السيدات الفضليات، السادة الأفاضل،

ضيوفنا الكرام،

رفيقاتي العزيزات، رفاقي الأعزاء.

إنه يومٌ كبير، وإنها لَلَحْظةٌ مُمَيَّزَة، هذه التي نلتقي فيها، ويلتئم فيها مؤتمرنا الوطني العاشر، تحت شعار” نَفَسٌ ديمقراطيٌّ جديد”، قبل انصرام الآجالِ القانونيةِ المحددةِ في أربع سنوات بأيامٍ معدودات، حيث كنا افتتحنا مُؤْتمرَنَا التاسع في 30 ماي 2014، بهذا الفضاء تحديدا، تحت شعار ” مغرب المؤسسات والعدالة الاجتماعية “.

وها هي المسيرةُ تتواصل، مسيرةُ نضالِ وكفاحِ حزبٍ، بنسائه ورجاله، من أجل قضايا الوطن والشعب: مسيرةٌ سَعَيْنَا، ونسعى بكل ما أوتينا من جهد، إلى أن تَصِلَ الماضيَ بالحاضر والمستقبل، بوفاءٍ وتجديدٍ لا ينفصلان.

نعم نلتئم اليوم  وَوِجْدَانُنَا، كَمَا تفكيرُنَا، يستحضرُ ذكرى كل أولئك اللواتي والذين عَبَرُوا من هذا البيت العامر، وبصموا حياة هذا الحزب العتيد بالعطاءات السخية والتضحيات الجسام، وقدموا لوطنهم وشعبهم ما يقتضيه الواجبُ وأكثرْ  من خَدَماتٍ جليلة، في صمت وبنكران ذات، منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا.

فَتَحِيَّةَ تقديرٍ وإجلال وإكبار لجميعِ مناضلاتِ ومناضلي حزبنا على مر الأجيال، والذين يجدر بنا أن نتخذهم قدوة، ونستنير بتجربتهم، ونكون في مستوى تفانيهم ووفائهم، وهُمُ الذين تعلمنا منهم أن قوة حزبنا في وحدةِ صفوفه، وأن في وحدته، أيضا، تعزيزا لمكانة الديمقراطية والديمقراطيين في وطننا العزيز.

نصل إلى مؤتمرنا العاشر هذا، تتويجا لشهور من تهييئ مكثف طبعته الجديةُ والحماسُ والتعبئة في صفوف المناضلات والمناضلين، وهو ما أَهّلَ تنظيماتِنا، بفروعها، وقطاعاتها ومنظماتها وهياكلها، في أرجاء الوطن كافة، لإنجاح كل المحطات التحضيرية، بما فيها الجموعُ العامة المحلية والقطاعية والمؤتمراتُ الإقليميةُ واللقاءاتُ الجماهيرية، مما خَلَّفَ أصداءً طيبة وخلق النقاش الداخلي والعمومي، والأكاديمي أيضا، على أرضية ومضامين مشاريع الوثائق المعروضة على المؤتمر.

قمنا بذلك كله، بروح جماعية خلاقة، وبمنتهى الشفافية والديمقراطية، وبانفتاح على مختلف الطاقات المجتمعية، وفي إطار التقيد الصارم بقواعد العمل الحزبي المؤسساتي، والحرص الشديد على إعمال الديمقراطية الداخلية على جميع الأصعدة.

ولقد تحملتِ اللجنة المركزية، ومعها سائرُ مكوناتِ الحزب، مسؤولياتِها، وأَقَرَّت، منذ بدايات تحضير هذه المحطة الأساسية في حياة الحزب، المقارباتِ والمقرراتِ اللازمة، بما في ذلك مشروعَ الوثيقة السياسية ومشروعَ القانون الأساسي والمقررَ التنظيمي. وقبل ذلك تشكيلَ اللجنة الوطنية التحضيرية واللجان الموضوعاتية، التي اشتغلت على نحو دؤوب، بموازاةٍ مع تنظيم العديد من فضاءات النقاش حول تصوراتنا وبرامجنا في مختلف مناحي الحياة العمومية، ما مكننا من إثراء رؤانا بخصوص عدد من القضايا، في أفق أن نشرع، مباشرة بعد هذا الافتتاح، في المناقشات النهائية واعتماد وثائقنا التي ستشكل، إلى جانب أدبياتنا المختلفة، مرجعا بالنسبة لذاتنا الجماعية ومُؤَطِّرًا لعملنا الحزبي الوطني خلال الأربع سنوات القادمة.

نلتقي، إذن، في محطتنا الوطنية هذه، على مدى ثلاثة أيام، لمساءلة أربعِ سنوات حُبْلَى بالأحداث السياسية الكثيفة والمتسارعة التي كنا جزءً مؤثرا فيها ومتأثرا بها.. أربعِ سنواتٍ من الممارسة التنظيمية والسياسية تستدعي، في تقاليدنا النضالية، إخضاعَها للتحليل والتقييم، بجرأة وتواضع متلازمين، من خلال مقاربة النقد والنقد الذاتي البناءين والموضوعيين.

نلتقي، أيضا وأساسا، من أجل استشرافٍ جماعي لصيغٍ نضاليةٍ جديدة  تَضْمَنُ  تجذرَ الحزب في المجتمع، وتطويرَ أساليب عمله من أجل المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي التقدمي العادل.

نلتئم، في هذا الحدث النضالي، ونحن معتزون بكوننا جزء من سعي بلادنا نحو آفاقٍ تنمويةٍ وديمقراطية أَرْحَبْ، عَبْرَ أداتنا الحزبية هذه، بوصفها مدرسةً تقدميةً متشبعةً بالقيم الإنسانية السامية، وبالفكر الاشتراكي النبيل، وبالثقافة الوطنية الغنية، بانفتاحٍ متبصرٍ وواع على التحولات الوطنية والدولية.

وقد دأب حزبنا، في تعاطيه مع هذه التحولات، على الوفاء لخيطه الناظم، متجسدا في خطه السياسي الواضح، الصريح، الموضوعي، المتبلور من خلال تجربة نحو 75 سنة من النضال الوطني، المستند إلى المرجعية الفكرية اليسارية المتجددة والقوي بوحدة والتحام الصفوف، ما جعله ينجح في اجتياز كل المحطات والمنعطفات التاريخية في حياته، ليظل حزبا وطنيا، يساريا، اشتراكيا، تقدميا، حداثيا وديموقراطيا.. حزبا مرتبطا، أشد ما يكون الارتباط، بالطبقات والفئات الكادحة والمستضعفة، ومدافعا أمينا عن التقدم والعدالة الاجتماعية والمجالية، وعن المساواة والحريات والديمقراطية، إلى جانب الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والمدنية والإيكولوجية.

لكن، ليس ذلك فقط ما يمنح التميز  لحزبنا، إذْ لا تكفي وَحْدَها التصوراتُ ولا النوايا ولا النظريات، مهما كانت متماسكة أو جذابة، إنْ لم تكن مقرونةً بما حرص عليه حزب التقدم والاشتراكية، دائما، من ممارسة سياسية مسؤولة عنوانها “المعقول” والاتزان والتوازن، أفضت بحزبنا إلى نبذ الانتهازية والجمود الفكري والتحجر العقدي، وإلى الوفاء لاختياراته، والالتزام بالدفاع عن القضايا الكبرى للوطن والشعب، والثبات في حمل مشعل الدفاع عن الوحدة الترابية والذود عن السيادة الوطنية، والاجتهاد في الدفاع عن الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية لأوسع الفئات الاجتماعية، والانتصار لأفق تعميق الإصلاحات الكبرى  في ميادين شتى.

