زيارة كوهلر

برغم كون جولة هورست كوهلر، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة المكلف بملف الصحراء، كانت الأولى، ومن ثم كان هدفها الإلمام بمعطيات مواقف الأطراف، والإستعداد لإنطلاق مهمة الموفد الجديد، فهي لم تكن بلا أي أهمية، ولم تخل من إشارات.
المعطى الأول هو أن هذه الجولة أعادت إلى الواجهة الحديث عن قضيتنا الوطنية الأولى، ولفتت إلى حاجتنا كلنا لتجديد مكانتها المركزية ضمن إنشغالاتنا الوطنية، وأيضا تجديد يقظتنا وتعبئتنا كلنا للدفاع عن مشروعية وعدالة موقف بلادنا.
إن تبدل السياقات اليوم على الصعيد العالمي، وأيضا ما تشهده المنطقة من تعقيدات وتحديات، بالإضافة إلى الرهانات المترتبة عن الموقع الجديد لبلادنا في إفريقيا بالخصوص، كل ذلك يفرض اليوم تشديد إصرارنا على مواصلة هجومية أدائنا الديبلوماسي وإلتقائيته وشموليته، كما يفرض الإصرار نفسه على سقف موقفنا الوطني العام المرتكز أساسا إلى احترام الوحدة الترابية والسيادة الوطنية والحل السياسي المتوافق عليه.
من جهة ثانية، لقد حضي هورست كوهلر في بلادنا بإستقبال جلالة الملك، كما أجرى مباحثات مع رئيس الديبلوماسية المغربية، وإلتقى مسؤولين آخرين، وفِي كل ذلك إستمع إلى الموقف الوطني المغربي الواضح والواحد من هذا النزاع المفتعل حول مغربية أقاليمنا الجنوبية، ومن اُسلوب حله بشكل عادل وجدي وواقعي، ومن المؤكد أن مبعوث أنطونيو غوتيريس تبين له، عقب كل هذه اللقاءات، وخصوصا بعد أن زار تيندوف، الفرق الكبير جدا بين الإطار المؤسساتي الواضح والجدي حيث جرت مباحثاته في الرباط، والأجواء التجييشية والمتشنجة التي رافقت وصوله لدى الطرف الآخر، والضغوط الجزائرية التي كانت واضحة للجميع في كل تفاصيل محطة تيندوف.
واذا أضفنا هذا إلى ما صار متبلورا كقناعات لدى عديد من القوى الإقليمية والدولية بخصوص الدور الجزائري في إدامة هذا التوتر المفتعل، وجمود موقف خصوم المغرب، فإن المجتمع الدولي مدعو اليوم لوضع حد لكامل هذا العبث، والمساهمة في تثبيت الإستقرار والأمن في المنطقة، ومن ثم تيسير إنجاح مسارات التنمية والتعاون والتقدم بين شعوبها.
ضمن هذا الأفق العام إذن، وإنطلاقا كذلك من المقترح المغربي الممتلك لشروط الجدية والواقعية، يمكن للمبعوث الأممي الجديد صياغة أرضية شجاعة لإنتاج الحل.
الجبهة الانفصالية أبانت بمناسبة زيارة كوهلر عن هلع وإرتباك كبيرين، وذلك بالنظر إلى ما جرى وضعه من عراقيل وتشدد أمني أمام الساكنة خوفا من إحتجاجها أمام المبعوث الأممي، فضلا عن أساليب التجييش والبروباغاندا والحضور القوي للأجهزة الأمنية الجزائرية، واذا أضفنا الى كل هذا ما حدث لهم كذلك في مهرجان الشباب بروسيا، والسلوكات الرعناء التي يقدم عليها بين الفينة والأخرى بعض ممثليهم في الأقاليم الجنوبية بغية إثارة الإنتباه وشحذ الدعم والدعاية، فإن كل هذا يلتقي في إعتبار الطرف الآخر يتواجد في مأزق وجودي يجعله عاجزا عن بلورة أي موقف أو إقتراح لتقديم الأمور إلى الأمام، وهذا كذلك يفرض أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته.
بلادنا، من جهتها، مدعوة للإستمرار في موقفها، سواء ديبلوماسيا وسياسيا في العلاقة مع الأمم المتحدة، أو من خلال مواصلة برامج التنمية في الأقاليم الجنوبية وتطوير العرض التنموي والديموقراطي والمؤسساتي على أرض الواقع وبمساهمة فاعلة للساكنة وممثليها وفعالياتها، أو من خلال تمتين حضور إعلامي ومجتمعي وديبلوماسي وسياسي ومدني للدفاع عن الموقف الوطني المغربي في مختلف المحافل والمنتديات.
مقالات ذات صلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.