الكرة لدى غوتيريس ونحن علينا اليقظة

من المؤكد أن ما يصل من أخبار من منطقة الكركارات يقتضي التعامل معه بكثير من التحري والإحتياط، بدل تصديق أي شيء مهما كان مفبركا أو مبالغا فيه أو يستهدف التغليط وتحريف الحقائق، ولكن في نفس الوقت لا يمكن نفي وجود إنشغال حقيقي وسط شعبنا بتطورات الوضع الميداني والديبلوماسي المرتبط بالملف، وتطلعه لمعرفة حقيقة الأوضاع وباقي المآلات المتصلة بتطور مسلسل هذا النزاع المفتعل حول وحدتنا الترابية، ولهذا لا بد من الإنكباب اليوم على موضوع التواصل مع شعبنا وتفسير حقيقة ما يحدث وحيثيات الموقف السياسي والديبلوماسي لبلادنا على هذا الصعيد، وذلك لتعزيز الإطمئنان وتقوية التعبئة الوطنية دفاعا عن الحقوق المشروعة لبلادنا.
إن التواصل المطلوب ليس ذلك الذي يتم عبر تصريحات مقتضبة ومناسباتية للديبلوماسيين، وهي، بحكم الوظيفة، تضمر أكثر مما تعلن، وتلتزم في المضامين والأساليب بالإشتراطات الديبلوماسية اللازمة، ولكن التواصل المتحدث عنه هنا هو الذي يجري تفعيله من خلال تمكين الأحزاب الوطنية الحقيقية والمنظمات المدنية ووسائل الإعلام من الحقائق والمعطيات، وإشراكها في مختلف مراحل المسار المتصل بالقضية، وإشعاع دينامية في النقاش العمومي حول الملف.
صحيح، أن المملكة أقدمت على إنسحاب أحادي تفاعلا مع طلب الأمين العام للأمم المتحدة، لكن الطرف الآخر بقي متعتنا وممعنا في إقتراف الإستفزاز ضد بلادنا، وهذا بالذات ما يثير اليوم إستياء المغاربة وحنقهم.
وحيث أن ما يجري في الكركرات يعرف الكل أنه من صنع جنيرالات قصر المرادية في البلد الجار، وأن الجبهة الإنفصالية ليست سوى  أداة تنفذ الأوامر والسيناريوهات، فإن ذلك يضع الملف برمته ضمن دائرة حساسة، وذلك بالنظر لدقة ما تحياه الجزائر من مشاكل داخلية مهددة.
وحيث أن ممارسات قادة الانفصاليين تبرز كذلك رفضا ميدانيا وعمليا لطلب الأمين العام الأممي، فإن الأمر يحيل مباشرة على سؤال:”ما العمل؟”، أي كيف ستجبر الأمم المتحدة هؤلاء على إحترام وقف إطلاق النار والإلتزام بشروط الإتفاقات، وبالتالي الحرص على أمن المنطقة والإستقرار الإقليمي.
هذا السؤال بالفعل يطرحه اليوم المغاربة، وهم يتطلعون إلى الأمين العام الأممي الجديد كي يتدخل، وأن يوجه ضغط المجتمع الدولي نحو النظام العسكري الجزائري الذي هو من يدير ويرعى كل ممارسات الإنفصاليين، تماما كما سبق للأمم المتحدة أن فعلت تجاه المملكة في مراحل سابقة.
وفِي الإطار ذاته، يجب أن تبقى بلادنا، من جهتها، يقظة ومنتبهة لكل التطورات والمتغيرات مهما كانت صغيرة أو ثانوية، وتوثيق كل خروقات الطرف الآخر وإشهاد المنتظم الدولي عليها، والترافع القوي لدى الأمم المتحدة لترتيب المواقف والقرارات الضرورية، خصوصا على مستوى التقرير المرتقب تقديمه قريبا، أو ضمن التوجهات العامة ذات العلاقة بتعيين مبعوث أممي جديد للملف، أو على مستوى كامل منظومة العلاقة بين المملكة والأمم المتحدة بشأن هذا الملف.
في كل الأحوال، نحن ندرك أن عودة المغرب للإتحاد الإفريقي وما تحققه زيارات جلالة الملك من نجاحات ديبلوماسية وإقتصادية في عدد من دول القارة، قد أحدثا صدمة قوية وسط القيادة العسكرية الجزائرية، وتمثل استفزازات الكركرات إحدى تعبيرات هذه الصدمة.
ولكننا نعرف أيضا أن الخصم الحقيقي لبلادنا هو بالضبط هذه القيادة الشاردة، ومن ثم، فإن ما يحياه البلد الجار من أزمات داخلية والتباسات عديدة، يفرض تقوية إنتباهنا الديبلوماسي والسياسي والإستراتيجي والأمني والعسكري للتداعيات التي قد تحملها عقلية الجنون والتعنت والعقم المتفشية وسط الجينرالات إلى بلادنا، ومن الضروري إستحضار محورية الجبهة الوطنية الداخلية، والحاجة إلى تمتينها السياسي والمؤسساتي الداخلي، وإشعاع التواصل مع المكونات الحزبية والمدنية والإعلامية الوطنية، وأيضا تقوية الإستعداد الميداني لحماية الوحدة الترابية والسيادة الوطنية وأمن الحدود وسلامة المواطنات والمواطنين وإستقرار البلاد.
بقلم: محتات الرقاص 
مقالات ذات صلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.