كلمة الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية محمد نبيل بنعبد الله

في افتتاح أشغال الملتقى الدولي الثاني، من تنظيم جمعية أعضاء المفتشية العامة للمالية بتعاون مع وزارة الاقتصاد والمالية حول موضوع :

“إعادة النظر في النموذج التنموي لمواكبة التطورات التي يشهدها المغرب”

الصخيرات، السبت 20 أكتوبر 2018 .

الأخوات الفضليات،الإخوة الأفاضل،

مدخل:  

أريد بداية أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى السيد وزير الإقتصاد والمالية على دعوته الكريمة لحضور هذا اللقاء الهام وإلى الصديق فوزي لقجع على مبادرته المقدامة بتخصيصه ورشة من ورشات هذا المنتدى إلى مساهمات الأحزاب السياسية في موضوع النموذج التنموي .

من حسن الطالع أن لقاءكم ينعقد اليوم أيام معدودة بعد الخطاب السامي لصاحب الجلالة الذي افتتح به السنة التشريعية الحالية.

ومن حسن الصدف أننا في حزب التقدم والاشتراكية نظمنا جامعتنا السنوية  قبل أسبوع بالضبط حول نفس الموضوع :” أي نموذج تنموي للمغرب؟”. نعلم جميعا أن جلالته وضع أجل 3 أشهر لتجميع مساهمات وأفكار واقتراحات كل القوى الحية والفاعلين المؤسساتيين بخصوص الموضوع إياه.

ويسرنا أن نضع مساهمتنا في السياق ذاته الذي حدده صاحب الجلالة في كل من خطاب افتتاح السنة التشريعية 2017-2018 و خطاب العرش لهذه السنة، وخطاب افتتاح السنة التشريعية الحالية، أي البحث عن نموذج تنموي منتج، فعال،ديمقراطي ومدمج بأفق أساسي قِوامه العدالة الاجتماعية والمجالية والتوزيع العادل للخيرات المنتجة على مختلف فئات شعبنا، وخاصة الوسطى والمحرومة منها، وعلى مختِلف جهات وأقاليم البلاد.

1 – الإقرار باستنفاذ النموذج التنموي الحالي لمهامه ومحدودية فعاليته

تقر اليوم جميع الفعاليات الحية للبلاد باستنفاذ النموذج التنموي الحالي لمهامه وبمحدودية فعاليته.

لكن من باب الإنصاف، يتعين أن نقر بأن النموذج التنموي الذي نحن عليه اليوم أو نموذج النمو حسب البعض الذي ينازع في أن المغرب له نموذج تنموي أصلا،كانت له بشكل موضوعي فضائل عدة على مستوى تطوير البناء الديمقراطي، وتمتين القدرات الاقتصادية والإنتاجية الوطنية، والرفع من المستوى المعيشي العام لساكنة البلاد، وانفتاح المغرب حضاريا وثقافيا على الفضاء الكوني بمفهومه الحداثي وبقيمه المتقدمة، وذلك في العقدين الأخيرين منذ اعتلاء صاحب الجلالة العرش.

ويتجلى ذلك على مستوى المكتسبات الديمقراطية والحقوقية والمساواتية الكثيرة التي راكمها المغرب، وصولا إلى إقرار دستور 2011 ومرورا بمسلسل الإنصاف والمصالحة، ومدونة الأسرة،والقوانين الداعمة لحقوق الإنسان وللحريات، ودعم الأحزاب السياسية، إلخ…..

