لا يزال قرار تعويم الدرهم المؤجل يثير العديد من التحليلات والنقاشات، سواء لدى الاقتصاديين أو حتى لدى المواطنين عامة؛ فالكل متخوف من سيناريوهات قد تؤدي إلى التأثير قيمة الدرهم وبالتالي تأثر القدرة الشرائية للمغاربة، في حال اعتماد نظام صرف مرن للعملة الوطنية.

ويحدد سعر صرف الدرهم حالياً على أساس سلة عملات مكونة من 60 في المائة من الأورو و40 في المائة من الدولار. وحين ترتفع قيمة الأورو فإن قيمة الدرهم ترتفع، الحال نفسه بالنسبة إلى الدولار، وهذا نظام صرف ثابت يعتمده المغرب منذ مدة.

طيلة شهور بعد إعلان نية تحرير صرف سعر الدرهم من لدن بنك المغرب، لم تبادر الأحزاب السياسية إلى طرح الموضوع للنقاش، إلى أن أخذ حزب التقدم والاشتراكية زمام المبادرة الأولى قبل أسابيع، ونظم يوماً دراسياً، حضره مسؤولون في القطاع البنكي ووزارة الاقتصاد والمالية وخبراء اقتصاديون، وأداره عبد الواحد سهيل، الذي يعدّ أحد الباحثين الملمين بهذا الموضوع بشكل جيد.

وسهيل هو أحد الاقتصاديين الذي أمضى سنوات في عدة مسؤوليات مهمة في القطاع البنكي، أهمها البنك المغربي للتجارة الخارجية، الذي أمضى فيه ثلاثين سنة، وقد مكنته تجربته الطويلة من اكتساب معرفة معمقة بالنسيج الإنتاجي المغربي ومن إقامة علاقات متينة مع مجموعة من الفاعلين الاقتصاديين.

في هذا الحوار، يتحدث لنا عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية والوزير الأسبق للتشغيل والتكوين المهني عن تاريخ العملة وشروط المرور إلى نظام صرف مرن بشكل سلس، كما يشير إلى المخاطر التي قد تؤدي إلى نتائج سلبية في حالة اعتماد هذا النظام.

أولاً ما نقصد بصرف مرن للعملة؟ وكيف وصل العالم إلى هذا النظام؟

سعر العملة كان في مدة معينة مرتبطاً بسعر بعض المعادن، خصوصاً الذهب والفضة والملح، والأمر كان يقوم على مسألة الثقة، أي يتم الدفع عبر الذهب أو الفضة أو الملح لأنها تعتبر ذات قيمة يمكن إعادة التداول فيها.

قبل ستين عاماً، كان نظام التعامل الدولي عبارة عن “تبادل على أساس الذهب”، وآخر تعامل من هذا القبيل كان في عهد الجنرال شارل دوغول في بداية الستينيات؛ لكن مع مجيء ريشارد نيكسون، الرئيس الـ37 لأمريكا، انتهى الأمر، وأصبح الدولار يستند إلى الاقتصاد وقوته.

في عالم اليوم، توجد عملتان تسيطران بشكل كبير، وهي الأورو والدولار، نظراً لارتكاز الأولى على أهم الاقتصادات في الاتحاد الأوروبي، والدولار الذي يستند إلى اقتصاد أمريكا والمسنود أيضاً من لدن البلدان البترولية التي تسعى إلى إبقاء الدولار دائماً في مستوى متوازن.

وفي المغرب، أحدث أول عملة وطنية سنة 1959، وتم فك الارتباط بالفرنك الفرنسي، ومنذ ذلك الحين أصبح للمغرب نظام صرف يرغم أي متعامل باللجوء إلى بنك المغرب، إلى أن تحسنت ظروف المغاربة، وأصبح نظام الصرف مرنا أكثر فأكثر.

بعد عقود من إحداث العملة المغربية.. نتجه، اليوم، إلى خطوة مهمة وهي التعويم..

نعم، هي خطوة مهمة، لأن المتدخل الوحيد اليوم في تسعيرة العملة بالمغرب هو بنك المغرب، وفي عملية نظام الصرف المرن سيكون للبنك المركزي دور محوري؛ لكن ستُمكن الأبناك التي تتوفر على العملات أن تستعملها فيما بينها، ما يعني أن الأبناك ستصبح متدخلة إلى جانب بنك المغرب في سوق تسعير العملة في إطار التوازن، أي أن العملة ستصبح سلعة وطنية تتغير قيمتها كل يوم.

هذا قرار سيادي يجب أن تتخذه الحكومة، عبر وزارة الاقتصاد والمالية وبنك المغرب؛ لكن المفروض أن يُناقش على مستوى سياسي لأن له أبعادا اقتصادية نظراً للتبعات التي ستعقبه.

