إن تصاعد الطموحات الإقليمية وخفوت المشاعر الوطنية لا يرجع إلى غياب جهد حكومي لضمان تنمية المناطق، بل يرجع بالأساس إلى ظهور إحساس بالإحباط نتيجة عدم احترام إرادة السكان، وتنفيذ مشاريع التنمية دون أن تحدث هذه الأخيرة تغيرات إيجابية كبيرة على حياتهم اليومية. هذا ما أجمع عليه أساتذة وباحثون شاركوا أول أمس السبت في الندوة العلمية الأولى التي نظمتها مؤسسة علي يعتة بالمكتبة الوطنية وسط العاصمة الرباط تحت عنوان “الفوارق المجالية وآثارها على الشعور الوطني”.

اسماعيل العلوي يدعو إلى الحوار

في هذا السياق قال رئيس مؤسسة علي يعتة إسماعيل العلوي إن تفاقم الفوارق المجالية يتطلب فتح حوار وطني حقيقي حول مصير الأمة، مؤكدا أن هذا النقاش يسعى للحصول على أنسب الحلول للمشاكل التي تؤدي إليها الفوارق المجالية وعلى رأسها خفوت الشعور الوطني لدى الأفراد.

وأضاف إسماعيل العلوي الذي ترأس اللقاء وسير أطواره أن تعزيز المشاعر الوطنية لا يزال يعتمد على شعور المواطنين بالرضى عن ثمار النمو والازدهار في دولهم، مشيرا إلى أن هذا المعطى يفسر سبب تنامي الشعور الوطني بشكل أكبر لدى مواطني الدول المتقدمة.

واعتبر العلوي أن الرفاهية من الأسباب الأساسية والرئيسية في تنامي الشعور الوطني، مستدلا على ذلك بما تعرفه عدد من الدول الكبرى بمقابل ما تعيشه الدول الفقيرة التي تعاني نوعا من التشتت والصراع.

وأوضح رئيس مؤسسة علي يعتة أن اختيار موضوع الندوة يأتي في سياق دولي يتميز بظهور نزعات انفصالية في أوروبا (كتالونيا في إسبانيا، لومباردي، اسكتلندا في بريطانيا، الخ …)، التي طعنت في الشعور القومي على الرغم من الازدهار الاقتصادي السائد في هذه البلدان، التي تستمر فيها الصراعات الاجتماعية بين الأقاليم جزئيا بسبب التمييز ضد بعض السكان مثل الصراع بين السود والبيض في الولايات المتحدة الأمريكية. أو من خلال الإحساس بتحمل نفقات جهات أخرى فقيرة، حيث يتنامى إحساس لدى مواطني الجهات الغنية. هذا الاحساس يولد لديهم فكرة مفادها “أنهم غير مسؤولين عن فقر الجهات الأخرى وليس عليهم أن يتحملوا التخلف الاقتصادي في مناطق أخرى”، كما هو الحال في كتالونيا في إسبانيا.

محمد حاتمي: الشعور الوطني تعكسه حاجة السكان لتوحيد جهودهم في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية

من وجهة نظره، أشار المؤرخ وأستاذ التاريخ الراهن بجامعة سيدي محمد بنعبد الله بفاس محمد حاتمي إلى أنه في حالة المغرب، فإن الإحساس بالانتماء للكيان الوطني يرجع إلى حاجة السكان إلى توحيد صفوفهم لمواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

وبعد التذكير بأن مفهوم الدولة القومية قدمه المستعمر، أشار إلى أن النداءات التي دعت إليها حركة التحرير الوطني من أجل الحشد ضد المستعمر ساعدت على تقوية الوحدة الوطنية. مؤكدا أن هذه المشاعر جعلت عملية النضال من أجل استقلال البلاد تقوي الشعور الوطني بشكل أكبر، حيث توحدت جميع الفئات والمكونات الوطنية للمساهمة في تحرير البلاد واستكمال وحدتها الترابية بعيدا عن أي انفلاتات أو عمل قيام ثورات.

وذكر أستاذ التاريخ الراهن بأهم محطة عرف فيها الشعور الوطني المغربي طفرة أيام الاستعمار وهي التي صادفت محاولات المستعمر في الثلاثينات إحداث تمييز بين مكونات الشعب المغربي من خلال إخراج الظهير البربري. مشيرا إلى أن جميع المكونات توحدت آنذاك وأفشلت مخططات الفرنسيين.