وقد برز ذلك اقتصاديا على مستوى اعتماد نموذج تنموي إرادي بنَفَس كينيزي قِوامه تشييدُ بنيات تحتية هامة من طرق وموانئ ومطارات ومحطات صناعية وغيرها ومواصلات حديثة وتقدم رقمي ملحوظ واعتماد استراتيجيات قطاعية في مجالات اقتصادية مختلفة،صناعية وفلاحية وخدماتية وسياحية، وغيرها، مما مكن من رجوع المغرب إلى ضبط توازناته المالية ومن ضمان نسبة نمو  مرتفعة نسبيا، بلغت أثناء وفي نهاية العقد الماضي معدل 5% ، ومن تطوير قدرات وأداء الإنتاج الوطني، وتشييد نسيج اقتصادي إنتاجي أمتن مما كان عليه الأمر في السابق يقوم على شبكة من المقاولات الكبرى العمومية والخصوصية كما سماها البعض “الأبطال” ومن المقاولات المتوسطة والصغيرة الخصوصية، مع تحسين نسبي لمناخ الأعمال.

كما سعى المغرب بشكل جدي إلى محاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية، وإلى تحقيق عدالة اجتماعية أقوى، تصون كرامة الإنسان وترفع من مؤشرات التنمية البشرية من خلال تعميم التعليم، والشروع في تعميم التغطية الصحية والاجتماعية، واعتماد المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتطوير قدرات نظامي التعليم والصحة والسكن، وغيرها من الإجراءات الاجتماعية المساعدة على دعم قدرات  الفئات الوسطى و المستضعفة.

ولا يمكن إغفال،في هذا البعد التنموي، الجانب القيمي والحضاري والثقافي، لا سيما من خلال الاعتراف بالأمازيغية كلغة وثقافة، ومقاربة تأطير الحقل الديني في اتجاه مزيد من الاعتدال والانفتاح، وانخراط المغرب في عدد من الاتفاقيات الدولية ذات البعد التحديثي والكوني.

لكن رغم كل هذه المجهودات الملموسة، ظل المغرب في السنوات الأخيرة يراوح مكانه على مستوى بلورة مضامين دستور 2011 وعلى مستوى البناء الديمقراطي عموما، وعلى مستوى قدرته على تطوير آلة الإنتاج الاقتصادي ومتانة نسيج هذا الأخير بنسبة نمو سنوي متواضعة بمعدل 3 %  في أحسن الحالات خلال السنوات الأخيرة مع ارتباط هذه النسبة بالعوامل المناخية وتراجع النمو غير الفلاحي، وكما شهدنا رغم كل المجهودات المبذولة في مجال الاستثمار والتصنيع استمرار بل وتدني المؤشرات المرتبطة بالبطالة، وتواضع نجاعة الاستراتيجيات التنموية القطاعية وضعف حكامتها والتقائياتها. ومن جهة أخرى،تستمر مظاهر فاسدة مرتبطة بضعف الإنتاجية والتنافسية وباقتصاد الريع والاقتصاد غير الرسمي، وإدارة غير ناجعة، وتدبير ترابي غير سوي ومناخ للأعمال يظل رغم المجهودات المبدولة منخورا بعوامل انعدام الشفافية والتنافس غير الشريف  والرشوة وعدم وثوقية نظامنا القضائي…..، ونقائص أخرى عدة على المستوى الاجتماعي من خلال عدم التمكن من إدماج فئات واسعة من المجتمع في صيرورة الانتاج والدخل بحثا عن عدالة اجتماعية أقوى، وتوزيع أفضل لخيرات البلاد المنتجة.

وذلك كله تؤكده وتدل عليه مؤشرات التنمية البشرية من خلال تقارير وطنية ودولية موثوقة،وإن كانت في حاجة إلى مراجعة في بعض معاييرها التقييمية.  

وقد أضحى ذلك يتجلى اليوم، بشكل صارخ ومقلق، في أوساط مختلفة من المجتمع، من نساء ورجال الأعمال إلى الفئات المستضعفة، مرورا بالطبقات الوسطى، وذلك من خلال تعابير عديدة وبأساليب متنوعة تعكس حيرة حقيقية وقلقا مستشريا، من جراء النقائص والسلبيات العديدة التي  يجترها المغرب،لكن كذلك من جراء ضعف الخطاب السياسي المؤطِّر والقادر على فتح آفاق الأمل والعمل،ومن جراء ضبابية الآفاق التنموية المستقبيلة، حتى لا أقول انسدادها…علما أن ملامسة الواقع تكون في كثير من الأوضاع أكثر وقعا على آراء الناس من الواقع نفسه.

