ألف تحية تقدير للمرأة … في يومها العالمي

تمثل المرأة عنصرا حيويا في كل المجتمعات، نظرا لما تنجزه يوميا في شتى مجالات الحياة. وتسليط الضوء على أوضاعها في يوم سنوي واحد لا يعد في حد ذاته إنصافا لها.

لكن الاحتفال باليوم العالمي للمرأة هو تعبير رمزي عن المرأة البسيطة صانعة الحياة، والتي تربي وترعى أطفال هذا العالم وتزرع في نفوسهم الأمل وترافقهم في درب الحياة بصبر. وهو تذكير بمعاناة المرأة العاملة وغير العاملة من أجل فرض نفسها وإحقاق حقوقها.

ومن سنة إلى أخرى، يعد الاحتفال بالعيد الأممي للمرأة فرصة متاحة للتأمل في التقدم الحاصل والدعوة للتغيير وبذل مزيد من الجهد وتثمين الجهود الشجاعة التي تبذلها المرأة على مختلف الأصعدة وما تضطلع به النساء من أدوار استثنائية في صنع تاريخ بلدانهن ومجتمعاتهن.

والأمم المتحدة، وهي تحتفل بالعيد الأممي للمرأة لهذه السنة، اختارت رفع رهان المناصفة من خلال شعار  ” المرأة في عالم العمل المتغير: تناصف الكوكب (50/50 ) بحلول عام 2030”  بهدف التعجيل بتفعيل أهداف التنمية المستدامة في أفق 2030، وبالخصوص الهدف 5 الخاص بالمساواة بين الجنسين والهدف 4 الخاص بضمان التعليم الجيد والمنصف والشامل للجميع.

وتعتبر المساواة بين الجنسين الحجر الأساس لكل مجتمع ديمقراطي يتوق إلى إقرار العدالة واحترام حقوق الإنسان، والتي ترتكز من خلال عدم قابليتها للتجزيء على التصورات المندمجة للتنمية التي غالبا ما تضع الإشكاليات المعيارية والمؤسساتية والخيارات الإستراتيجية في محور اهتمامها من أجل إقرار وإعمال هذه الحقوق.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول بأن أكبر وأهم ما أكد عليه الدستور المغربي الجديد، هو مبدأ المساواة والمناصفة في الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، فنص في إطار السعي إلى تحقيق المناصفة بإحداث هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال الميز.

فإذا كان الإطار المؤسساتي والتشريعي لوضع النساء قد تطور بشكل كبير، سواء في جوانبه المتعلقة بالحماية والملائمة في مجال التشريعات الوطنية مع مقتضيات الاتفاقيات الدولية، وكذلك في تنويع الآليات والمؤسسات المعنية، والتي لها دور في تنزيل وتفعيل مقتضيات الدستور في هذا الباب، فإن الوضع الحقيقي للنساء ما زال يعرف خللا كبيرا  على مستوى الاحترام والاعتبار والتقدير والتمكين من الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، باعتبار أن الإشكالية لا تعالج فقط على الصعيد الوطني في المراكز الحضرية الكبرى، بل تمتد إلى عمق المجتمع، وبالخصوص في المناطق الفقيرة وفي الأحياء الحضرية الهامشية وعلى مستوى المناطق الجبلية والقروية النائية، حيث ما زالت النساء تعيش أوضاعا جد مؤلمة.

لقد كان الأمل معقودا على أن نظام الجهوية المتقدمة واللآمركزية المرنة قد يساهمان في طفرة نوعية لفائدة المرأة ودرء الصدع الحاصل، ويساعدان من خلال القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية في فتح أوراش اندماج المرأة في فضاء متكامل تحس فيه، بكل مقومات الاندماج الخلاقة وقادرة على تفعيلها،  فإذا بنا نعيش وضعا مماثلا لما قبل هذه التجربة، بحيث أن هيئات المساواة وتكافئ الفرص ومقاربة النوع ما زالت لم تتأسس في غالبية الجماعات الترابية،وحتى إذا أسست، فإنها لا تضطلع بأدوارها كما هو مطلوب. كما أن المخططات التنموية، الجهوية منها والمحلية، والتي تنص على وجوب الأخذ بعين الاعتبار مقاربة النوع عند وضعها، كلها لم تفعل حتى الآن، بل إن كثير من هذه المخططات التي صودق عليها ليس فيها ما يفيد اعتماد مقاربة النوع الاجتماعي. مما يعد مؤشرا على أن هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهد للتغلب على المعيقات ذات الطابع الثقافي والتقليدي المكرس لدونية المرأة والمعيق للتنمية ونهضة النساء.

إن هناك حاجة ماسة إلى تعزيز عملية التنسيق والملائمة واعتماد نظام للمسائلة وتقييم السياسات العمومية في مجال دعم حقوق النساء وتوفير ميزانية النوع الاجتماعي كإطار عملي لتقوية المسائلة القائمة على مقاربة النوع الاجتماعي، وذلك من أجل تحسين مؤشرات النتائج والوقوف على مختلف الانجازات ورصد الخصاص القائم من خلال الولوج المنصف للجنسين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، خصوصا بعد انطلاق مركز الامتياز لميزانية النوع الاجتماعي، الذي يجب دعمه وتعزيز دوره بالسرعة والفعالية المطلوبة، سواء في إطار وضع الميزانيات العامة للدولة أو في إطار وضع ميزانيات الجماعات الترابية.

وعلى المستوى الوطني، تجدر الإشارة بالمناسبة إلى مختلف الانجازات التشريعية والمؤسساتية الداعمة لمقاربة النوع الاجتماعي، خصوصا بعد انطلاق مركز الامتياز لميزانية النوع الاجتماعي.