والنظام الذي تقترحه السلطات المالية يقتضي أن ينفتح السوق بين متعاملين أكثر إلى جانب بنك المغرب، على أساس أن يتدخل هذا الأخير عندنا يصل سعر العملة إلى سقف تحدده لكي لا تقع مزايدات عليه، وتتدخل أيضاً حين انخفاضه تحت نسبة أدنى لكي لا تنهار قيمة العملة الوطنية.

وعلى هذا الأساس، ستُباشر هذه التجربة؛ لكن سيبقى أساس الارتكاز على العملتين، الأورو والدولار، طيلة فترة 15 سنة لتوسيع هامش العمليات ويفتح سوق العملة أكثر فأكثر.

أكيد أن هذا القرار ستكون له انعكاسات، هل المغرب يتوفر على شروط أفضل لدخول هذا النظام؟

نعم، الأمر سيكون له عواقب، لأن الأبناك ستبدأ في بيع وشراء العملة فيما بينها؛ وهو ما يعني أن منطق الربح والمضاربة سيكونان حاضرين. لكن يجب اتخاذ ترتيبات للحيلولة دون الوصول إلى نتائج سلبية كما حدث في بلدان أخرى جراء انهيار للعملة، خصوصاً أن المغرب لديه اقتصاد هش، وليس لدينا مواد كثيرة نصدرها إلى الخارج، وهناك مواد مهمة لا غنى عنها نستوردها مثلاً البترول والقمح، في المقابل نبيع الفوسفاط والمواد الفلاحية والسياحة، وهذه الأخيرة مثلاً يمكن أن تضرر من أية قلاقل. وهذه عناصر تشكل موارد للعملة الصعبة.

هذا يعني أن الشروط غير مواتية لإقرار نظام صرف مرن للعملة بالمغرب؟

المغرب في وضع أحسن مما كان عليه مدة طويلة، هناك احتياطي مهم من العملة الأجنبية، والتضخم في بلادنا يعرف تراجعاً، ولم نعد نعيش ارتفاعاً كبيراً للأسعار.. لذلك، أظن أن الظروف الحالية هي أحسن ظرف يمكن يحرر فيه المغرب نظام صرف العملة. وهذا الأمر يزكيه البنك الدولي، الذي أوصى المغرب بدخول هذا النظام دون تخوف.

هذه كلها عناصر دقيقة متشعبة يجب أن تتم مراعاتها، ويظهر أن السلطات المالية تحاول الطمأنة؛ لكن لا يمكن للقرار السيادي والسياسي للمغرب ألا يأخذ بعين الاعتبار المخاطر الممكنة، ما دام أن العملة ستصبح مصدر ربح للأبناك، فمن دون شك سيكون هناك من سيقوم بمضاربات، مثلما ما وقع في الأسابيع الأخيرة، وهي أمور ما زالت تحتاج إلى التدخل من لدن المؤسسات المكلفة بالضبط في المجال المالي..

يظهر أن جل الذين تحدثوا في موضوع تعويم الدرهم يتفقون على أن هناك خطر انخفاض قيمة الدرهم..

قيمة الدرهم لا يمكن أن يتحكم فيها أيّ شخص، بل سيتم تسعيرها بناءً على متطلبات الاقتصاد، والعملة ستصبح مثل السلعة، فإذا كانت متوفرة فثمنها ينخفض، وإذا كان قليلة فثمنها يرتفع. وإذا كانت التوزانات المالية للمغرب مع الخارج متفاقمة فمعنى أن رصيد العملة سيقل. لهذا، فالتخوف تخوف مشروع نظراً لهشاشة الاقتصاد الوطني.

المطلوب اليوم من السلطات المالية هو الحذر والاحتياط لمواكبة العملية، كما أن هناك ضرورة لتأهيل الاقتصاد في نمطه وحكامته، وهي عناصر أساسية ومهمة قبل أية عملية تحرير لسعر العملة.

هل هناك نماذج دول نجحت في عملية تحرير سعر العملة؟

البلدان كلها عرفت تقلبات في سعر عملاتها؛ فالدولار مثلاً كان يساوي عشرة دراهم في وقت سابق، وانخفض بعد ذلك إلى 8 دراهم، والآن هو في حدود 10 دراهم. الشيء نفسه بالنسبة إلى الجنيه الإستراليني الذي كان يساوي 15 درهماً، واليوم أصبح 13 درهماً. كما أن العملة أصبحت مرتبطة بثمن البترول، أي أنها تواجه تقلبات السوق.

هناك العديد البلدان التي أقرت نظام التحرير وبالرغم من قوة اقتصاداتها عرفت تقلبات في سعر عملتها؛ وهو ما يعني أن المغرب ليس بمنأى عن هذا الأمر.

لوحظ أنه في بداية النقاش، نهاية العام الماضي، لم تكن الأحزاب مهتمة بالموضوع.