بهذا المنطق، لم نَخْتَرْ عَبَثًا شعارَ مؤتمرنا هذا، بل اخترناه  بعد تفكير ملي، كعنوانٍ لمرحلة، واستشرافٍ لغد أفضل، واعترافٍ بالمكاسب، والتزامٍ بمواصلةِ التطلع والعمل من أجل مُعَانَقَةِ عهد جديد تستأنفُ فيه حياتُنَا العامة، ومنها حياتنا السياسية، حَصْدَ مزيد من الإنجازات لفائدة الوطن والشعب .. واخترناه كَنِدَاءٍ قوي وصادق من أجل ضخ دماء طرية ونَفَسٍ جديد في مسارنا الوطني نحو الديمقراطية والحداثة والتقدم، من منطلق أنه بديهي ومُسَلّمٌ به كونُ ذلك لا ولن يُبنى سوى من خلال إسهامات أحزابٍ وتنظيماتٍ قوية، مستقلة، مسؤولة، ذات كفاءة ولها مصداقية.

 

استكمال الوحدة الترابية للمغرب :

قضية مصيرية تستلزم تعزيز الإجماع الوطني

من خلال تقوية الجبهة الداخلية

 

حضرات السيدات والسادة،

الرفيقات والرفاق الأعزاء،

إن مؤتمرنا هذا ينعقد في ظروف دولية ووطنية متغيرة، لكن الثابت فيها أن قضية وحدتنا الترابية تظل في صدارة الاهتمام وفي مقدمة الأولويات، باعتبارها قضيةً مصيرية تحظى بإجماع وطني راسخ، إجماع نُلِحُّ على ضرورة تعزيزه بصيانة الجبهة الداخلية وتمتينها، لاسيما من خلال نفَس جديد يتبلور في  كنفه نموذجٌ خلاق يمزج بين البعدين الديمقراطي والتنموي، وأيضا بالإشراك الفعلي لمختلف القوى السياسية والنقابية والمدنية في تدبير ملف هذه القضية المركزية، الذي يستلزم تضافر جهود كل القوى الحية، والتحلي الجماعي بمزيد من اليقظة والحذر وتعبئة الإمكانات اللازمة من أجل التصدي لمناورات واستفزازات أعداء وحدتنا الترابية.

وفي هذا الإطار، يجدد حزب التقدم والاشتراكية إشادته بالأدوار الهامة التي تقوم بها القوات المسلحة الملكية، وعلى رأسها قائدها الأعلى جلالة الملك محمد السادس، في الدفاع عن حوزة الوطن، وكذا مختلف المصالح الأمنية في مناهضة الإرهاب واستتباب الأمن وتأمين استقرار البلاد.

كما يؤكد الحزب على دعمه التام للمقاربة الديبلوماسية المنفتحة التي  تنهجها بلادنا، بقيادة ملكية ناجعة، أدت إلى تسجيل نجاحات عديدة في القارة الافريقية، تنضاف إلى النجاح الديبلوماسي الكبير الذي حققه المغرب منذ سنة 2007 عندما عرض مقترح الحكم الذاتي الموسع في كنف السيادة المغربية، كسقف لحل سياسي نهائي لقضية وحدتنا الترابية، والذي اعتبره معظمُ المنتظمِ الدولي مقترحا جادا ومنطقيا وذا مصداقية..ما يجعل منه مقترحا يمثل أساسا متينا للمفاوضات، من أجل التسوية النهائية للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية .. وكفيلا، إذن، بالإسهام في تجنيب المنطقة مخاطرَ الاضطرابات، وبوضع حد لمعاناة مواطنينا المحتجزين في مخيمات تندوف فوق التراب الجزائري.

ونحن نثيرُ موضوعَ الوحدة الترابية لبلادنا، من الضروري أن نؤكد على موقفنا المبدئي إزاء استمرار  الاحتلال الاسباني لمدينتي سبتة ومليلية المغربيتين والجزر السليبة المجاورة لهما، إذ نؤيد دعوةَ المغرب إسبانيا إلى الحوار من أجل إنهاء هذا الاحتلال، وفق منطق حسن الجوار، وفي إطار ما يتعين أن يستمر بين المملكتين من علاقات متميزة تحفظ الحاضر والمستقبل المشترك، وتتيح مواجهة التحديات بشكل متضامن وبشراكة عادلة ومتوازنة.

إن حزب التقدم والاشتراكية، المتشبع بتاريخه الحافل من أجل التحرر الوطني واستكمال الوحدة الترابية للبلاد والدفاع عن سيادتها الوطنية، لَعازمٌ، كل العزم، على مواصلة تكريس كل إمكانياته السياسية والبشرية وعلاقاته الدولية، في خدمة القضية الوطنية المركزية.

 

مشاركة الحزب في الحكومة :

من أجل مواصلة الإصلاح في كنف الإستقرار

على أسس برنامجية محددة

 

حضرات السيدات والسادة،

الرفيقات والرفاق الأعزاء،

 

منذ مؤتمرنا الوطني السابق، اضْطَلَعَتْ أجهزةُ الحزب، جُهْدَ مُستطاعِها، وعلى اختلاف مستوياتها، بمهامها وِفْقَ ما تُمليه هُويتُنا الوطنية والديمقراطية والحداثية واليسارية والتقدمية والاشتراكية، التي لم ولن نزيغ عنها.. فهي ما حَدّدَ، بشكل رئيسي، تصوراتِنا ومواقفَنا إزاء مختلف القضايا والأحداث، باستقلالية ومسؤولية، وبتوازن واتزان، في إطار وحدة فكرية وسياسية وتنظيمية تصاعدتْ باطراد، كَمُحَصِّلةٍ للنقاش الداخلي العميق والمستمر، حيث انتقلنا من تحفظاتٍ داخليةٍ مُتَفَهَّمةٍ بخصوص بعض اختيارات الحزب وتموقعاته قُبَيْلَ، ومع بداية، مشاركتنا في الحكومة السابقة، إلى شبه إجماعٍ،  بفضل نهج الحوار الدائم بيننا، من جهة، وبفعل التَّبَيُّنِ التدريجي من سلامة خطنا السياسي العام، من جهة ثانية، لاسيما وأن التخوفاتِ والتوجساتِ المشروعةَ ما لبثت أن تبددت حين حصل الاقتناع بأن مبرراتِ مشاركتنا في حكومة السيد عبد الإله بنكيران انبنت على فلسفةِ مواصلةِ الإصلاح في كنف الاستقرار على أُسُسٍ برنامجية مُحَدَّدَةٍ.. الحَكَمُ فيها هو العمل والإنجازُ وخدمة المصلحة الوطنية العامة.. وأن تلك المشاركةَ، المتواصلةَ اليوم في حكومة الدكتور سعد الدين العثماني، إنما غايَتُهَا الأساس الإسهامُ في الدفع بالإصلاحات الكبرى إلى أبعد مدى.

وهذا، للأسف، ما تغاضى عنه الكثيرون ممن أَعْوَزَتْهُمُ الموضوعيةُ في التشخيص، حتى لا أقول النزاهةُ في التحليل، رغم أن الواقع الذي لا يرتفع يؤكد أَنْ لا قرارَ حُكومي اتُّخِذَ في ظل مشاركتنا، وكان فيه مساسٌ بالحقوق أو الحريات أو بالمجال والمكتسبات الديمقراطية، بل بينت التجربة أن حزب التقدم والاشتراكية ظل ساهرا يقظا بخصوص كل ما من شأنه مخالفةُ التوجه القيمي الديمقراطي والتحديثي.

ذلك ما يجعلنا متأكدين من أن جزءً غيرَ يَسِير من أشكال التحامل على حزبنا وعلى اختياراته، لم يكن مَرَدُّه خِشْيَة بريئةً على مبادئِ اليسار وقيم الحداثة من الذوبان والضياع!! ..بَــــــلِ الحقيقةُ الساطعةُ أمام أعيننا أن الأمر تعلق دوما بخوض صراع سياسي، قد نتفهمه ونفهم طبيعته، إلا أننا لم نستسغ، ولن نستسيغ، بعضا من طُرُقِهه وأساليبِهه ..وإلا ما الذي منع ويمنع الأصوات نفسها من المساءلة الحادة لجميع الحداثيين أو الديمقراطيين أو اليساريين أو الليبراليين، بخصوص الاختيارات والتموقعات عينها ؟ !