علي بوعبيد: الريف ليس أفقر من جهة درعة

من جانبه قال الأستاذ علي بوعبيد إن مشكلة التفاوتات الإقليمية ليست فريدة من نوعها، إذ أنها حالة طبيعية موجود في عدد من البلدان.

وقال نجل المناضل الراحل عبد الرحيم بوعبيد إن هذه مشكلة تؤثر على كل بلد تقريبا في العالم، فذهب إلى حد القول إنه كلما زاد إنتاج المجتمع للثروة، زادت أوجه عدم المساواة بين المناطق، لأن المنطقة الأكثر غنى بنظره هي التي تعتبر أكثر ربحية، وتجذب معظم الاستثمارات.

وتابع المتحدث أنه من بين الحلول التي يتصورها المغرب لمعالجة الفوارق المجالية إحداثه لصندوق التوازن الذي يهدف إلى تعزيز التضامن بين الجهات والأقاليم. معتبرا أن هذا الاختيار لا يستند على تفسير علمي بقدر ما هو خيار سياسي يشارك في تصور اجتماعي لتعزيز التضامن بين المناطق، وذلك قصد تعزيز الشعور بالانتماء إلى الكيان الوطني.

وفي إطار حديثه عن التضامن أفاد بوعبيد أنه “إذا كانت المحنة هي العامل الحاسم للشعور الوطني وقت الكفاح من اجل الاستقلال فإن التضامن الإقليمي يجب أن يحفز الناس من الآن فصاعدا وينمي شعورهم بالانتماء الوطني من خلال فهمهم لمصلحة العيش معا. مضيفا أن الهدف من هذا الاتفاق التوزيعي ليس تحقيق المساواة بين المناطق، بل بذل كل جهد لتطويرها وفقا لإمكانيات كل منها، معتبرا أن هذه الجهود من شأنها أن تقلل من الشعور بالإحباط.

لكن المتحدث استدرك بالقول إنه في الوقت الراهن لم تمنع الجهود الاستثمارية السكان من الشعور بمشاعر “الإحباط النسبي” في عدد من المناطق كما هو الحال في الحسيمة وأماكن أخرى، رغم أنه لم يتم حسب المتحدث إهمال هذه المناطق، مشيرا إلى أن الريف ليس أفقر من جهة درعة.

بوعبيد فسر ذلك بكون أن الشعور بالاستبعاد أقوى في منطقة الحسيمة أكثر من أي مكان آخر، على الرغم من الجهود الهائلة التي بذلتها السلطات لتنفيذ جميع المشاريع المدرجة في برنامج منارة المتوسط.

وأضاف بوعبيد أن بعض المشاريع المدرجة في هذا البرنامج الموجه للحسيمة لقيت إشادة من قبل السكان، في حين أن هناك إحساس بالحكرة بفعل تحويل البعض من هذه المشاريع لأماكن أخرى كطنجة أو الرباط من قبل صناع القرار دون استشارة الفاعلين المحليين وهو “إحساس بالإبعاد” من دائرة القرار. مشيرا إلى أن بنية الدولة يجب أن تتطور من خلال تمكين الجهوية الموسعة بسلط أكبر.

ناصر القادري: عدم إشراك الفاعلين المحليين يشكل مصدر “سخط”

ذات الفكرة التي انتهى بها الأستاذ علي بوعبيد انطلق منها أستاذ معهد الإحصاء ناصر القادري الذي قال إن تغييب الفاعليين المحليين عن دائرة القرار قد يكون مصدر سخط.

وأضاف القادري في مداخلته أن السياسة الاقتصادية في المغرب كانت مدفوعة بالنهج القطاعي والإدارة المركزية من قبل الحكومة المركزية في غياب مشاركة الجهات الفاعلة المحلية. ونتيجة لذلك، فإن العديد من المناطق، لا سيما في المناطق الريفية، التي يعاني سكانها من غياب أي نمو أو نشاط اقتصادي، عرفت إحساسا بالغضب. مبرزا أنه بالتوازي مع هذا الشعور بالاستبعاد بالمناطق الريفية، تستمر المناطق الأكثر ثراء على طول محور طنجة والدار البيضاء في جذب الناس الباحثين عن عمل وتحسين ظروف المعيشة.