لذلك، وكما ورد في خطاب صاحب الجلالة بمناسبة عيد العرش، وفي الخطاب المفتتح للسنة التشريعية، فقد آن الأوان للخوض في رسم وتدقيق مقومات ومداخل وتفاصيل نموذج تنموي جديد.

2 – الركائز الأساسية للنموذج التنموي الذي يقترحه حزب التقدم والاشتراكية

بداية، يتعين الإقرار بأن أي نموذج تنموي يتوخى الفعالية والنجاح، من الضروري أن يرتكز على نظرة شمولية للمسار التنموي، تستحضر مختلف أبعاده وركائزه، بشكل يتيح التكامل والإلتقائية فيما بينها.

ومن جهة أخرى،لا يمكن أن نفكر في نموذج تنموي بمعزل عما يحدث من تطورات متسارعة وهيكلية على المستوى العالمي سواء تعلق الأمر بالتحولات العميقة التي يعرفها العالم اليوم بشكل يصعب معه تحديد الآفاق المستقبلية أو تعلق الأمر بالثورة الرقمية التي لا يعلم أحد اليوم آفاقها أو ببروز المقاربات الحمائية وما ترتكز عليه من خطاب شعبوي أو من تغيير مناخي يطرح على الكون تحديات غير مسبوقة.

كما لا يمكن أن نقارب أي نموذج تنموي دون إدراج أوضاع بلادنا الحالية والمستقبلية في محيطها الإقليمي وتفاعلها مع أوضاع جيرانه، وهو مايحتم علينا التقييم الضروري لآثار هذه العوامل على الاقتصاد الوطني خاصة بالنسبة لاتفاقيات التبادل الحر التي تطرح تساؤلات عدة على مستوى وقعها السلبي على القدرات التنافسية للاقتصاد الوطني وللمقاولة المغربية .

والأسئلة هنا عديدة: أي مكان نريده للمغرب على المستوى الدولي؟ وكيف له أن يتكيف مع الواقع الجديد؟ ماهي قدرته على أن يكون فاعلا ومؤثرا فيه، وليس فقط مُستهلِكا سلبا أو إيجابا لتجلياته؟ هذا مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار مَوْقِعَ المغرب وتَحَمُّلِهِ لأعباء إضافية متصلة بتدبير قضايا شائكة مثل ظاهرة الهجرة، ومسألة الأمن، وآفة الإرهاب.

في ظل هذه التطورات، يتعين التحكم في قدرة المغرب على الاندماج في الاقتصاد العالمي وعلى تدبير اتفاقيات التبادل الحر بشكل يخدم المسار التنموي الوطني ويحفظ مصالحه الوطنية، ويُمَكِّنُ من استفادته من التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة ، وبارتباط مع الاستفادة من الثورة الرقمية، من القفز على عدة مراحل تنموية للالتحاق بركب الدول الصاعدة، ثم الدول المتقدمة.

على هذا الأساس، فقد أنتج حزب التقدم والاشتراكية في مؤتمره الوطني العاشر الأخير وثيقة متكاملة الأبعاد فكريا وسياسيا واقتصاديا  واجتماعيا تضمنت تصورنا للنموذج التنموي المنشود انطلاقا من اقتناعنا الراسخ بأن مقاربة موضوع النموذج التنموي تقتضي استحضار منضور شامل تتداخل فيه كل الأبعاد المذكورة. وسأكتفي أمامكم، بتركيز، بالتأكيد على المداخل الأساسية وعددها خمسة لهذا النموذج التنموي.

  • المدخل الأول: أن يكون الإنسان في قلب العملية التنموية

ذلك أن حزبنا لا يشاطر المقاربة التنموية القائمة على أن آليات السوق قادرة لوحدها تلقائيا على أن تحقق التوازن الاجتماعي، من خلال إعطاء الأولوية لإنتاج الثروة قبل توزيعها، بل إن العمليتين متلازمتان، والدليل على ذلك واقع بلادنا اليوم، بل واقع عدد كبير من الدول عبر العالم .