نعم، مررنا في هذه السنوات الأربع بظروفٍ ولحظاتٍ ليست سهلةً بالمرة، وعَبَّرْنَا جَهْرًا عن الصعوبات والآلام والآمال والتطلعات بِلُغَتِنَا الخاصة والنابعة من قناعتنا الحزبية الجماعية، لغةٍ لم نصطنعها ولم نبتذلها، بل إنها تعود إلى سنوات مضت .. لغة تندرج في سياق التنافس الحزبي والصراع الفكري والتعبير عن الآراء في إطار التطور الديمقراطي العادي ببلادنا، فَحَسْبُنَا أننا عَبَّرْنا بصدق المناضلين وغِيرَةِ الوطنيين وحماسة المتشوقين لمغربٍ دائمِ التقدم، لكنَّ اختيارَ طريقِ النضال السياسي النبيل لا يتعين تَوَقُّعُهُ مفروشا بالورود.

ولذلك، نعتز بالحصيلة الإجمالية لحزبنا، خلال هذه الفترة، وهي حصيلةٌ لا يتسع المجال هنا لتعداد تفاصيلها، ولكنها شَمِلَتْ كافةَ مناحي وواجهات نضالنا المؤسساتي والجماهيري و الترافعي و الاقتراحي، وكذا على صعيد المراجعات التنظيمية للذات.

 

أداء وزراء الحزب في الحكومة :

حصيلة إيجابية نعتز بها

 

فعلى مستوى الواجهة الحكومية، لاشك في أن الرفيقة والرفاق الذين تحملوا، أو يتحملون، المسؤولية الوزارية باسم الحزب، سواء في الحكومة السابقة أو في الحكومة  الحالية، أدوا، ويؤدون، مهامهم العمومية، على غرار من سبقوهم في ذلك منذ حكومة التناوب التوافقي، بحرص شديد على الامتثال لما تستلزمه المصالح العليا للوطن والشعب، متشبعين في ذلك بقيم ومبادئ الحزب القائمة على الروح الوطنية العالية وعلى التحلي بأقصى درجات النزاهة والصدق والأمانة، وحريصين على خدمة الصالح العام، بكل تفانٍ وإخلاص ونكرانٍ للذات، بعيدا عن أية نزعة سياسوية أو حزبية ضيقة، وذلك بضمير يقظ وجدية ومسؤولية، وبتشبث بالمؤسسات وثوابت الأمة، وفي احترام تام لمقتضيات الدستور وتقيد صارم بالقانون.

وفي هذه المحطة، أعتقدُ أن الوقتَ مناسبٌ للتوجه، باسم كافة مناضلات ومناضلي حزبنا، بالتنويه المستحق وبالتحية النضالية العالية لوزيرة ووزراء الحزب، خلال الولاية الحكومية السابقة والحالية، لما قاموا به من أعمال وما راكموه من حصيلة مشرفة جدا، وما أبانوا عنه من استماتة في الدفاع عن مصالح الوطن والشعب، وما أظهروه من تشبث بقيم المشروع المجتمعي الديموقراطي الحداثي، ووفاءٍ لمبادئ الحزب المنتصرة لبعد العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية وقيم الحرية والمساواة، والمدافعة، بلا تحفظ، عن دولة  الحق والقانون والمؤسسات.

أما المُنجَزات على الأرض، فهي تتحدث عن نفسها، رغم كل الصعوبات، حيث المكاسبُ التي حققها وزراءُ الحزب في القطاعات ذات الطابع الاجتماعي، التي تَكفلوا  بتدبيرها، عديدةٌ ومهمةٌ وذاتُ وقع إيجابي مباشر على حياة عموم المواطنات والمواطنين: في الصحة من خلال تعميم نظام المساعدة الطبية ” راميد” وتيسير الولوج إلى العلاج عبر سياسة القرب وتخفيض مهم لأثمان عدد كبير من الأدوية، وفي السكن من خلال تقليص العجز السكني ومحاربة مدن الصفيح وإعادة هيكلة الأحياء غير القانونية وبذل جهود لتوفير السكن اللائق وتحسين جودة فضاءات العيش، وفي الشغل من خلال دعم برامج البحث عن الشغل والتشغيل الذاتي وإحداث نظام التعويض عن فقدان الشغل وإصلاح نظام التعويض عن حوادث الشغل وتفعيل نظام التغطية الصحية لطلبة التعليم  العالي والتقني بالقطاعين العام والخاص، وفي قطاع الماء من خلال التقدم في أجرأة الحق في الولوج إلى الماء وضمان حكامة أجود في تدبير الثروة المائية وتحسين مستوى الحماية من الفيضانات والاهتمام أكثر بالمناطق الأشد خصاصا من حيث الموارد المائية، وفي الثقافة من خلال توسيع شبكة المؤسسات الثقافية، وتعزيز العرض الثقافي، وتفعيل سياسة القرب المجالي للثقافة والبنيات الثقافية وحماية وتثمين التراث الثقافي ودعم العمل الثقافي والفني والإبداع والحرية.

 

استحقاقات انتخابية شاقة

وأداء مشرف لمنتخباتنا ومنتخبينا

 

وإذا كانت الواجهةُ الحكوميةُ، بحكم الواقع، تستقطبُ معظم أنظار المتابعة والتقييم، فإن ذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحجب عنا، في حزب التقدم والاشتراكية، ما قام ويقوم به خلال الانتداب السابق والحالي، رفيقاتُنا المنتخبات ورفاقنا المنتخبون، من جهود تستحق التنويه.. فتحية لكن ولكم: برلمانياتُ الحزب وبرلمانيوه في غرفتي البرلمان، رؤساءُ المجالس الجماعية والإقليمية، رئيسُ وأعضاء الغرف المهنية، مستشاراتُ ومستشارو الحزب في مختلف المجالس المنتخبة، الجهوية والإقليمية والمحلية.

فلا يمكن أن نلتئم، هنا والآن، دون أن نعترف لكل هؤلاء المناضلات والمناضلين بما يسجلونه من حصيلة إيجابية ومن حضور قوي داخل المؤسسات التي يحملون فيها مشعل الحزب، مدافعين عن قضايا المواطنات والمواطنين، محتضنين لهمومهم وآلامهم وآمالهم، قريبين منهم، متأبطين لملفاتهم بلا كلل ولا ملل.. إنكم، بصدق، مبعثَ افتخارٍ لحزبكم.. بسلوككم وعطائكم، وبحرصكم على إحلال صورة وثقافة المُنتخب التقدمي المناضل النزيه المستقيم، محل الصورة السيئة التي انطبعت في الأذهان دون تمييز.

وهي مناسبةٌ للعودة، ولو سريعا، لسنة انتخابية شاقة عاشها حزبنا خلال سنة 2015، وحقق فيها نتائج إيجابية، على العموم، في ظل ظروف صعبة، رغم وجوب الإقرار بأننا لم نُفلح في تحقيق ما طمحنا إليه خلالها، حيث لم تكن النتائج متناسبة مع الطموح، ولا في مستوى عملِ الحزب ودورِه في الساحة السياسية الوطنية، ولا بقَدْرِ إسهاماته الكبيرة في الاصلاحات، سواء في الانتخابات المهنية أو في الانتخابات الجماعية والجهوية، وما تلاها من  تشكيل رئاسات ومكاتب مجالس الجماعات المحلية والإقليمية ومجالس العمالات والجهات، وكذا من انتخاب أعضاء مجلس المستشارين.