كان الأمر حاضراً لدى بعض أعضاء حزبنا المتخصصين، والنقاش في البداية لم يكن في المجال العام؛ لكن حين تم الإعلان عن بشكل رسمي كان ضرورياً علينا كحزب موجود في البرلمان والحكومة على أن يسأل ماذا يقع.

في السابق، كان النقاش مع الأبناك والاتحاد العام لمقاولات المغرب والبنك الدولي، واليوم أصبح النقاش عمومياً وتجاوز المبادئ إلى الميكانيزمات ومدى نجاح العملية من فشلها.

وأرى أنه من الضروري فتح نقاش عمومي واسع بخصوص الأمر، لكي لا يصطدم المغاربة بوضع جديد ستكون له تبعات دون أن يكونوا مهيئين نفسياً، لأن ما يتم في السر تكون صحته دائماً مشكوك فيها. ومن هذا المنطق، بادرنا في الحزب إلى تنظيم أول لقاء حول تعويم الدرهم حضره مسؤولون من وزارة المالية والقطاع البنكي وباحثون في الاقتصاد والمالية.

ماذا كان خلاصات الندوة التي نظمتموها؟

المواقف كانت مختلفة، بين من يطمئن وبين من يقول بأن الحذر ضروري، وهناك من تساءل حول مدى نضج الاقتصاد المغربي لهذا القرار، دون إغفال الوضعين السياسي والاجتماعي للبلاد.

مصر والجزائر أقرتا هذا النظام واليوم أمامهما تحديات كبيرة وصعبة.. الأمر سيكوهل ن سيان بالنسبة إلى المغرب؟

لا.. الأمر مختلف، فاقتصاد الجزائر مبني على البترول، وهذا الأخير عرف مشاكل كبيرة بسبب انخفاض الأسعار، كما أنه ليس مورداً طبيعيا فقط بل أيضاً مورد مهم لميزانية البلاد، ويمس السياسة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، كما أن لجوء الجزائر إلى الاقتراض جعل البنوك تفرض عليها إجراءات تمكن من استرداد القرض، الشيء نفسه بالنسبة إلى مصر، بل هناك الأمر متأزم.

أما في المغرب، فالسلطات المالية تقول إن قرار تعويم سيتم في وضع نسبي مريح، والاقتصاد الوطني يعرف تطوراً إيجابياً نسبياً.

يتساءل بعض المتتبعين عن جدوى هذا الاختيار من أساسه..

هذا اختيار إيديولوجي، لأن المغرب اختار الليبرالية منذ مدة، وهذا يحتم عليه الانفتاح على العالم، كما أنه أيضاً يحتم عليه أن تكون لديه علاقات مع بعض البلدان تستعمل هذه الوسائل.

مع الأسف، أدوات النظام الليبرالي حين تفشل تكون تكلفتها قاسية؛ فمثلاً حين أفلست الأبناك في إسبانيا واليونان، اضطر الشعب لأداء فاتورة هذه الأزمة لإنقاذ الأبناك، وهذا ما لا أتمناه لبلدي. أتمنى أن يكون هناك ما يكفي من اليقظة والاحتياط.

المضاربة تمثل أكبر خطر يهدد نجاح نظام التعويم، أليس كذلك؟

نعم، فمعروف أن الأسواق السوداء يتم فيها بيع وشراء العملة والأسهم والسلع في العالم كله، والذين يشتغلون في هذه الأسواق يقومون بنوع من الاستشراف مثل لعبة الورق. وإذا كانت هذه الأسواق غير مضبوطة فيمكن أن يخرج منها “لعجب”، وستكون هناك مخاطر كبيرة.

إلى حد الآن، نظام الصرف كما هو فيما يخص الاستيراد والتصدير لدى مكتب الصرف لا يزال مضبوطاً، والمفروض ألا تكون إمكانية شراء العملة إلا في حالة وجود عملية تجارية لأداء سعر سلعة، هذا هو الأساسي؛ لأنه في حالة سمحنا للرساميل العالمية بالدخول إلى السوق المغربية، يمكنها مهاجمة العملة كي يتم تخفيض ثمنها.. لهذا، يجب حماية العملة من المضاربة التي لا علاقة لها بالاقتصاد الواقعي، وهذا دور مكتب الصرف والبنك المركزي، كما أن مجال التشريع مهم في هذا الصدد.

الأمر أشبه بالمغامرة، إذن؟

طبعاً، الأمر مثل أية مغامرة، يجب حساب السلبيات والإيجابيات؛ لكن الاستعداد الجيد يجعل البلاد تتغلب على التحديات.. يظهر لي أن القرار سيخلق العديد من الصعاب؛ لكن يمكن للمغرب بكامل سيادته إعادة النظر في هذا القرار برمته.

لا تعليقات

اترك تعليق