من تداعيات”البلوكاج”….

يرمي”البلوكاج”الحكومي منذ شهور بعديد مواقف وتصريحات وتخريجات سياسية، تصر أطراف حزبية على تقديمها كما لو أنها حقائق أو يقينيات، والحال أنها في الواقع بلا معنى، أو أنها تعيدنا إلى الدرجة الصفر في السياسة وفِي فهمها.
ما معنى مثلا، أن رئيس الحكومة المكلف يجب أن يتفاوض مع باقي الأحزاب أو ينجز كل واجبات التكليف بعيدا عن قيادة حزبه أو بمعزل عنها؟
ما معنى أن نرفع هذا مطلبا، وفِي الآن ذاته، نمسك بالتنصيص الدستوري على أن المنصب يعود للحزب المتصدر لنتائج الإقتراع التشريعي؟
ما معنى أن يكون الكلام مباحا لكل الأحزاب، ومحظورا على الحزب الذي ينتمي إليه أو يتزعمه رئيس الحكومة المكلف؟
يمكن للسياسيين إطلاق التصريحات التي يشاؤون وممارسة التصعيد اللفظي الذي يريحهم، وإقتراف لعبة تقزيم أحجام الآخرين كما يريدون أو النفخ في مقدراتهم هم وفي أحجامهم حتى عندما يكون الكل على علم بأنها متخيلة وخاوية وبلا قيمة، ولكن لا يمكن لكل هذا أن يصل بمرتكبه حد”التنظير”للتراجع وإفراغ كل المحتويات من معناها.
الثابت هنا أن القوى الديموقراطية يجب أن تصر على جعل الإنتخابات والتنافس السياسي يقومان على الأفكار والبرامج، أي فيما بين الأحزاب، وهذه الأخيرة يجب أن تكون قوية ومستقرة وموحدة وذات قرار مستقل، وسواء تشكلت الحكومة المرتقبة وفق هذا السيناريو أو غيره، فالأساسي هو أن تبقى الثوابت الديموقراطية والمرجعية موضوع إتفاق وسط الطبقة السياسية جميعها، لأن الأمر يتعلق بأفق إستراتيجي لا صلة له بحساب ظرفي مهما كانت اليوم مشتعلة حدته المزاجية أو الإنتفاعية.
أشياء أخرى يريد بَعضُنَا أن يقنعنا أنها هي السياسة وهي الوطن وهي الصواب وهي… التذاكي على كل الآخرين.
مثلا، أحزاب تلتقي وتجتمع وتنسق وتدبر وتفكر ثم تنادي في كل الآخرين أنها تريد أن تشارك في الحكومة مجتمعة وبلا إستثناء، حتى لو كان من كلف بتكوين هذه الحكومة ورئاستها يرفض العمل مع بعض مكوناتها.
ثم هناك أطراف حزبية ترى أن وجودها ضمن الحكومة مصيري لمصلحة البلاد ومستقبلها ولقضيتها الوطنية، كما لو أن الإصطفاف في المعارضة سيكون هو العكس من كل ذلك.
إن السياسة في المبدأ هي تفاوض وأخذ وعطاء بين الأطراف، وهي تنازلات متبادلة، وكل ذلك في استحضار واع لمعطيات الواقع، وللفرق بين الثانوي والجوهري في كل الأشياء، ولحيثيات السياق، لكن شهور”البلوكاج”عندنا، أبانت عن قدرة عدد من قياداتنا الحزبية على السير عكس الإتجاه، وبعض هذه الزعامات يصر على المشي أعمى بلا نظر إلى مصلحة الوطن أو إلى المستقبل.
هل يعرف هؤلاء أن البلاد تشهد بالفعل إنسدادا حقيقيا في السياسة وفِي الإقتصاد وفِي… الأفق العام؟
هل يعرف هؤلاء أن الخروج من هذا الإنسداد الذي طال، وتشكيل الحكومة في أقرب وقت يتطلب السعي من لدن الجميع للإسهام في توفير الحل المتقدم الذي يجب أن يتأسس على الدستور، نصا وروحا، وعلى إعمال المنهجية الديموقراطية وما تقتضيه من إحترام للإرادة الشعبية، وبناء توافق إيجابي متين…؟