فقد تمكن حزبُنا في الانتخابات الجماعية من رفع عدد المقاعد المحصل عليها بتقدم نسبته 60 في المائة، مقارنة مع انتخابات 2009، ومن مضاعفة عدد الأصوات لتصل إلى 423 ألف صوتا.

بعدها، بسنة، شهدت بلادنا، يوم 7 أكتوبر 2016، ثاني انتخابات تشريعية في ظل دستور 2011. وقد خاضها حزبُنا ببرنامج انتخابي طموح، وبحملة سياسية قوية ونظيفة، ومعنويات مرتفعة، ورصيد انتخابي معتبر، وانجازات مهمة في واجهة تدبير الشأن العام من موقع الحكومة ومختلف المؤسسات المنتخبة.  لكن،،، ويا للمفارقة العجيبة !!، كانت النتائج المعلن عنها صادمة، إذ لم تعكس لا الوزن السياسي ولا الانتخابي لحزبنا، واتضح أنه تم حرمانه من مقاعد عديدة، في ما يبدو ضريبة سياسية عن مواقفه وتوجهاته وتعاقداته، بالإضافة إلى ما شاب العمليةَ الانتخابية من اختلالات وممارسات مشينة وخارجة عن القانون، وهو ما سبق وشكل، في حينه، محور تحليل وتقييم ومساءلة ذاتية من قِبل الدورة السابعة للجنة المركزية ( 30 أكتوبر 2016).

 

مشروع إرساء ديمقراطية سوية

محور الصراع السياسي في المرحلة الراهنة

 

ومع كل الإحباط الذي أصاب الحزب حينئذ، فإن عجلته ما لَبِثتْ أَنِ استنهضتْ قِواها، لاسيما وأنها توضحت للعيان، بصورة أكثر جلاءً، صحةُ مقارباتِ الحزب السياسية التي ذهبت إلى كون التناقض الرئيسي في المرحلة التاريخية التي تجتازها بلادنا ليس كامنا في الصراع بين المحافظين والحداثيين، بقدر ما هو صراعٌ سياسيٌّ محضٌ يتصل مباشرةً  بالديموقراطية وبمدى تشبع جميع الفرقاء بثقافتها وتقبلهم لمؤدياتها.

وخلال هذه الفترة الدقيقة، أجرى حِزْبُنَا إحدى أهم وأعمق نقاشاته الداخلية في كل السنوات الأخيرة، تمخضت عن قرار اللجنة المركزية، بإجماع أعضائها، مواصلة المشاركة في الحكومة التي كلف صاحبُ الجلالةِ، في بداية الأمر، الأستاذ عبد الإله بنكيران بتشكيلها، حيث سعينا، في حدود ما أمكننا، صادقين، نحو المساهمة في تجاوز انسداد وضع المشاورات الأولى بشأن تشكيل الحكومة، وإنضاج التوافق الإيجابي المطلوب، لتفادي أية انعكاسات سلبية على الأوضاع العامة ببلادنا، وتوفير الشروط الكفيلة ببناء أجواء الثقة، في إطار التقيد بمقتضيات الدستور وبمقومات المنهجية الديمقراطية، ومن أجل تجاوز وضعية الفراغ وتمكين كل من مؤسستي الحكومة والبرلمان من الاضطلاع بمهامهما الدستورية، والانكباب على تدبير قضايا وملفات الشأن العام الوطني في اتجاه مواصلة الإصلاح في مستوياته المختلفة.

وخلال كل تلك الشهور الصعبة، حرصنا على الدفع في اتجاه الحلول الإيجابية، ليس بخلفية التموقعات الظرفية، بل انطلاقا من الشعور بواجب الإسهام في خلق تلك الأجواء الملائمة لتفادي هدر الزمن السياسي ولمواصلة عمل المؤسستين التنفيذية والتشريعية، وتجاوز تعطيل مصالح المواطنات والمواطنين.

طالت المشاوراتُ، إذن، وتعقدت بشكل أثار كثيرا من القلق، وجملة من الأسئلة التي تابعها الرأي العام، وأفضت إلى عدم تمكن السي عبد الإله بنكيران من تشكيل الحكومة.. إلى أن تأتى ذلك، أخيرا، للدكتور سعد الدين العثماني، الذي كلفه جلالةُ الملك بالمهمة ذاتها… ونجددُ له متمنياتنا بكامل التوفيق في مهامه الوطنية، كما نجدد  تقدير الحزب للأستاذ عبد الاله بنكيران، لما برهن عليه، خلال جميع مراحل اضطلاعه بمهامه، من وطنية صادقة ومسؤولية عالية وخصال إنسانية رفيعة.

 

ضرورة الإنصات لصوت الجماهير الشعبية

وعدم إخلاف الموعد مع التاريخ

 

حضرات السيدات والسادة،

الرفيقات والرفاق الأعزاء،

لقد قطعت بلادنا أشواطا مُهمة على درب البناء الديمقراطي وتأسيس دعائم دولة القانون والمؤسسات، وعلى صعيد الحقوق والحريات، وتحقيق مكتسباتٍ في المجال الاقتصادي، والشروع في عصرنة الاقتصاد، فضلا عن تسجيل عدد من المكتسبات على الصعيد الاجتماعي، وتقدم ملحوظ في اتجاه تأمين المساواة بين الجنسين…

وحزب التقدم والاشتراكية ينظر إلى هذه المكتسبات، في جدليتها وفي مدها وجزرها، بعيون موضوعية وبناءة، تجعله لا يُغْفِلُ رصدَ الصعوبات والنقائص والإخفاقات التي واجهها ويواجهها المشروع الاصلاحي.. صعوباتٍ تتعلق بالتفعيل السليم للمضامين المتقدمة للدستور، وترتبط، أيضا، بتمكين عموم المواطنات والمواطنين، وخاصة الفئات المستضعفة والفقيرة، وفي جميع المناطق، من أن تستفيد من ثمار تقدم بلادنا، وأن تنعم بالعيش الكريم في وطن تسوده العدالة الاجتماعية والمجالية، وقوامه المساواة والحرية والكرامة.

لكن حرص حزبنا على إثارة النقائص، دون تضخيمها، ولا جعلها تحجب المكتسبات المحصل عليها، بفعل جهد وطني جماعي هائل، إنما يتم بأفق تجاوزها، تمتينا للنسيج الوطني، وتقويةً للانسجام الاجتماعي ودعما للاستقرار بمفهومه العام.

ولا أدل على ما نذهب إليه في هذا الإطار، من عدم تمكننا من إنضاج شروط حياة سياسية سوية، وتفشي سلوكيات منافية للحكامة الجيدة في عدد من الميادين، كالإدارة والاقتصاد والتعليم، واستمرار مظاهر الريع والفساد، وعدم التمكن من معالجة كل مشاكل التشغيل والتربية والتكوين والصحة والسكن وغيرها، رغم ما سُجل من تقدم في كل هذه المجالات.  كما أن نقائصَ كبيرةً ما زالت تَسِمُ المجال الاجتماعي، سيما على مستوى استمرار الفوارق الطبقية والمجالية، وعدم التمكن من القضاء الكلي على مظاهر الفقر والتهميش التي تطال فئات عريضة من المجتمع.

وفي ظل ذلك، يتعين عدم الاستهانةُ بالهواجس المتنامية لدى المواطنات والمواطنين، كما لا يجوز الاعتقادُ بأن العزوف عن المشاركة السياسية يعني دائما عدمَ الاهتمام بسلوك الطبقة السياسية وبمآل الديمقراطية.. وبالتالي، فإن الفاعلين في الحقل العمومي، على اختلاف مواقعهم ومسؤولياتهم، مدعوون، بإلحاح، إلى عدم إخلاف الموعد مع التاريخ، حيث بات ضروريا عدم إفساح المجال لسيادة أجواء القلق والشك، وسط مختلف شرائح وفئات المجتمع.