فبجانب تعزيز الإطار التشريعي، الرامي إلى ملائمة التشريعات الوطنية مع مقتضيات الاتفاقيات الدولية في مجال النهوض بحقوق الإنسان عامة، وبحقوق المرأة الأساسية  بصفة خاصة، تم تدعيم الإطار المؤسساتي الوطني بمجموعة من المؤسسات المكلفة بالسهر  على احترام حقوق الإنسان وتقييم مدى تطبيقها، وعلى رأسها المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، إضافة إلى إحداث هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز (كما نص على ذلك الفصل 19 من الدستور) بجانب خلق آلية المرصد الوطني لتحسين صورة المرأة في الإعلام والمرصد الخاص بمناهضة العنف ضد النساء والمرصد الخاص بالمساواة بين الجنسين في الوظيفة العمومية.

ولتعزيز عملية التنسيق والملائمة واعتماد نظام للمسائلة وتقييم السياسات العمومية في مجال دعم حقوق النساء المغربيات توفر ميزانية النوع الاجتماعي إطارا عمليا لتقوية المسائلة القائمة على مقاربة النوع الاجتماعي.

وقد أدى تحليل السياسات العمومية حسب النوع الاجتماعي من منظور حقوق الإنسان وتقييم مختلف البرامج إلى انخراط ثلاثين قطاعا في المقاربة، والتي ساهمت بشكل كبير في تحيين مؤشرات النتائج والوقوف على مختلف الانجازات ورصد الخصاص القائم من خلال ثلاث مستويات تتمثل في :

  • الولوج المنصف للجنسين للحقوق المدنية والسياسية
  • الولوج المنصف للجنسين للحقوق الاجتماعية
  • الولوج المنصف للجنسين للحقوق الاقتصادية

إن من شأن الإصرار وعقد العزم على تحقيق الأهداف الأممية الرئيسية في أفق 2030  تحقيق التقدم في مجال المساواة بين الجنسين، ومن ضمنها:

  • ضمان أن يتمتّع جميع البنات والبنين والفتيات والفتيان بتعليم ابتدائي وثانوي مجاني ومنصف وجيّد، مما يؤدي إلى تحقيق نتائج تعليمية ملائمة وفعالة.

وهنا وجب الاهتمام بمعالجة ظاهرة الأمية، والتي تصل نسبتها إلى حوالي 34% سنة 2008، بينهم أكثر من مليون طفل وطفلة يتراوح عمرهم 9 و 14 خارج المدرسة لا يعرفون القراءة والكتابة.

كما وجب التذكير بنسب الهدر المدرسي، التي أصبحت في تصاعد متزايد، حيث تشير الأرقام الرسمية إلى أنه خلال سنة 2008 (كمؤشر) انقطع سنويا عن الدراسة أكثر من 300.000 ألف تلميذ وتلميذة من الفئة العمرية (6-15سنة )، ونتحدث اليوم عن 650 ألف تلميذ خارج المنظومة التربوية، ومن ضمنهم الفتيات المتمدرسات.

ويستشف من دراسة أنجزتها كتابة الدولة المكلفة بمحو الأمية بتعاون مع اليونيسيف حول «الانقطاع عن الدراسة بالمغرب» بأن كل سنة يقضيها الطفل بالمدرسة الابتدائية كفيلة بتحقيق 12.7% من رفع مستوى الدخل مقابل 10.4% بالمدرسة الثانوية. ويزداد الربح بنقطة عند الفتيات إلى أن تصل مجموع الخسائر بالنسبة للمجتمع نصف نسبة الدخل السنوي لسنة 2004، أي ما يقارب 2.8 مليار درهم.

وهنا تتجلى أهمية الأرباح التي قد يجنيها المغرب، لو لم تكن أمية أبنائه مرتفعة، سواء على صعيد التنمية البشرية أو بناء المجتمع وتطويره وتحقيق الرخاء لبنيه ولبناته.

  • ضمان أن تتاح لجميع البنات والبنين فرص الحصول على نوعية جيدة من النماء والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة والتعليم قبل الابتدائي حتى يكونوا جاهزين للتعليم الابتدائي،
  • القضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء والفتيات في كل مكان،
  • القضاء على جميع أشكال العنف ضد جميع النساء والفتيات في المجالين العام والخاص، بما في ذلك الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي وغير ذلك من أنواع الاستغلال. وهنا كذلك وجب التنبيه لأرقام مخجلة يندى لها الجبين، حيث تشير تقارير حقوقية إلى أن 6,2 مليون امرأة مغربية من أصل 9.5 مليون امرأة بين 18 و 64 سنة، تتعرضن للعنف بشتى أشكاله، أي ما يعادل 62.8 % من النساء يعانين من العنف، ويحظى ذلك بنوع من القبول الاجتماعي القائم على الإفلات من العقاب الذي يستفيد منه المتورطون في العنف.
  • القضاء على جميع الممارسات الضارة، من قبيل زواج الأطفال والزواج المبكر والزواج القسري،

فلنتعهد جميعا ببذل قصارى جهدنا للتغلب على التحيز المترسخ، ودعم المشاركة والنشاط، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وتمكين المرأة.

وفي ذلك فليتنافس الرجال والنساء، يدا في يد من أجل غد أفضل للإنسانية، والتي تعتبر المرأة فيها رمز العطاء والعصامية والجهاد والكفاح من أجل الكرامة، فهي التي تمنح الحياة البشرية، وترعاها، وتوفر لها سبل النماء والتطور.

فـــإلى الجدة،

إلى الأم،

إلى الأخت،

إلى البنت،

إلى الصديقة،

إلى الرفيقة،

ألف تحية تقدير واحترام  … في يومك العالمي.

 

أكادير في 8 مارس 2017

عبد اللطيف أعمو

www.ouammou.net

مقالات ذات صلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.