فالنجاعة الاقتصادية ليست نقيضا للعدالة الاجتماعية، والمجتمعات التي تعرف توزيعا عادلا للثروة هي التي تسجل نسب نمو مرتفعة، وتُظهر مناعة أكبر ومقاومة أَصْلَب للأزمات.

وتظل الركيزة الأساس لهذا المدخل الأول هو الاستثمار في اقتصاد المعرفة وفي التربية والتكوين والقضاء على الجهل والأمية، وتحسين قدرات النظام التعليمي الوطني، خاصة العمومي، والاعتماد على المدرسة العمومية المجانية بمقومات التفوق والجودة والرقي بالبحث العلمي والتطور التكنولوجي.

أما ركيزته الثانية فهي تلك المرتبطة بضمان الصحة السليمة للمواطنين من خلال تعميم التغطية الصحية وتحسين تدبيرها ( RAMED) وتحسين مستوى الخدمات الصحية.

ويشكل خلق فرص الشغل ومحاربة البطالة عنصرا أساسيا في هذا البعد من خلال توفير دخل قار لجميع المواطنين من جهة وصيانة كرامتهم بإذكاء شعورهم بالمساهمة الفاعلة في المجهود التنموي الوطني.

ولتقوية التلاحم الوطني وتمتين الشعور بالانتماء وتوطيد وتملك كل المواطنين والمواطنات للنموذج التنموي المقترح، يتعين محاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية والنهوض بالمناطق النائية والجبلية في إطار الأولويات التي سترسم للسياسات العمومية.

  • المدخل الثاني:نمو اقتصادي سريع ومضطرد

ليس هناك نموذج تنموي جاهز يمكن للمغرب أن ينقله إلى واقعنا بنجاح بقدر ما يظل إنتاج هذا النموذج رهين بقدرتنا على صياغته طبقا لواقعنا ولخصوصيات بلادنا. ومن ثمة، نعتقد في حزب التقدم والاشتراكية أن اقتصادنا يتعين أن يقوم، إلى أن تنضج ظروف مغايرة، على دور تأطيري وتوجيهي أساسي للدولة في إطار التكامل والشراكة مع القطاع الخصوصي ضمن تخطيط استراتيجي يوضح بشكل غير جامد وقابل للتكيف الآفاق والأهداف التنموية ودور مختلف الفاعلين وآجال الإنجاز للتحكم في عنصر يكاد يكون غائبا في واقعنا المغربي ألا وهو عنصر الزمان.

ومن الركائز الأساس لهذا المدخل الثاني، يتعين ضمان مستلزمات دولة الحق والقانون في المجال الاقتصادي، من خلال إقرار شروط الشفافية والتنافس الشريف والقضاء على مظاهر الاحتكار غير المشروع واقتصاد الريع.

ونعتقد في حزبنا أن هذا البعد التنموي من الناحية الاقتصادية يتأسس على المضي قدما في مسار التصنيع بقدرة عالية على خلق قيمة مضافة كبيرة وعلى الاعتماد على أحدث التكنولوجيات، على أساس الاعتماد  المتوازن على الاستهلاك الوطني وتلبية حاجيات السوق الداخلية من جهة وعلى تنمية قدراتنا التصديرية من جهة أخرى . ومن أجل ذلك، يتعين توفير الشروط الملائمة لتشجيع المقاولة المغربية والإنتاج الوطني، وهو ما يتكامل مع الاستراتيجيات التنموية القطاعية القائمة شريطة الحرص على صيانة تكاملها والتقائيتها.

كما نعتقد أنه يتعين بشكل أولوي إحضار البعد الإيكولوجي في الإنتاج الاقتصادي والاعتماد أكثر فأكثر على الفرص التي يتيحها الاقتصاد الأخضر والاستمرار بشكل إرادي في الاعتماد على الطاقات المتجددة والحفاظ على ثروات بلادنا وصيانة حقوق ومستقبل الأجيال القادمة .