في هذا الإطار، يجب الانتباه إلى أن تصاعدَ الحركة الاحتجاجية ببعض مناطق بلادنا، مثل الحسيمة وجرادة وزاكورة.. انبنى، فعلا، على عدد من المطالب المادية والمعنوية المشروعة، بالنظر إلى الخصاص المسجل في كثير من المجالات، وإلى حجم الانتظارات المعبر عنها من قبل المواطنات والمواطنين.. وهو تعبيرٌ عن قلقٍ مشروع لفئات اجتماعية مختلفة، وخاصة الفئات الشعبية المحرومة، حول مآل تطلعاتها نحو الديمقراطية والحرية والمساواة والكرامة، ونحو التنمية والعدالة الاجتماعية والمجالية، لا سيما وأن مسلسل التنمية الاقتصادية، التي حققت فيها بلادنا منجزاتٍ كبيرةً ونجاحاتٍ ملموسةً، لم ينعكس، بالشكل الإيجابي والعادل المطلوب، على مستوى عيش الجميع بالمقدار نفسه.

 

ضرورة التجاوب مع المطالب الشعبية ونهج الحوار

في اطار ضمان ثنائية الحقوق والواجبات المؤطرة قانونيا

 

وحزبنا، بما يُشهد له من انتصار مبدئي وثابت للتطلعات الطبيعية نحو التغيير الاجتماعي واستشراف الغد الأفضل لجميع المغاربة، على قدم المساواة، لا يزال يؤكد على ضرورة التعاطي الإيجابي مع الوضع، من خلال الحرص على ضمان ثنائية الحقوق والواجبات المؤطَّرة بالقانون، وعبر نهج الحوار والإنصات للمطالب المعبر عنها، والسعي إلى الاستجابة لها، وتصرف الجميع بما يحفظ أمن واستقرار وطننا ووحدة وتماسك شعبنا.

حزبنا، في الآن ذاته، على يقين بأن أيةَ معالجةٍ اقتصاديةٍ واجتماعية ضيقة للتحديات المطروحة لن تستقيم، ولن تؤتي نفعها منفردة، إلا في كنف مؤسسات قوية، وحياة سياسية سليمة، وحياد إيجابي للسلطات العمومية، وأحزاب متجذرة ومستقلة، بما يمَكِّنُ الفعل المدني، بجميع أشكاله، من فضاءات للتعبير الحر والمسؤول، وبما يؤهل المشهد الوطني العام لتملك الآليات الديمقراطية الطبيعية للوساطة المجتمعية، سواء في مستوياتها التمثيلية أو التشاركية أو الترافعية.

إن دفاعنا عن السياسة بمعناها النبيل، وعن التعددية، وعن حق المجتمع في تملك أدوات وتنظيمات تأطيرية، ليس أبدا تبريرا واهيا لوجودنا أو وجود غيرنا، بل هو موقف مبدئي وقناعة راسخة متأصلة لدينا منذ عقود.. تقوم على فكرة أنَّ مجتمعًا يفتقد إلى قوى حية وتنظيماتٍ قادرة على تأطير ديناميته، هو مجتمع يسير نحو المجهول.

ثم إنه من صميم الوهم تصورُ، أو تصوير، إمكانية بناء ديمقراطية دون عملٍ حزبيٍّ حقيقي أصيل، ودون أحزاب قوية، جادة، مُعَبِّرَة، حرةِ الإرادة، ذاتِ مصداقية وكفاءة، وحاملة لمشاريع وتوجهات.. أحزابٍ يشعر الناس بالجدوى منها، تُنصتُ إليهم ويُنصتون إليها، ويميزون بين ألوانها، ويعرفون بوضوح وشفافية من أين أتت، وكيف أتت، وإلى أين تسير.

وَتوجهنا هذا ليس نابعا فقط من قناعات نظرية، بل هو جوابٌ عملي، ومنهجي، عما صادفته الأحزاب والتنظيمات الجادة من صعوبات حقيقية في تأطير المواطنات والمواطنين، خلال كل الأحداث التي شهدتها الساحة في السنوات الأخيرة. وهو أمر إذا كان يُفرح البعضَ، فإنه من المؤلم والمؤسف الانشراحُ لضرر أكيد، ومن أجل مؤشر خطير وتهديد جدي لكل البناء الوطني الذي تم بجهدٍ وصراعات وتوافقات، وبتضحياتٍ وكفاحاتٍ، من قِبَلِ الشعب المغربي وكل قواه الحية.

 

لا لتبخيس العمل السياسي والحزبي

وتحريف عمل المؤسسات عن مقاصده الحقيقية

 

تأسيسا على ذلك، لا يستحق منا سوى الرفضَ والاستهجانَ كلّ ذلك السعيُ لتبخيس العمل السياسي والحزبي في وطننا و محاولة حشر الأحزاب في زوايا ضيقة، والتدخل في شؤونها بغاية سلب إراداتها، وتقديمها، بشكل غريب ومبتذل، كما لو أنها مسؤولةٌ عن كل السلبيات والانحرافات المجتمعية.

ولا يستحق منا سوى الاستهجانَ والرفضَ كل ذاك الأسلوبُ المنافي لمقومات الممارسة السياسية والحزبية السوية ولمتطلبات التنافس السياسي والحزبي المتكافئ والنزيه الذي تَضْمَنُهُ دولةُ القانون والحق والواجب، وكلّ تلكَ المحاولاتُ الممنهجةُ لتبخيس المؤسســــــات وتحريفِ عملها عن مقاصده الحقيقيــة.

في مقابل ذلك، سنظل أوفياءَ لنضالنا الوطني الديمقراطي، المدافعِ عن أجواءَ عامةٍ يسودها الوئام والتعاون والثقة بين كل الفاعلين المجتمعيين الجادين على اختلاف مواقعهم، وتضطلع فيها المؤسساتُ كافة بأدوارها الدستورية كاملة،  ما سوف يُمَكِّنُ بلادَنا، بلا ريب، من انطلاقة جديدة لمسلسل الإصلاح في كنف الاستقرار.. وهو السبيل الوحيد لتوطيد النجاح البين لبلادنا في تجنب المآلات المعروفة لتجارب دول أخرى في المنطقة، لا داعي للتوغل في تفصيلها الذي أحيلكم فيه على مشروع الوثيقة السياسية المعروضة على مؤتمرنا هذا.

ولابد من أن يتم كل ذلك على أساس حياةٍ عموميةٍ شفافةٍ ومتكافئة، يؤطرها القانونُ وحده، وينخرط فيها فاعلون مجتمعيون ذوو مصداقية، ومجتمعٌ مدنيٌّ جاد، وإعلامٌ حر حقا ومستقل فعلا، بما يتيح إسهامَ الجميع في بناء مغرب الحداثة والتقدم، الغني بتنوعه وانفتاحه وديمقراطيته.

 

“نفس ديمقراطي جديد” : شعار مرحلة

وتعبير عن تطلع إلى اقتحام آفاق جديدة

 

لذلك نلتئم اليوم حول شعار لا نجد أفضل منه تعبيرا، ليس عن سمات المرحلة فحسب، وإنما عن تطلعات كل الديمقراطيين والانفتاح على آفاق أرحب: “نفَسٌ ديمقراطي جديد”، لأجل تجديد روح البناء الديمقراطي، والمضي قدما في مسار توطيد دعائم دولة القانون والمؤسسات، والتفعيل السليم  للمضامين المتقدمة للدستور، بما  يكرس العدالة الاجتماعية والمجالية، ويوطد دعائم مغرب ديمقراطي تنعم فيه الجماهير الشعبية، وخاصة الفئات المستضعفة والفقيرة، بالعيش الكريم في كنف الحرية والمساواة، ليس بمنطق القطيعة، ولكن برؤية متجددة تتأسس على ترصيد المكاسب والمنجزات الوطنية المحققة على كل هذه الأصعدة.

