، ومن لديه أجر يتجاوز 15 ألف درهم سيؤدي 50 درهما. طبعا هناك موارد أخرى لا نتوفر عليها حاليا، وهناك موارد منتظرة على اعتبار أن المستشفيات تتوفر على بعض المقاصف التي سنقوم بتحصيل عائداتها بالنظر إلى أن القانون يؤكد أن المؤسسة هي الوحيدة التي يمكن أن تدبرها، علما أن هذه المقاصف يتم تسييرها اليوم من طرف الجمعيات.

هل هذه الجمعيات ستلتحق بالمؤسسة أم ستستمر في عملها؟

الفكاك: هذه الجمعيات منظمة وفق ظهير 1958 وليست لدينا أي سلطة عليها، باستثناء مجالات التعاون والعلاقة الأخوية. عدد من الجمعيات كانت تحصل على دعم من الإدارة المركزية أو مداخيل تلك المقاهي والمقاصف في المستشفيات، واليوم المادة الخامسة من القانون المنظم للمؤسسة تؤكد على أنه لا يجوز إحداث وتدبير هذه الفضاءات إلا من طرف المؤسسة وبترخيص من الإدارة.

في خضم الحديث عن قطاع الصحة، هل أنت راض عما حققه حزب التقدم والاشتراكية في هذا القطاع؟

الفكاك: صحيح أن المغاربة غير راضين عن وضعية قطاع الصحة، بل يتطلعون إلى ما هو أحسن، لكن المواطنين يقدرون المجهود الذي يقوم به الوزير حسين الوردي. يكفي فقط أن نشير مثلا إلى تخفيض أسعار الأدوية، وقد عشت المعركة التي قادها الوردي. هذه المعركة لم تكن سهلة، بل كانت استراتيجية ومهمة، وقد اشتغلت في ديوان الوزير وعشت عدد من المآسي عندما يأتي مواطن يطلب دواء بـ50 ألف درهم، في حين أن الشركات لا ترحم. والحال أن هناك أدوية انخفضت بـ80 في المائة، وأدوية انخفضت من 30 ألف درهم إلى 12 ألف درهم. أضف إلى ذلك المخطط الوطني للمستعجلات، فلم يسبق للمغرب أن عرف استعمال المروحيات في المجال الطبي، وهناك من يعتبرها من الكماليات، لكننني عشت حالات كان سيقضي فيها المواطن لولا هذه المروحية. فإذا كان الأمر يتعلق بإنقاذ نفس بشرية، فلا تهم قيمة المروحية حتى ولو كان سعرها 10 ملايير سنتيم. علاوة على ذلك هناك إصدار قانون منظم لقطاع المستلزمات الطبية الذي كان يعرف حالة من الفوضى، وإصلاح النظام التعليمي في مؤسسات تكوين الأطر في الميدان الصحي، وقد عشت هذه الأمور. فالممرض كان يتخرج بالسلم 9 علما بعد دراسته ثلاث سنوات، والحال أن الإجازة تساوي السلم 10، فقام الوزير بمعركة حقيقية. كما أن الوزير اشتغل أيضا على إصلاح نظام المستشفيات، حيث كان عدد منها يتوصل بالأدوية بشكل متأخر، ناهيك عن المشاريع الكبرى للمستشفيات العمومية التي تتم تحت إشراف ملكي. وهنا لا أميز، بل إن جميع الأعمال التي تقوم بها الحكومة والوزراء تتم تحت إشراف جلالة الملك باعتباره رئيس الدولة. أعتقد أن الجميع يعترف للحسين الوردي بأنه قام بمجهود جبار ومهم، وأصبح الرأي العام يهتم بهذا القطاع بشكل أكبر. أكيد لازالت هناك مشاكل وخصاص، ويهم هذا النقص بشكل أساسي الموارد البشرية، لكننا في الحزب، مقارنة مع الوضع في السابق، نفتخر بعطاء السيد الحسين الوردي وهو يشرف على القطاع، وهذه ليست شهادتي بل باعتراف رئيس الحكومة. وحتى على مستوى المعارضة فهناك قوانين تم التصويت عليها بالإجماع، كما أن الرأي العام اعتبر الوردي أحسن الوزير. الوردي يتوفر اليوم على حراس شخصيين لأنه تعرض لاعتداء من طرف أصحاب المصالح، ونحن نرى كيف تم رفض الخدمة الوطنية والمقاومات التي تعرض لها. طبعا تجارب الأمم والشعوب علمتنا أن الوزير الذي يواجه مقاومات كبير هو الوزير الذي يمس المواضيع الحساسة، وقد كان بإمكان الوردي أن يجتاز هذه السنوات دون أي مشاكل، غير أن وجود هذه المقاومات من طرف الأساتذة والأطباء والنقابات وغيرهم يعني أنه يمس الوتر الحساس.

