من أجل الحسيمة، من أجل العقل

نشرت جريدة بيان اليوم ، في عددها ليوم الخميس 18 ماي، افتتاحية بقلم مدير النشر محتات الرقاص حول حراك الحسيمة، نعيد نشرها كاملة حيث تعبر عن تحليل و موقف حزب التقدم والاشتراكية في الموضوع.

بقلم محتات الرقاص

الإحتقان الواضح اليوم في الريف، وخصوصا في الحسيمة، ومعالم التصعيد التي يسجلها المراقبون لدى هذا الطرف أو ذاك، تفرض علينا كلنا أن ننصت إلى العقل بلا أي خفة قول، ومن دون إصرار على دغدغة مشاعر بَعضنا البعض.

بالفعل تشهد الحسيمة ومنطقتها إحتجاجات إجتماعية مدنية مشروعة ومفهومة، وبرغم شعارات عنيفة تبرز أحيانا خلالها، أو بعض(التشيار)بالكلام والمطالب، فإنها على العموم بقيت سلمية، وتتميز بتنظيم واضح.

وعلى هذا المستوى يمكن التأكيد بكون الإحتجاج والتعبير الحر والمسؤول عن المطالب، ضمن إحترام مقتضيات القانون، يبقى أمرا مقبولا، وهو حق مشروع للمواطنات والمواطنين.

في الوقت نفسه، يمكن كذلك القول بأن مثل هذه الإحتجاجات الإجتماعية من الوارد حدوثها في الحسيمة وفِي باقي مدن البلاد، وسبق أن كانت في طنجة ضد أسعار الماء والكهرباء مثلا، كما كانت قد شهدتها عديد مدن أخرى من قبل ضمن حراك”20 فبراير”، ولا يمكن سوى الإتفاق على وجود إختلالات ومشاكل إجتماعية وإقتصادية وتدبيرية يعاني السكان من إنعكاساتها السلبية على واقعهم اليومي وظروف عيشهم.

كل ما ذكر أعلاه لا يمكن إذن سوى الإتفاق على وجوده، كما أن نضال شعبنا وقواه التقدمية لعقود طويلة، كان بالضبط من أجل حق المواطنات والمواطنين في الإحتجاج المسؤول وفِي التعبير الحر عن المطالب.

لكن هنا يجب القول صراحة وبلا لف أو دوران، أن ما يجب أن نحتكم إليه كلنا هو دستور البلاد ومقتضيات دولة القانون والمؤسسات، أي ما يوحدنا جميعا في إطار الإنتماء إلى وطن هو المغرب، ومن ثم، يبقى أي إنزلاق في الخطاب أو في الشعار أو في الخلفيات والأهداف غير مقبول ويجب التعبير الواضح عن رفضه.

في الأيام الثلاثة الأخيرة خرج عدد من الفاعلين المحليين في حراك الحسيمة مؤكدين أنهم ليسو محترفي سياسة ولا خلفيات إنفصالية لديهم أو إرتباطات أجنبية، وهم مستعدون للحوار مع السلطات على قاعدة ملفاتهم المطلبية، وهذا إيجابي ويفرض الدعوة إلى البحث عن أرضيات من شأنها إنجاح الحوار، وبالتالي إنصات السلطات لمطالب المحتجين والتفاعل الإيجابي معها.

لكن في نفس الآن، يجب إعتماد مقاربة واقعية وعقلانية تقوم على مطالب موضوعية، وعلى منح فرصة لتلبيتها وتنفيذها، ذلك أن الحوار ليس شعارات معلقة في السماء بلا أعمدة وركائز على أرض الواقع.

من جهة أخرى، ما تشهده الحسيمة وما يحيط بذلك من تفاعلات مختلفة، يجب أن يعيد الحديث إلى منطلقاته الأولى.