وأكد الاستاذ ناصر القادري على أن الاقتصاد يلعب دورا أساسيا في ترسيخ الشعور الوطني وتعزيزه، مشيرا في هذا السياق الى ان فكرة إحداث صندوق التوازن المجالي، الذي يهدف الى تقليص الفوارق المجالية من خلال دعم الجهات الغنية للجهات الفقيرة، “تعطي إحساسا بالتضامن والوحدة بين مكونات المجتمع”.

لكن المتحدث أبرز أَن هناك احتمال حدوث نتائج عكسية لفكرة الصندوق، حيث يترتب عتها “إحساس بالغبن” نتيجة تحمل جهة غنية لنفقات جهات فقيرة، وهو أمر يؤدي الى نشوب نزعة انفصالية كما حدث في كتالونيا مثلا التي اختارت الانفصال عن اسبانيا بالنظر لكونها جهة غنية في حين أنها تدفع ضريبة فقر مجموعة من الجهات الاخرى خصوصا في الجنوب.

سعيد بنيس: تعزيز المشاعر الوطنية يعتمد على اعادة بناء الثقة “الاجتماعية”

من جانبه قال الأستاذ المتخصص في علم الاجتماع سعيد بنيس إن تعزيز المشاعر الوطنية يعتمد على اعادة بناء الثقة الاجتماعية كجزء أول من خلال خلق تكافؤ بين الجهات “ماديا” بالإضافة إلى إعادة التركيز على الجانب الهوياتي والثقافي في التقسيم المجالي.

وشدد المتحدث على أهمية إيلاء الاهتمام للجانب الثقافي لكل جهة من أجل خلق احساس وطني قوي رغم أن الامر يحتمل نتائج عكسية كذلك، اذ من الممكن أن يؤدي بدوره الى نزعة انفصالية عرقية، لكنه استدرك بالقول إن التركيز على الجانب الهوياتي يعطي شعورا بالانتماء للجهة ومن ثمة للوطن خصوصا إذا ما كانت الدولة تعمل على خلق تكافؤ مادي بين جميع الجهات.

كما قدم المتحدث عرضا حول الشعور الوطني الذي خلص إلى انه يعاني من خفوت نتيجة التنشئة من جهة ونتيجة الإحساس بـ «الحكرة المجالية” من جهة أخرى. مشيرا إلى أن الإحساس بالحكرة المجالية يساهم بشكل أكبر في خفوت الشعور الوطني، مستندا في ذلك على المعطيات الرقمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط للتأكيد على غياب التوزيع العادل للثروات بين جهات المملكة، إذ تشير المعطيات الصادرة سنة 2014 إلى أن الفرق في معدل الفقر بين الجهات يصل إلى حوالي 12 في المائة، بينما تفوق نسبة الشباب العاطلين 80 بالمئة.

وأوضح أستاذ علم الاجتماع أن هناك “ريعا جهويا”، إذ لا تنال كل جهة حقها، مما يؤدي حسب تعبيره إلى “تعمق الفوارق المجالية بين الجهات في ما يخص فرص الشغل وتوفر وسائل المواصلات وجاهزية المراقبة الصحية وفاعلية مؤسسات التأطير الإداري”. وبالتالي إحساس بالغبن لدى المواطنين وخفوت الشعور بالمواطنة. مشيرا إلى أن الاحتجاجات ستبقى قائمة في المغرب مادامت السياسات العمومية لا تلبي ولا تستجيب لمنظومة القيم المادية المنشودة من طرف المواطنين والساكنة.

يذكر أن هذا النشاط هو الاول من نوعه لمؤسسة على يعتة، التي خرجت للوجود قبل أشهر، وذلك بعدما صادقت على نظامها الداخلي وبرنامج عملها لهذه السنة، حيث تراهن المؤسسة حسب رئيسها مولاي اسماعيل العلوي على خلق نقاش حول مجموعة من القضايا ذات الراهنية سواء منها الاجتماعية او الاقتصادية، مؤكدا على أن المؤسسة ستعمل على تنظيم ندوات دورية هدفها الخروج بتوصيات والمساهمة بها لحل العديد من الإشكاليات المطروحة على المستوى الوطني والدولي.

محمد توفيق أمزيان

 

لا تعليقات

اترك تعليق