 

من أجل نموذج تنموي جديد ومجدد

 

حضرات السيدات والسادة،

الرفيقات والرفاق الأعزاء.

 

إن تجاوزَ اختلالاتِ ممارستنا السياسية وحقلنا الحزبي والمؤسساتي لن يكون له معنى، بل لن يُكتب له النجاحُ المُتوخى، دون الانكباب الجدي على معالجة مسألة النموذج التنموي الذي اعتمدته بلادُنا لعقود، بالنظر لما أبان عنه من محدودية، وإن كان فيه عدد من مقومات النجاح الباعثة على الاعتزاز.

أجل، نموذجنا التنموي ليس ناجحا كله، ولكنه ليس فاشلا كله كذلك، وإلا فتضحياتُ وأعمالُ أجيالٍ بِرُمَّتِها سنكون نُعَرِّضُها للتبخيس والإنكار. نموذجُنا التنموي أدى بعضا من وظائفه في زمنه وسياقاته، بإخفاقاته ونجاحاته، بإكراهاته وإمكانياته. وحان اليومَ الوقتُ، ليس للفظه والانطلاق من الصفر، ولكن لتثمين مكاسبه والانطلاق منها في اتجاه إحداث المُرَاجَعاتِ والتصحيحات والتبديلات الخلاقة فيه، حتى يصير نموذجا لائقا بزمنه وتحدياته ورهاناته وكفيلا بتحقيق انتظارات الآن والمستقبل، وحتى يصبح قادرا على التصدي لمظاهر الاختلال والخصاص المسجلة في مختلف مناحي حياتنا العامة.

نموذج يأخذ بعين الاعتبار التوازنات الماكرو اقتصادية، دون تضخيم أو مبالغة، وبلا  تفريط أو استهانة بالتوازنات الاجتماعية.. نموذج يعتبر النفقات العمومية الاجتماعية في التعليم والصحة والشباب وغيرها استثمارا منتجا، وليس مجرد أعباء مالية على الميزانية العامة.. نموذج يسعى إلى جعل الاستثمار ينتج الثروات ويحرص على توزيعها بشكل عادل ومنصف على كافة فئات وجهات بلادنا وخاصة المحرومة منها، مع ضرورة الربط الوثيق بين الاستقرار والتنمية، وتعزيز المكتسبات، وتلبية الطموحات والمطالب المشروعة للمقاولة الوطنية، ومراعاة حقوق الشغيلة، وإرساء عدالة اجتماعية حقيقية في كنف اقتصاد قوي شفاف ومتقدم.. نموذج يضع حدا لكل أشكال الريع، ويرسي أسسا متينة للتنافس الشريف، ويقوم على قاعدة صلبة من العدالة الجبائية وتكافؤ الفرص.

لكن، في اعتقاد حزب التقدم والاشتراكية، هذا النموذج التنموي الجديد، لن يُحقق النجاح المُتَوَخَّى، إذا لم نجعله مرتكزا على مداخلَ ورافعات رئيسة، من قبيل :

أولا:  تجاوزُ دوامةِ إصلاح الإصلاح لمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، من خلال بلورة وتنفيذ إصلاح حقيقي وجريء وشامل، ونشدد  هنا على أن مضمون هذا الإصلاح ينبغي أن يضمن حق الجماهير الشعبية في مدرسة عمومية جيدة ونافعة، مع التقيد بمبدأَيْ المجانية والتضامن الوطني.

ثانيا: إعطاءُ نَفَس جديد أقوى لمسار التقدم الإرادي في ما يتعلق بالمساواة والارتقاء بحقوق النساء، ليس من حيث جودةُ النصوص فحسب، ولكن أيضا، وبالأساس، من حيث الممارسة الفعلية والثقافة المؤطرة لها، في الميادين الإدارية والاجتماعية والثقافية والسياسية والتربوية والإعلامية وغيرها.

ثالثا: تعزيز السلم الاجتماعي، وتقوية المقاربة التشاركية في تفعيل الإصلاحات الكبرى، وفي مقدمتها تلك المتعلقة بالجوانب الاجتماعية وبالمعيش اليومي للجماهير الشعبية، خاصة منها الفئات الفقيرة والمستضعفة، ومأسسةُ الحوار الاجتماعي الجدي والكفيل ببناء صيغ مناسِبة لتوافقات اجتماعية متينة ومتوازنة.

رابعا: إدماج البعد الإيكولوجي، بالقوة والجدية والمسؤولية اللازمة، في منظومة السياسات العمومية الوطنية، بما يجعل من الحفاظِ على التوازنات البيئية، ومنعِ استنزافِ الثروات الوطنية، وعقلنةِ استعمالها، هَمّاً مؤسساتيا استراتيجيا، من شأن حَمْلِهِ أن يصونَ حق جميع الأجيال في  الحياة.. وبشكل سليم..

خامسا: تفعيلُ الجهوية المتقدمة، والانتقال بها من مرحلة التبني والتأسيس، إلى مرحلة الإنضاج، لتتحول إلى قاطرة فعلية للتنمية الترابية، ورافعة من رافعات الإصلاح الإداري والتدبيري والاستثماري وإنتاج الثروات، وإلى عنصر من عناصر قوة الاقتصاد الوطني.

سادسا: إعطاءُ دفعة جريئة لإصلاح الإدارة والقضاء، بالحسم في جعلهما كليا في خدمة المواطن، وعنصرا باعثا على الثقة في الوطن ومؤسساته، سواء بالنسبة للأفراد أو بالنسبة للمقاولات.

سابعا: الاستثمار في الشباب، والاهتمام الأقصى باحتياجاته ومطالبه وتطلعاته وانتظاراته،  لأننا في حزب التقدم والاشتراكية مقتنعون، أشد ما يكون الاقتناع، بأن تقدم بلادنا، في الحاضر والمستقبل، رهين بمدى قدرتها على توظيف كل هاته الطاقة المحركة والهائلة التي يمتلكها الشباب، وتجنب هدرها، اجتماعيا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا.

ثامنا: إدماجُ مغاربة العالم، وتوفير الشروط الملائمة لإشراكهم في تنمية الاقتصاد الوطني والاستفادة القصوى من خبراتهم وقيمتهم المضافة، باعتبارهم جزءً أساسيا من مكونات الشعب المغربي، يستحقون حماية مصالحهم، والاستجابة لمتطلباتهم وحاجياتهم.

هذا غيضٌ من فيضِ برامجِنا وتصوراتنا وتوجهاتنا، التي نعتز بأننا من خلالها ننتمي إلى منظومة اليسار، بوفاء ثابت للقيم والمبادئ المحددة، وبانفتاح تجديدي متواصل على كل الفكر الإنساني المتنور والتنويري.

فما نطرحه أمامكم من أفكارٍ، الآن وباقتضاب، وما تجدونه في وثائقنا التي ستصدر عن هذا المؤتمر، لَهُوَ من صميم مبررات وجودنا، إذ لا نتخيل أبدا أنفسنا إلا بهذه الروح، وبهذه التوجهات، وبهذه النبرة، وبهذا التفرد، وبهذا التصميم والعزم على تكريس طاقتنا كلها من أجل المصلحة العليا لوطننا ولشعبنا.

وما نطرحه هنا، سواءٌ على المستوى الديمقراطي أو على الصعيد التنموي، هو الأساسُ الذي نحرص وندافع عنه في بلورة تحالفاتنا وتعاقداتنا مع باقي الفرقاء السياسيين، بانفتاح على كل الأرضيات التي تتقاطع مع رؤانا وتوجهاتنا وبرامجنا في جوانبها وزواياها الأساسية، بمنأى عن الدوغمائية، والأحكام الجاهزة، والاصطفافات والتموقعات  الجامدة.