وفي نفس السياق، يتعين استكشاف كل الطاقات والإمكانات التي يتيحها الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لإشراك أكبر عدد ممكن من المواطنات والمواطنين في عملية الانتاج.

وفي هذا الإطار، تروم المقاربة الجبائية المصاحبة لهذا التوجه على عنصري النجاعة والعدالة وعلى تخفيف العبء الضريبي على المقاولات الصغرى والمتوسطة وتوسيع الوعاء الضريبي والقضاء التدريجي على الاقتصاد غير الرسمي والاعتماد على مبدأ التضامن.

وفي نفس الاتجاه،تندرج فكرة إلتفاف كل من الدولة والمقاولين والنقابات عبر حوار اجتماعي منتج وخلاق، حول ميثاق اجتماعي يصون حقوق وواجبات كل طرف في عملية الانتاج والتنمية.

  • المدخل الثالث: تحسين الحكامة وضمان مناخ مناسب

سيصعب على بلادنا أن تتحكم في نموذجها التنموي إن لم تكون قادرة على تحسين نظام حكامته وعلى ضمان مناخ مناسب للعمل وللأعمال وللتدبير الأمثل، وذلك من خلال تحسين أكبر لمناخ الأعمال بالقضاء على مظاهر الفساد والرشوة وبضمان شروط مناسبة للاستثمار الوطني والأجنبي. وهو ما يستلزم التحكم في سرعة القرار ونجاعته وشفافية مساطره من خلال إصلاح إداري حقيقي يعتمد على تنزيل جريئ لمبدأ اللاتمركز  واللاتركيز بما يوفر شروط تدبير ترابي ناجع للسياسات والتوجهات العمومية المبرمجة ومن خلال المضي قدما في تفعيل الجهوية بشكل يتلائم مع مضامين دستور 2011.

وفي نفس الإطار، تطرح بقوة اليوم في مجتمعنا مسألة ممارسة المسؤولية وما يلازمها من محاسبة في إطار التطلع الشديد إلى الشفافية والثقة والمصداقية مما يطرح ضرورة تسريع وتيرة إصلاح القضاء وضمان الحقوق والواجبات للمجتمع .

  • المدخل الرابع: البعد القيمي والثقافي والمجتمعي

كما أكد على ذلك كثيرا أحد مؤسسي الفكر الاقتصادي المغربي، الفقيد عزيز بلال، النموذج التنموي لا يستقيم دون الاعتماد على ما أسماه بالعوامل غير الاقتصادية للتنمية.

وترتكز هذه العوامل على قدرة المغرب على اختراق عالم الحداثة والمعرفة من الباب الواسع من خلال تطوير استعمال العقل والتحليل العلمي في مقاربة الواقع والقدرة على استيعاب الجديد وهو ما لا يتنافر مع تثمين وصيانة ثراثنا الوطني.

وفي هذا السياق،يتعين مواصلة وتقوية الانفتاح على الثقافة الكونية والسعي إلى استفادة عموم الشعب من تطوير الكفاءات والمهارات من خلال تعميم الولوج إلى الثقافة وفضاءاتها كوسيلة أساسية لدعم استقرار البلاد وتطويره، عبر تقاسم قيم مشتركة وبالتالي تقوية التماسك الاجتماعي. وهو ما لا يتناقض مع ضرورة صيانة التنوع الثقافي والتدبير الجيد للمسألة الأمازيغية في إطار وحدة الانتماء.

ويبقى دور المثقفين والمفكرين أساسيا على كل المستويات، من خلال توفير الشروط الملائمة للنهوض بأدوارهم في إنتاج الأفكار والقيم وفي حمل التطلع إلى الإبداع والإبتكار والتجديد، علما أنه يتعين النظر إلى المسألة الثقافية ليس كعبئ مجتمعي بل كفضاء منتج يتيح بدوره فرص الاستثمار والشغل والدخل .

