الحسيمة: الأمر يتعلق بالمسألة الاجتماعية وبإعطاء القيمة للسياسة…

بقلم: محتات الرقاص

الإستنتاج المركزي من مختلف اللقاءات والجولات التي قام بها وفد وزاري حل بالحسيمة، وبغض النظر عن بعض المعجم الذي استعمل في الكلام أو في الترافع أو عبر تدوينات مواقع التواصل الإجتماعي، يبقى هو إستعجالية المسألة الإجتماعية ليس فقط في الريف، وإنما في كافة مناطق بلادنا.

في بدء الكلام وفِي خاتمته، لقد تحدث الناس عن الشغل والتعليم والصحة وواقع قطاع الصيد البحري بالمنطقة، وطالبوا بتحسين ظروف عيشهم وتطوير الخدمات الإدارية ومحاربة الريع والفساد وإقرار العدالة الإجتماعية ورفع العزلة والتهميش عن مناطق فقيرة ونائية…

أليس هذا بالضبط ما ينادي به المغاربة في مختلف أقاليم وجهات المملكة؟

لنترك الآن حدة التعبير عن المطالب وكلام الطيش واللا عقل وكل ما قد يلف الإحتجاجات الإجتماعية من مزايدات وإنزلاقات وإختراقات ومساعي إستغلال، ولنتأمل في شرعية المطالب وفيما بقي من حوارات الوفد الوزاري كإستنتاج وخلاصات.

وترتيبا على ما سبق، فما حدث في الحسيمة يجب إذن أن يتحول إلى حافز إيجابي وقوة دفع لجعل المسألة الإجتماعية وتحسين أوضاع شعبنا على رأس الأولويات الوطنية في المرحلة الراهنة، وذلك لكي لا يصير تفاعل السلطات العمومية ظرفيا ومحدودا في الحسيمة وحدها، ومن دون أي أفق وطني شمولي.

إن تحسين القدرة الشرائية للفئات الفقيرة والمتوسطة، تفادي إرتفاع أسعار المعيشة، إعطاء نفس جديد وقوي لميدان الشغل، الإنكباب على الواقع الصحي وتطوير الخدمات والبنيات والتغطية الصحية، الشروع العملي في إصلاح جذري وشمولي لقطاع التعليم والتكوين وإنقاذ المدرسة المغربية، دعم قطاع السكن والولوج إليه، محاربة الريع والفساد وترسيخ دولة القانون في المجال الإداري والسياسي، وأيضا في المجال الإقتصادي…، كل هذا يعتبر اليوم في عمق إنشغالات شعبنا ومن أهم التحديات الإجتماعية المطروحة على بلادنا، ومن ثم يجب الإنكباب عليه بكامل الجدية والإستعجال والشمولية.

ليس المهم، على هذا الصعيد، تكرار حسن النوايا أو عرض خطابات ووعود جميلة ووردية، ولكن يجب أن يحس الناس بالتغيير في أقرب وقت، وأن يلمسوا الأثر العملي المباشر في حياتهم اليومية ومن خلال واقع عيشهم.

وبهذه الطريقة وحدها يمكن أن يستعيد شعبنا ثقته في المستقبل وإقباله على الحياة في بلده بتفاؤل، وأن تمتلك البلاد أسس إستقرارها المجتمعي العام، ومقومات تعبئتها الوطنية الداخلية.

إن تنامي المشاكل الإجتماعية التي يعاني منها شعبنا وإنسداد الآفاق لدى فئات عديدة، وخصوصا الشباب، هو ما يفسر الإحتجاجات الإجتماعية هنا وهناك، ومن ثم فالإنكباب على معالجة هذه الأوضاع وتقديم بدائل عملية وحلول حقيقية وملموسة في المدى المنظور هو الطريق لتأمين إستقرار الجبهة الوطنية الداخلية ومتانتها، وقطعا لا يوجد الحل في المقاربة الأمنية وحدها، ذلك أن الملفات التنموية والإجتماعية، وحتى الديموقراطية والسياسية، تحل اليوم عبر التدبير والإنجاز العملي والحوار، وأيضا من خلال عمل ملموس على الأرض لفائدة الناس، مع إنخراط أقوى لمنتخبين وأحزاب تمتلك المصداقية والقرار المستقل والتجربة والقدرة على التأطير.

اذن، الأمر يقتضي تغيير إتجاه، وإعتماد عقلية ومقاربة أخرى، كما أن البلاد اليوم تتطلب تجديد السير على طريق إنجاح الإصلاحات الإقتصادية والإجتماعية الإستراتيجية، وربح رهان تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد والريع، وتمتين دولة القانون والمؤسسات، وإعادة الإعتبار للسياسة، وصيانة التعددية الحقيقية في المجتمع.

البلاد في حاجة إلى نفس ديموقراطي أقوى وأكثر إرادية وشجاعة، وبالتالي إلى إرساء نوع من الهدوء العام على مستوى معالجة عدد من الملفات الإجتماعية والحقوقية والديموقراطية، والإنكباب على معالجة كل معضلات البلاد عبر مقاربة سياسية ممتلكة لبعد النظر وللنفس الديموقراطي، وتمسك بنجاعة الفعل والإنجاز، ولا تغفل أهمية عامل الوقت، وضرورة  الحوار والأسلوب التشاركي الحقيقي.

كل ما يجري حوالينا يمنحنا كل يوم دليلا جديدا على أنه من الضروري جدا إعطاء القيمة ل… السياسة !!!

مقالات ذات صلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.