هكذا نحن ( حنا هوما احنا)، وهكذا سنظل، وإلا فلا فائدة منا إن أصبحنا على حال غير حالنا .. فليكن الجميع على يقين من أن أية محاولة تروم تغيير لوننا المتفرد لن يكون مآلها سوى الفشل.. إننا صامدون ” وعلى صباغتنا” باقون وسنبقى.

تضامن مطلق مع الشعب الفلسطيني

وشعوب سوريا، العراق، اليمن وليبيا

 

حضرات السيدات والسادة،

الرفيقات والرفاق الأعزاء.

ما دام أن انتماء حزب التقدم والاشتراكية لليسار العالمي يتأسس على قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلم والمساواة والتضامن بين الشعوب ورفض استغلال الإنسان للإنسان، فإن ذلك يجعل منه، إراديا وموضوعيا، جزءً من معسكر مناهضة العولمة الرأسمالية، ومنخرطا في التطلع نحو عولمة بديلة، ومُعارضا للحروب تحت أية يافطات ومُسوغات، والتي تُشَنُّ كسلوكٍ يروم الاستقواء وفرض السيطرة ومحاولة إخضاع الدول والشعوب، بما يشكل خطرا حقيقيا على السلم العالمي ويسهم في توسيع بؤر التوتر، وفي تفاقم هشاشة الأمن الدولي، ويغذي أيضا ردود الفعل المتطرفة ويُنَمّي الشعور بالعداء ضد بلدان بعينها.

وفي هذا السياق، نُعْرب عن تضامن حزبنا مع الشعوب التواقة إلى الحرية والديمقراطية والاستقرار والنماء، وخاصة شعوب كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا، التي نقف ضد التدخلات الأجنبية فيها وندعو إلى الحفاظ على وحدة أراضيها.

والتضامن المطلق واللامشروط موصولٌ، طبعا على وجه الأولوية، مع الشعب الفلسطيني البطل والمقاوم الذي يعاني من مأساة تشتد وطأتُها في مواجهة آلة البطش والتقتيل الإسرائيلية، متصديا للاعتداءات الشنيعة والانتهاكات السافرة وجرائم تدنيس المقدسات في المسجد الأقصى ومدينة القدس الشريف، وهو يؤدي، يوميا، ثمنا غاليا لدفاعه المستميت عن حقه المشروع في العيش الآمن في كنف دولة حرة، مستقلة وقابلة للحياة، عاصمتها القدس الشريف.

ولا يسع حزب التقدم والاشتاكية، وهو يستحضر مُخرجات زيارة العمل والتضامن التي قامت بها قيادتُه إلى دولة فلسطين في شتنبر 2014، إلا أن يجدد الإعراب عن استعداده التام للإسهام، بتنسيق مع القوى التقدمية والديموقراطية الفلسطينية، في تفعيل الآليات الناجعة لمساندة الكفاح الفلسطيني، بشتى السبل وعلى مختلف الواجهات، وفي العمل على إنجاح كل المبادرات التضامنية المشتركة، خاصة على الصعيدين العربي والمغاربي، وكذا في تعزيز وحدة الصف الفلسطيني وتماسكه، كأداة لا محيد عنها لبناء الدولة الفلسطينية الموحدة، والمضي قدما لتحقيق السلام العادل والدائم في المنطقة.

كما نثمن عاليا كل المشاريع التنموية التي تنجزها مؤسسة بيت مال القدس، بتوجيهات من جلالة الملك رئيس لجنة القدس، والتي تصب في مصلحة القضية الفلسطينية، بشكل عام، وقضية القدس الشريف على وجه الخصوص.

 

المؤتمر الوطني العاشر: محطة متميزة لتقييم

ومساءلة أربع سنوات من الممارسة التنظيمية والسياسية

 

حضرات السيدات والسادة،

أستسمحكم، الآن، في أن أتوجه إلى رفيقاتي ورفاقي في الحزب، ولو أن أشغالَ مؤتمرِنا هذا ستكون مفتوحةً على التداول العميق في كل ما يتعلق بواقع وآفاق أداتنا الحزبية.

لا شك أنكم واعون، رفيقاتي رفاقي، أننا، الآن، في محطة مميزة لتأمل الذات، وللتقييم، ولمساءلة أربع سنوات من الممارسة التنظيمية والسياسية، من خلال مقاربة النقد والنقد الذاتي البناءين لأدائنا الحزبي، رغم أننا لم نــــَكـُــــــف دوريا وبانتظام عن القيام بالتقييمات المرحلية، خاصة إبان دورات اللجنة المركزية.

لقد تنامى إشعاع حزبنا فعلا وتوسعتْ رقعتُه التنظيمية، كما تطورت إيجابا طاقاته الانتخابية، وقطعنا أشواطا كبيرة في إعمال الديموقراطية الداخلية، وتقوى حضورنا  على صعيد العلاقات الدولية، كما تحسنت قدراتُ الحزب التدبيرية والتواصلية.

وخلال الأربع سنوات الأخيرة، لم ينقطع نشاطُ الحزب أبدا، إذ بُذلت جهود جبارةٌ، وبإمكانيات محدودة، من أجل ضمان ذلكم الحضور التنظيمي والسياسي والإشعاعي، من خلال عشرات الندوات والمنتديات، ومن خلال عشرات المذكرات والمرافعات والاقتراحات، ومئات الاجتماعات والأنشطة الداخلية، وسعينا إلى بناء هياكل تتلاءم مع التطورات المجتمعية ومع الحاجات الجديدة…

هكذا، وليس على سبيل الحصر، أستحضر أننا واظبنا على عقد اجتماعات منتظمة للجنة المركزية، ونظمنا ندوة وطنية حول الخيار الإيكولوجي للحزب، وندوة وطنية أخرى حول متطلبات ميثاق اجتماعي ناجح، ولقاءً حول السياسات العمومية الموجهة للشباب، ولقاء تواصليا لتقديم حصيلة الحزب في الحكومة السابقة، وواكبنا تنظيم المؤتمر الوطني للجمعية الديمقراطية للمنتخبين التقدميين، وكذا إخراج مؤسسة علي يعتة إلى حيز الوجود، كما صاحبنا الشبيبة الاشتراكية في مؤتمرها الوطني الأخير، ونظمنا ندوة  الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، بشراكة مع منتدى المناصفة والمساواة الذي بادرنا إلى مساندة الرفيقات والرفاق في تأسيسه، وكذا ندوة الأمن ودولة القانون، فضلا عن أننا استضفنا الاجتماع الخامس للقاء اليساري العربي…

وغير هذا كثير..كثير جدا، لا نريد إثقال مسامعكم به، لكن مكامنَ القوة ومظاهر الدينامية هذه، يتعين ألا تحجب عنا إدراك مواطن الضعف في آلتنا الحزبية.

ولهذا لم نتوقف أبدا، خلال الأربع سنوات الماضية، عن محاولات الإصلاح والاستدراك، حيث في إطار ذلك تَـــــــذْكُرُونَ، ولاشك، التئامَ مؤتمرنا  الوطني الاستثنائي في أبريل 2016، والذي صادقنا على مقرراته بالإجماع، وتمكنا  خلاله من تحسين بعض مقتضيات القانون الأساسي المتصلة بهياكل الحزب الوطنية، وتلك المتعلقة بالبعد الجهوي في بنائه التنظيمي، فضلا عن إدراج مواد متعلقة بالالتزامات المالية لجميع أعضاء الحزب، واستطعنا أيضا تمكين الحزب من بعض الوسائل القانونية لتجاوز الإكراهات المرتبطة بوجود لجنة مركزية تجاوز عدد أعضائها مستلزماتِ النجاعة والفعالية.