  • المدخل الخامس: الديمقراطية لحمل النموذج التنموي

كما أقر بذلك دستور 2011،النجاح في صياغة وبلورة نموذج تنموي يتأسس على بناء ديمقراطي متقدم في كل المجالات. فبقدر ما يتعين العمل على تفعيل مضامين الدستور في المجالين السياسي والمؤسساتي، من خلال تقوية دور الفاعلين السياسيين وتمتين مهام المؤسسات المنتخبة وضمان توازن حقيقي للسلط وإقرار قدرة حقيقية لكل هؤلاء المتدخلين على قيادة مسلسل التغيير،بقدر ما يتعين ضمان ممارسة الحريات الفردية والجماعية في إطار فهم خلاق لثنائية و جدلية الحقوق والواجبات وإقرار ضمني لمبدأ المساواة: المساواة بين المواطنين، المساواة بين المجالات، المساواة بين المرأة والرجل،المساواة في الفرص والمؤهلات، المساواة في الولوج إلى الخدمات،  المساواة أمام الضرائب كل حسب إمكانياته، المساواة في الحقوق والواجبات، ومن خلال الإقرار بذلك إرجاع الثقة للمواطن في بلده وفي وطنه وفي الدولة .

وهذا هو السبيل لإرجاع الثقة في مختلف أوساط المجتمع ولإذكاء الحمية في النفوس ولترويج خطاب التفاؤل والأمل والتطلع إلى غد أفضل.

وبعبارة أوضح، نموذج تنموي جديد يحتاج من دون شك إلى خبرة ومعرفة وكفاءات ومهارات وقدرات تقنية وموارد بشرية متطورة لكنه، كما هو الشأن في كل المجتمعات المتقدمة على اختلاف أنظمتها السياسية، يحتاج كذلك وبشكل أساسي إلى فاعلين سياسيين أقوياء يتمتعون بثقة الناس وبمصداقية خطابهم وبنفوذ رسالتهم إلى مختلف أوساط المجتمع. وعلى رأس هؤلاء الفاعلين، يبرز الدور الذي لا يعوض لأحزاب ساسية  تحمل النموذج التنموي المنشود وتتحمل أعباءه ومستلزماته وصعاب بلورته ومخلفات إجراءاته الإصلاحية وتكون قادرة على الإقناع وعلى التدبير الجيد لمسلسل التغيير. ولن يستقيم ذلك إلا من خلال حفاظ هذه الأحزاب على مصداقية قراراتها. ومن تم، يتعين اليوم كما ورد في خطابي صاحب الجلالة بمناسبة عيد العرش الأخير وبمناسبة افتتاح السنة التشريعية، رد الاعتبار للعمل السياسي في وظيفته التأطيرية والقيادية وإحداث مصالحة حقيقية بين المواطن والفعل السياسي حيث يتعين الإقرار بأن لا نموذج تنموي حقيقي بدون الاعتماد على من سيحمله سياسيا.

وعلى هذا الأساس يتعين مصاحبة بحثنا المشترك عن نموذج تنموي ناجع بنقاش وطني واسع قادر على حشد الطاقات وترويج الأفكار واستنهاض الهمم وبعث نفس ديمقراطي جديد في المجتمع.  

خاتمة:   

هذه خطوط عريضة فقط مؤطرة لتصور حزب التقدم والاشتراكية المرحلي للنموذج التنموي وسنسعى من خلال مساهمات مدعوين من الخبراء والأخصائيين في هذا المجال من زوايا مختلفة إلى تطعيم نظرتنا وإغنائها والمساهمة بذلك في العمل الوطني المشترك الذي نادى إليه صاحب الجلالة والهادف إلى توفير نظرة متكاملة ومتوافق حولها بين مختلف فعاليات البلاد تمكن المغرب من رفع تحديات  التنمية على أحسن وجه في المستقبل القريب.

شكرا على حسن انتباهكم.

 

لا تعليقات

اترك تعليق