إن الأمر يتعلق بضرورة إعادة تأسيس مشهدنا السياسي العام على أسس نزيهة وتتوخى المصداقية، وذلك إنطلاقا من مستوياته المحلية والجهوية إلى الإطار الوطني، وسواء عبر الهيئات السياسية أو الجماعات الترابية أو النسيج الجمعوي المدني وباقي مؤسسات الوساطة والأحزاب والجمعيات.

هذا معطى مركزي لا بد من التنبيه إليه اليوم، ذلك أن ما أفضت إليه إنتخابات السنوات الأخيرة في المنطقة، ومختلف الإنتهاكات والخروقات وتجليات الهيمنة والإقصاء، برزت اليوم مآلاتها، ومختلف الكيانات المصطنعة هناك أو التي إستفادت من”الدوباج”في الإنتخابات وسيطرت على مجالس الجماعات والجهة ومقاعد البرلمان إختفت اليوم ولم تقم بأي دور، سواء في التدبير وحل مشاكل الناس أو في التأطير أو في الوساطة، وهذا هو ما نجم عن عبثية المشهد السياسي والإنتخابي هناك، ويجب أن نقرأ جيدا هذا الدرس، وأن يتم تحديد المسؤوليات بصراحة وموضوعية.

الأمر الثاني الذي يجب أن يلفت الإهتمام بلا سطحية كلام أو تبادل إتهامات بليدة، هو أن كثير مناطق في بلادنا تعاني من التهميش بالفعل، وتعاني ساكنتها من غياب الخدمات الإجتماعية والإدارية، ومن هشاشة مستويات التنمية المحلية والجهوية، وهذا يجب أن ينعكس على شكل برامج وإصلاحات عملية وملموسة تروم النهوض بأوضاع شعبنا والإهتمام بالقضايا الإجتماعية، فضلا عن الإستمرار في الإصلاحات السياسية والديموقراطية، التي تمثل الخيار المطروح لتقدم وإستقرار بلدنا.

من دون إنكباب الدولة على الملف الإجتماعي وفق أجندة واضحة ومحددة الأهداف والآجال، فالإحتجاجات يمكن أن تبرز في الحسيمة أو في الجنوب أو في الشمال أو في أي إقليم من أقاليم المملكة.

وبقدر ما نرفض أي إنزلاق في شعارات ومطالب وخلفيات المحتجين، فبنفس القوة لا يمكن أيضا القبول بمواصلة غض الطرف عن المطالب والإنتظارات الإجتماعية والتنموية والديموقراطية لشعبنا في مختلف جهات البلاد.

بقي أن نشير إلى أن من مصلحة بلادنا وشعبنا اليوم تفادي التصعيد من أي طرف، وأيضا أن تحرص فعاليات الإحتجاج على رفض أي عمل فوضوي أو أي مَس بالممتلكات العامة، وأن يعمل الجميع من أجل تقوية أمن بلادنا وإستقرارها ووحدتها، لأن هذا بالذات هو ما يتيح لشعبنا تطوير نضاله الوطني الديموقراطي من أجل تحقيق مطالبه المشروعة، وتمتين مكتسباته الديموقراطية والتنموية.

إذن، فليس من مصلحة شعبنا في الحسيمة وفِي باقي مناطق البلاد الإبقاء على الأزمة أو توفير الأرضيات المناسبة لإشعال نيران التصعيد، ويجب أن ينتصر العقل لدى الجميع لكي يتم تفويت الفرصة على كل من يتربص ببلادنا أو بأهلنا في الريف، ويسعى لجرهم نحو طرق أخرى هي ليست طرقهم، ونحو أهداف ليست لهم.

من أجل رفع الإحتقان فورا، وليبدأ الحوار على أسسس موضوعية وواقعية وقابلة لتحقيق المطالب الإجتماعية العادلة والمشروعة، وذلك في إطار مرتكزات دولة المؤسسات والقانون، ولتحقيق العدالة الإجتماعية، وبالتالي بداية كتابة صفحة جديدة بلا أي خلط في الأوراق أو عمى في النظر إلى الأشياء.

 

لا تعليقات

اترك تعليق