كما شكلت الدورة الثامنة للجنة المركزية، الملتئمة في فبراير2017، لحظة هامة بالنسبة للحياة الداخلية لحزبنا، أكدت امتلاكَهُ للشجاعةِ اللازمة في مساءلة ومراجعة ونقد الذات، حيث تمت مصادقتُنا، بالإجماع كذلك، على “خطة تجذر”، التي تجيب، موضوعيا، عن أسئلة حيوية تتعلق بجوانب القُصور في أدائنا الحزبي، وتستشرف أدواتٍ جديدةً ومُجددة لتجاوز أعطاب الحزب الداخلية، إذ  سيكون على القيادة المقبلة التي سيسفر عنها مؤتمرنا هذا مواصلةُ تفعيل مضامين هذه الوثيقة التي كانت نتيجةَ عملٍ جماعي، تشخيصي، تقييمي، واستشرافي امتد لشهور وانخرطت فيه مكونات الحزب كافة.

وهي خطة، ليست مرتبطةً بآجال، بقدر ما هي ممتدة في الزمن طويل المدى، وتهدف إلى استعادة القدرة على المبادرة الميدانية، واستنهاض طاقات المناضلات والمناضلين، ومراجعة التنظيم وأساليب الاشتغال، باستحضار المستجدات والتطورات والمتغيرات المجتمعية المختلفة، وتقوم على محاور ستة تتجسد في تأكيد الهوية الحزبية، استشراف جبهات نضالية جديدة، تجذير الحزب في الواقع الاجتماعي، تحديات التواصل الحزبي، تفعيل واجبات الانخراط، ثم التتبع والتقييم.

رفيقاتي، رفاقــــــــــــــــــي،

برغم كل المبادرات والجهود التي ذَكَرْنَــــــــا، والتي لم نذكر، علينا أن نعترف بأننا، كذاتٍ جماعية، لم نُفْلِـــــــــحْ، ولم نَجِدِ السبيلَ العملــــــي الأمثل بعد، إلى كيفيات تمتين آلتنا الحزبية وتصحيح ما تعرفه من اختلالات ونقائص، من أجل مواكبة ما يشهده الحزب من نمو وإشعاع وجاذبية، ومن أجل التوفر على ما يلزم من بنيات لإدماج الكفاءات الجديدة في منظومة النضال الحزبي، واستنهاض هذا الأخير برؤيةٍ وممارسةٍ ناجعتين، وبمقاربات متطورة.

نعم، لا بد من الإقرار، أيضا، بأن ما واجهناه من صعوباتٍ سياسية موضوعيةٍ، خلال السنوات القليلة الماضية، كان له نَصيبٌ وافر في تفسير عدم تمكن الحزب مِن أن يتبوأ المكانةَ التي يستحقها، ولا مِن أن يحقق النتائجَ التي كان يتطلع إليها ويعمل من أجلها، لكن الموضوعيةَ تقتضي أن نتملك الجرأة لنقول عَلَنًــــــا، وبلا أدنى تردد، إنه لو كان الحزب، على الصعيد الذاتي، يمتلك مناعةً أقوى للصمود وآلــةً أنجع للمقاومة، لـما كنـا حصدنا كلَّ تلك النتائجِ المخيبة والصادمة  في انتخابات سنة 2016، ولَـكُنَّا استطعنا تخفيضَ آثارِ ما تعرضنا له إلى أدنى المستويات.

وعلينا الإقرارُ بأن هياكلنا وتنظيماتنا، عموما، لا ترقى إلى مستوى الفاعلية التي تفرضها الرهانات المجتمعية المتغيرة باستمرار، حيث تفتقد، في مجملها، إلى روح المبادرة والابتكار، وإلى الدينامية المنتظمة.

 

رهانات يجب ربحها من أجل أن يتبوأ الحزب

المكانة اللائقة التي يستحقها

 

رفيقاتي، رفاقي،

ها نحن، إذن، نصل إلى هذه المحطة النضالية المتميزة، بعد مشوار شاق وطويل من التحضير، ومن الخطوات المتتابعة المتخذة كمداخلَ متكاملةٍ لإنجاح مؤتمرنا العاشر، ليس من حيث أشغالُه الآنيةُ فقط، ولكن بالأساس من حيث مُخرجاتُه التي يتعين أن تصب في اتجاه استدراك وتصحيح الاختلال الذاتي.

وتحضيرنا لذلك ابتدأ بخطوة المؤتمر الوطني الاستثنائي، ثم بعده بلورة خطة تجذر، قبل اعتماد مقرر تنظيمي، بإجماع اللجنة المركزية، نحن بصدد تفعيله من خلال ما أتاحه، إلى جانب القانون الأساسي، من إمكانيات لضبط لوائح المناضلات والمناضلين، وتسوية واسعة لواجبات الانخراط، وانضباط وشفافية وديمقراطية وجدية أكثر في الجموع العامة المحلية والمؤتمرات الإقليمية، وصولا إلى مؤتمر وطني نوعي ها هو يعكس، إلى حد بعيد، وزنَ ونتائج وأداء الفروع والتنظيمات الأخرى.

كما نَبْلُغُ مؤتمرَنا هذا باقتراحاتٍ شفافةٍ قادمةٍ من مؤتمرات الفروع الإقليمية، لأجل عضوية اللجنة المركزية المقبلة، كمؤشر على درجة عليا من نضج الحزب على صعيد ديمقراطيته الداخلية، رغم أن هناك من انتقد هذه المقاربة غير المركزية، بِعِلَّةِ أنها تُضْعِفُ تمثيليةَ المركز الزاخر بالأطر القادرة على  قيادة الحزب من خلال مؤسسته التقريرية.

وإذا كان هذا الرأي مردودا عليه نسبيا بكون الأطر السياسية المناضلة تتوافر في جميع مناطق بلادنا، بكل تأكيد، وبكون المقرر التنظيمي عالـج الأمر قانونيا عبر تخصيص نسبة مئوية من عدد أعضاء اللجنة المركزية المقبلة للأطر والفعاليات من خارج حصص الفروع الإقليمية، فإن المُلاحَظَ هو أن مؤتمرات هذه الأخيرة، على العموم، لم تستطع معالجة ضعف تمثيلية النساء والشباب، التي ظلت ضعيفة ولا تليق بطموح الحزب، والأمر نفسه ينطبق على المسألة ذات الصلة  بإتاحة فرصة  تسيير الحزب، محليا وإقليميا، أمام الطاقات الشابة.

كل هذه الرهانات والتحديات لا  رفيقاتي العزيزات رفاقي الأعزاء، في أنكم تشاطرونني إياها، كما تتقاسمون معي هموم تكوين وتأطير المناضلات والمناضلين، ومواكبة قطاعاتنا السوسيومهنية ومنظماتنا الموازية، سواء تعلق الأمر بالشبيبة الاشتراكية، أو بمنظمة الطلائع أطفال المغرب، أو الكشاف جوال، أو منتدى المناصفة والمساواة، من أجل أن تشكل أذرعا قوية وفضاءات رحبة للفعل المثمر إلى جانب حزبنا وفي أحضانه.

وبانتهاء المؤتمر، وإقرار مشاريع الوثائق المعروضة على أنظاره، وانتخاب القيادة الجديدة، تعلمون أن مشوارا  جديدا من النضال سيبدأ لنواصل ما نقوم به، بعزم أكبر وتصميم أقوى، حتى نتمكن جميعا من أداءِ الأمانة التي نحن مُطَوَّقُونَ بها، والارتقاءِ بحزبنا إلى المستوى الذي يجعله أكثر نفعا لوطننا وشعبنا، وفاءً للرعيل الأول من المناضلات والمناضلين، الذين أسسوا هذه الأداة النضالية، وحافظوا عليها بتضحيات جسام.

فمزيدا من العمل والنضال والعطاء والإبداع، ومزيدا من التضامن والتآزر، حتى ينال حزب التقدم والاشتراكية مكانته التي يستحقها، عن جدارة، في الحقل السياسي الوطني.

وشكرا لكم على حسن الإصغاء.

لا تعليقات

اترك تعليق