ألا ترى بأن التقدم تمكن من التحكم في مفاصل عدد من القطاعات الوزارية؟

الفكاك: المسؤول الوحيد من التقدم والاشتراكية الموجود في المناصب العليا لوزارة الصحة هو سعيد الفكاك. أغلبية الوزراء عندما يأتون يعينون كتاب عامين من الحزب، في حين أن الوزير حسين الوردي لم يقم بذلك، باستثناء هذه العبد الضعيف الذي تم اختياره كرئيس لمؤسسة الأعمال الاجتماعية. هذا المنطق غير موجود لدينا، لكن رغم ذلك فلا يوجد قانون يمنع الوزير من وضع شخص معين لأنه ينتمي لحزب، بل هناك شروط ترتبط بالكفاءة وقيم النزاهة، ناهيك عن كون اللجنة هي التي تقوم بالانتقاء. فالمنتمي للتقدم والاشتراكية هو مواطن المغربي ولا يمكن إقصاؤه لهذا السبب، بل هذا الأمر جاري به العمل في جميع الدول الديمقراطية، ومن حق الوزير أن يضع كفاءات جديدة لكن في إطار القانون والمعقول، وألا يعين شخصا فاسدا أو أميا أو لديه سمعة سيئة. وبالتالي فعلى مستوى الإدارة المركزية لا يوجد أي شخص ينتمي للحزب باستثنائي. أما على المستوى الإقليمي فلا أنفي وجود مناضلين من التقدم والاشتراكية وهذا من حقهم، على اعتبار أن مندوبي الوزارة والمدراء الجهويين هم أطباء، ويوجد لدينا في المغرب 10 آلاف طبيب، وهناك مندوبون ينتمون للاستقلال والاتحاد والاشتراكي والأحرار والعدالة والتنمية، وهذا الأمر نفسه نجده في قطاع التعليم. طبعا بالنسبة للوزير فلا يتعامل مع هؤلاء المسؤولين على أساس الانتماء السياسي بل استنادا إلى كفاءتهم وكيفية تسييرهم. أكثر من ذلك فالوزير إذا رأى أن شخصا منتميا للحزب ولا يصلح فيمكن أن يعفيه من مهامه، وقام في المقابل بتعيين مسؤولين من أحزاب أخرى لسبب بسيط هو أنه تتوفر فيهم شروط الكفاءة والنزاهة.

ألا ترى بأن التقدم والاشتراكية أوغل في ظل العدالة والتنمية؟

الفكاك:  نحن نفتخر بالتحالف مع العدالة والتنمية، “ومازال ماتخلقتش” هذا الذي سنعيش في ظله. نحن سبقنا العدالة والتنمية في العمل السياسي، إذ أننا حزب موجود منذ 1943، ولسنا ظلا لأي أحد بل نجعل مصلحة البلاد فوق أي اعتبار. نحن لدينا خلافات مع العدالة والتنمية وهذا يظهر، لكن هذا الأمر يرتبط بما يمكن تسميته بـ”تامعلميت” في السياسة، لأننا عندما نتحالف فإننا نتحالف على المعقول. في عهد عبد الرحمان اليوسفي كان حزب الاستقلال ينتقد الحكومة من الداخل، وفي تجربة عباس الفاسي كان الاتحاد الاشتراكي هو الذي ينتقدها من الداخل. نحن نقول بأن السياسة يجب أن تنبني على الأخلاق والمعقول، فإذا كنت مع الأغلبية فيجب أن ألتزم معها وإذا كنت مع المعارضة فيجب أن ألتزم. البيجيدي حزب مغربي وليس أجنبي، ولديه شرعية ديمقراطية تتمثل في 107 برلمانيا أحب من أحب وكره من كره. نحن لما تحالفنا تحالفنا على برنامج معين، ولا يجب أن ننسى بأننا كنا نسير نحو التحكم. ومع كامل احترامي فحزب ولد للتو تبوأ المرتبة الأولى في 2009، فهل هناك دولة ديمقراطية تعرف مثل هذا الأمر؟