هل يعرف هؤلاء أن طريق تحقيق كل هذا يمر عبر تكريس مكانة رئيس الحكومة، وهذا للتذكير مطلب القوى الديموقراطية منذ عقود،
وهو من يقود المشاورات ويشكل أغلبيته بموجب التكليف الملكي ومنطوق الدستور؟
من المؤكد أن الموقف من الأشخاص حاضر في كثير خلفيات لما يروج حوالينا هذه الأيام، وأيضا المزاجيات والأنانيات، ولكن العناد في الإصرار على كل هذا، والمبالغة في الإصرار عليه، لن يقودنا كلنا سوى إلى التراجعات، ويجب على كل الأطراف المعنية تجنب تحويل هذه الرغبات الذاتية أو الحسابات الصغيرة جدا إلى أجندات أو محاور أساسية في الخلاف، ومن ثم تفادي التصعيد، وإعمال الحكمة والرصانة والهدوء، بغاية تسهيل الوصول إلى الإتفاق.
الغريب أن الإعلان عن المواقف بات يتم فقط من خلال تصريحات تطفح بالسباب وتبادل القذف والشتائم والتنقيص من قيمة الأشخاص وأوزان وأحجام الهيئات، ولم يعد أكثر المتفائلين منا باستطاعتهم تصور إمكانية وجود صداقة شخصية أو تفاهم بين سياسيين من أحزاب مختلفة، أو إمكانية إيجاد قياديين يقدرون على تقريب الاّراء في الظل من غير ضجيج الإعلام، وإنضاج التفاهمات بين هيئاتهم قبل الإعلان عنها، وهذا معطى خطير على حياتنا السياسية، وهو أكثر مدعاة للتأمل من حسابات إنزال هذا أو ذاك في الحكومة.
النجاح في تكوين الحكومة يمكن، على كل حال، أن يتحقق بهذه الطريقة أو تلك، ويمكن للبلاد أن تعبر هذا الإمتحان بشكل عادي، ولكن مشكلتنا أن بعض التصريحات والسلوكات من لدن السياسيين تهدد المضمون السياسي لحياتنا الديموقراطية بإفراغه من كامل جديته ومعناه، وهذا يفتح كل أبوابنا على المجهول.
إن من يتلذذ اليوم بإطالة أمد هذا”البلوكاج”وينفخ في نيرانه ويزيد من إشتعالاته لا يعرف أين سيقودنا كل ذلك، وتحركه وحدها مزاجيته وتوهماته ذات الصِّلة بموازين القوى وبالمستقبل، وهذه الخلفية هي التي سقطت في إنتخابات العام  الماضي، وفي الأخرى التي سبقتها، وأيضا قبل ست سنوات من الآن برغم كل” الدوباج”، وحتى لو جرى اليوم تغيير ألوانها فمصيرها لن يكون مختلفا عن السقطات السابقة.
إن الأحزاب الحقيقية التي تعول عليها البلاد هي ذات التاريخ وذات المصداقية وذات المرجعية وذات الإرتباط بالناس وذات القرار المستقل وذات القدرة على الحضور في الميدان، وبلادنا تنجح دائما عبر صياغة توافق تاريخي إيجابي وقوي بين كل مؤسساتها الشرعية، وإعتمادا على القوى الوطنية الجدية والحقيقية، وذلك بما يكرس إلتفافا وطنيا لمختلف الفرقاء حول جلالة الملك من أجل تعزيز الديموقراطية وإنجاح الإصلاحات وتحقيق التنمية والتقدم.
كم نحن اليوم في حاجة إلى تمتين الإنصات إلى العقل وإلى دروس التاريخ، ومواقف القادة التقدميين الكبار في بلادنا، وكم نحن في حاجة لنقول لبعض ساستنا:(الرجوع لله)، وأن نتمعن جيدا في قرار شعبنا الذي عبر عنه في سابع أكتوبر الماضي، وأن نستحضر السياقات كلها، وأن نقرأ واقعنا ومحيطنا ببعد نظر، وأن لا نلوي عنق بديهيات السياسة لنمنحها معنى آخر يريح الوهم المسيطر على عقولنا.
بقلم محتات الرقاص

لا تعليقات

اترك تعليق