ألم تكونوا محظوظين بظهور حركة 20 فبراير؟

الفكاك: 20 فبراير معطى موضوعي، لكن ما أنقذ البلاد هو كون المغرب “مبني على الصح”. أتذكر أنني تحدثت مع نزهة الصقلي في تلك الليلة، وقد عبرت لي عن تخوفها، لكنني أكدت لها بأن لا شيء سيقع. الحمد لله لدينا ملكية ناضجة تقرأ مصالح البلاد ولديها قناعات ديمقراطية، وهناك تجربة ديمقراطية فتية في بلادنا، إذ توجد لدينا صحافة وأحزاب وجمعيات وحياة داخل المجتمع، وهو الأمر الذي لا يمكن أن ينفيه أحد. ومؤخرا شاهدتم كيف أن الرأي العام يساهم في إقالة الوزراء ومحاكمة رجال السلطة، والحال أن دول أخرى انهارت لأنها لا تتوفر على هذه البنيات، على خلاف المغرب الذي يتوفر على ملكية ذكية. في 20 فبراير كانت الاحتجاجات، وفي 9 مارس كان هناك خطاب ثوري امتص الغضب وجاء دستور جديد ومرت الأمور في أمان الله وحفظه. نحن مع العدالة والتنمية في إطار تحالف موضوعي وسياسي بناء على برنامج، ونحن ربما الحزب الوحيد الوفي لكلمته، إذ أننا ندافع عن هذه التجربة بقناعة والمعقول، لكننا اختلفنا مثلا في تدبير دفاتر التحملات وزواج القاصرات وعدد من الملفات.

هناك من يقول إن حزب التقدم والاشتراكية يلتقط دائما اللحظات المهمة في الحياة السياسية ويبحث عن “الرابحة”، ولا تشتغلون في الوزارات التي يثار حولها لغط؟

الفكاك:  طبعا الربح بالمفهوم الإيجابي، وليس بمنطق الريع. بالنسبة للوزارات فليس الحزب الذي يحددها، بل إن صاحب الجلالة هو الذي يعين الوزراء، ولا يمكن لشخص معين أن يطلب وزارة معينة ويحصل عليها. نحن نقول بأن من يريد أن يخدم المغاربة فيمكن أن يقوم بذلك من أي موقع، فهل وزارة الاتصال ليست مهمة بالنسبة للصحافيين؟ نحن لا ننفي بأننى نسعى إلى الربح في المجال السياسي والانتخابي، لكن ليس بمنطق الريع، بل الأمر ناتج عن حنكة وتبصر وقراءة الوضع. اختلافنا مع الإخوان في العدالة والتنمية يكون بطريقة مسؤولة ونتقدم إلى الأمام، فنبيل بنعبد الله حضر الحوار الاجتماعي، رغم أن وزير الإسكان لم يسبق أن كان يحضر لهذه الجلسات. نحن لعبنا دورا مهما كحزب مسؤول بحكم علاقاتنا مع النقابات، خاصة الاتحاد المغربي للشغل، وأيضا بحكم علاقة التقدير والاحترام التي تربطنا برئيس الحكومة. فعندما كانت مشاريع القوانين معرقلة في مجلس المستشارين، كان الأمين العام يجري اتصالات مكثفة لحل المشكل، وقد لعبنا دورا كبيرا وأكدنا لرئيس الحكومة أن هذه نقابات البلاد ويجب أن نتعاون فيما بيننا. التقدم والاشتراكية ضد إضعاف النقابات، فإذا تم إضعاف النقابات والأحزاب فمن من سنتحاور؟ هذا الدور نلعبه ليس من أجل تحقيق ربح ريعي، بل من أجل مصلحة البلاد والمحافظة على الاستقرار.

كيف تقرأ خروج حزب الاستقلال من حكومة؟

لالفكاك: لقد قلنا وسأكرر ذلك، فإذا كان هناك من حلفاء قريبين إلينا فهم القوى الديمقراطية والتقدمية من حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، رغم كل شيء. نحن نأسف جدا على خروج حزب الاستقلال، فمباشرة بعد ظهور نتائج الانتخابات التشريعية اتصل الأمين العام بعبد الواحد الراضي الذي كان آنذاك كاتبا أولا، وحتى بنكيران كانت لديه رغبة في أن تضم الحكومة البيجيدي والاستقلال والاتحاد والتقدم، وكنا سنكون أكثر سعادة. فهذه الأحزاب لديها الشرعية الديمقراطية، لكن أيضا تاريخ ويبقى الاتحاد والاستقلال من الأحزاب التي ساهمت في بناء تاريخ البلد، وهو الأمر الذي لا يمكن لأحد أن ينفيه رغم أنه يمكن أن يقع خطأ فيما بعد. غير أنه مع الأسف خرج الاتحاد الاشتراكي ببلاغ يعلن فيه التحاقه بالمعارضة، وفي السياسة لا نصل دائما إلى ما نرغب فيه، في حين أن حزب الاستقلال اتخذ قرار دخول الحكومة ونفس الشيء بالنسبة إلينا. اليوم نأسف لخروج الاستقلال من الحكومة، والاستقلاليون استخلصوا الخلاصات منذ انتخابات مجلس المستشارين التي أبانت لهم القريب إليهم والبعيد، وأتمنى أن يأخذوا الخلاصات في الانتخابات القادمة.

هل ترى أن حزب الاستقلال غُرر به؟

الفكاك: حزب الاستقلال أكبر من يغرر به. هذا الحزب له قيادات في المستوى وله السيادة في اتخاذ القرار، ولا أعتقد أن حزبا في حجم الاستقلال يمكن أن يغرر به، بل يمكن أن يكون الأمر خطأ في التقدير.

عندما كنت مديرا لديوان وزير الصحة عشت بعض الاحتجاجات، من قبيل مسيرات الطلبة الممرضين، ومؤخرا كان هناك إشكال مع الأساتذة المتدربين. ألا ترى بأن الحكومة تطرح بعض المشاريع وتتراجع عنها، وكأنها لا تتوفر على رؤية واضحة؟

الفكاك: بالنسبة لي فملف الأساتذة المتدربين إذا تم حله وكانت هذه الفئة مرتاحة فهذا أمر جيد. على عكس ما تم بسطه في السؤال، فهذا الأمر يعد إحدى علامات التطور الجيد في ممارسة الدولة، ولا أرى بأن هناك تراجع بل ما تم طرحه هو حل جيد ولا يجب أن ننظر إليه بمنطق الغالب والمغلوب. مع الأسف ما وقع في ملف الأساتذة المتدربين هو دخول بعض الأمور السياسية والانتخابات، فالسياسة والانتخابات موجودة لكنه تم استعمالها هذا الملف. فشخصيا كنت مقتنعا بالاقتراح الذي جاء به رئيس الحكومة، وعلى الأساتذة أن يثقوا في الدولة والمؤسسات. وعليه لا يجب أن ننظر إلى الملف من جانب الغالب والمغلوب، بل إنه إذا تم حل الملف فـ”مبارك ومسعود”. طبعا نحن تؤلمنا تلك المناظر ولا يوجد مغربي سيقبل بالعنف الذي وقع، والكل يعترف بأنه كان هناك خطأ في التقدير بشأن طريقة التعامل مع هذا الملف، بما فيهم رئيس الحكومة، ولذلك منحهم ذلك الحل. الأساسي هو إيجاد آفاق للحلول وليس أن تبقى جميع الأطراف “راكبة راسها” وغير راغبة في التوصل إلى حل.

قبيل الانتخابات الجماعية استضفنا نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، وقدم مجموعة من الوعود. هل أنتم راضون عن النتائج، التي يقول البعض إنها لم تصل إلى ما تستحقونه؟

الفكاك: هذا الأمر ممكن، فمكانة حزب التقدم والاشتراكية الوطنية والسياسية لا يجادل فيها أحد لكن حجمه الانتخابي نعرفه. كنا ننتظر أن نحصل على نتائج أحسن، خاصة أن هناك تطور للحزب، وقد ساهم في ثلاثة تجارب حكومية ويلعب دورا أساسيا اليوم في هذه التجربة، لكن الانتخابات ليست نزهة بل من أصعب الأمور لأنه تتدخل فيها أمور سياسية وقبلية ومالية وإدارية والسلطة. نحن كنا نطمح لأكثر من ذلك، لكن النتائج من الناحية السياسية تبقى مقبولة لأننا حققنا تقدما سواء من حيث عدد الأصوات أو المقاعد.

هل تتوقعون تقدما في الانتخابات التشريعية، ونحن نعرف أن الأحزاب المشاركة في الحكومة تؤدي ضريبة تدبير الشأن العام؟

الفكاك: “البيجيدي” اكتسح الانتخابات في خضم تسييره للشأن العام، حيث اكتسح مختلف المدن والمناطق من شمال المغرب إلى شماله.

لكن هناك من يرى إن اكتساح “البيجيدي” كانت مرتبط بسياق وتاريخ ولا تتعلق بشكل مباشر بتدبير الانتخابات؟

الفكاك: فلتفسروا ذلك بالطريقة التي تريدون، لكن النتيجة هي التي نحن بصددها اليوم هي أن “البجيدي” اكتسح. حتى الاتحاد الاشتراكي عندما كان يكتسح الانتخابات في السبعينيات، فلم تكن تتحقق نتائج اقتصادية واجتماعية جيدة. فقد كانت آنذاك مشاكل البطالة وحقوق الإنسان والسجون، لكن اليسار كان يحقق تلك النتائج الجيدة بفضل السمعة، ونفس الشيء يقع اليوم مع “البيجيدي”. نحن طورنا نتائجنا حيث تقدمنا بـ700 مستشار، وبالتالي حققنا تقدما وأصبحنا متواجدين ونسير الشأن العام في أماكن لم نكن نتواجد فيها. فنحن مفتخرون بحصيلتنا، وإن كنا نريد أحسن من ذلك بالنظر إلى أن هناك إكراهات وظروف، لكننا نسير نحو الانتخابات القادمة بأياد نظيفة. أتحدى أيا كان، منذ تجربة 1998، إن سبق لوزير من التقدم والاشتراكية أن تورط في فضيحة أو قضية فساد. فقد يخطئ هذا أو ذاك لأن الوزير بشر ولا أحد معصوم عن الخطأ أو القيام بتصريح معين، لكن لم يسبق للرأي العام أن سمع بتورط مسؤول من التقدم في فضيحة فساد. فالحمد لله نتوجه نحو الرأي العام بأياد نظيفة، ونحن متؤكدين بأننا سنضاعف نتائجنا ونحقق نتائج أفضل.

هل ستستمرون مع البيجيدي، خاصة أنكم تتمتعون بنوع من الذكاء السياسي ولديكم خبرة في تدبير الشأن العام؟

الفكاك: السياسي غير الذكي يجب أن يلتزم منزله. رجل الدولة والسياسة إن كان لا يتوفر على منطق لتحليل الأمور ويرى مصلحة البلد فلا يمكن أن يعمل. “البيجيدي” اشتغلنا معهم ونعتز بذلك، وإذا تبوأ هذا الحزب الصدارة، وفي الغالب فهذا ما سيقع، فيمكن أن نستمر معهم في التجربة على اعتبار أنه وقع نوع من التفاهم والتعاون. وبالطبع فنحن منفتحين على جميع الاحتمالات التي ستحترم مصلحة البلاد والوطن.

ماذا عن التحالف مع “البام”؟

الفكاك: في السياسة لا يوجد حلال أو حرام. غير أننا الآن بصدد تجربة وتوجه سياسي معين، وجميع التكهنات والمؤشرات تذهب في اتجاه منح “البيجيدي” الصدارة، وحتى نكون منطقيين فلا يمكن أن نكون إلا مع هذه التجربة.

 

لا تعليقات

اترك تعليق