تدخل عبد اللطيف أعمو باسم مستشاري حزب التقدم والاشتراكية في مناقشة الحصيلة المرحلية للحكومة

أكيد أن مناسبة تقديم الحصيلة المرحلية تعد محطة دستورية تسمح بتعزيز التواصل مع مؤسسة البرلمان وإطلاع الرأي العام على حصيلة منتصف الولاية الحكومية، وتمكن البرلمان والشعب من مراقبة مدى تنفيذ الحكومة لبرامجها.

أكيد أنه لا يمكن مناقشة حصيلة الحكومة بإنصاف دون استحضار السياق السياسي ومسار تشكيل الحكومة وظروف اشتغالها، نظرا لهدر الزمن السياسي وحرمان البلد من فرص تنموية، بحكم أن مدة اشتغالها الفعلية تقل عن نصف الولاية .

ومن الضروري أن نكون إيجابيين ومنصفين بالاعتراف بما تحقق فعليا والتأكيد على بعض النجاحات، حتى لا نبالغ في التفاؤل المفرط ولا نسقط في التشاؤم المحبط.

هنا لا بد أن نحيي فيكم روح الصمود والصبر والشجاعة، وأنتم تقودون سفينة في وسط محيط هائج، وفي أجواء متقلبة لتأخذوا بزمام حكومة سداسية الأحزاب، لا تخفي طابع النفور بين مكوناتها، ولديها رغبة جامحة لاستثمار الفرص وتحينها للإيقاع ببعضها البعض، أمام معارضة هي الأخرى لا تحمل بديلا مقنعا قابلا لسد الفراغ.

إن مستوى أداء المسؤولية العمومية لحكومتكم لا يمكن نكرانه، فهي تواصل الاجتهاد في تحقيق أهدافها على أكثر من صعيد، من قبيل الرفع من ميزانيات القطاعات الاجتماعية وخاصة في التعليم والصحة، والرفع من الاعتمادات المخصصة للاستثمار العمومي، وبلورة مخطط التصنيع وجعل الصناعة إحدى المرتكزات الأساسية للإقتصاد الوطني، واستكمال مراسيم  تنزيل الجهوية، بجانب انطلاق العمل بميثاق للآتمركز الإداري، ومواصلة تغطية التراب الوطني بوثائق التعمير وتشجيع السكن الاجتماعي بالوسط القروي، واعتماد المخطط الوطني للصحة 2025، والذي ما زال في حاجة إلى مجهود كبير ليحقق أهدافه  وتنزيل النموذج الطاقي المغربي، وتهيئ الأجواء لإصلاح النظام التربوي، ووضع التعليم الأولي نصب أعينكم خلال المدة المتبقية من الولاية، … إلى غير ذلك من الإصلاحات والتدابير الايجابية الواردة في حصيلتكم.

كما نحيي بالمناسبة تماسك الإجماع لدى مختلف الهيئات السياسية والنقابية حول قضية وحدتنا الترابية، التي نعتبرها في حزب التقدم والاشتراكية رابطا قويا لمناعة الجبهة الداخلية، بجانب ربح الرهانات الاجتماعية والاقتصادية وإرساء ثوابت الأمة.

وفي  نفس الوقت نسجل من خلال الحصيلة المرحلية للحكومة أن الإطار الذي تنفذ فيه السياسات العمومية غير متوازن وغير متكافئ، بحكم التأثيرات الواضحة للتوجهات الليبرالية الجديدة، التي يبدو أنها سائرة في التغلغل والتغول على حساب عزل السياسة الاجتماعية للحكومة. والمظهر البارز لهذا التأثير هو تزايد الفقر وتركيز الغنى والثروة في يد ثلة من المحظوظين، ويرافق ذلك إضعاف دور الدولة في التحكم في المسار التنموي.

كما أن توجهات السياسات القطاعية العمومية المصاغة على المستوى المركزي ما زالت مهمشة للقرار الترابي الجهوي والإقليمي والمحلي، مما لا يسمح ببلورة رؤية موحدة للمجال الترابي.

وقد ترتب عن هذا الوضع محدودية التدابير الناجعة في تنفيذ السياسات العمومية، وفي إنتاج الخدمة العمومية لصالح المواطن في القطاعات الحيوية (التعليم – الصحة – العدل – الشغل –….).  وهي عناصر تؤثر سلبا على نمو المؤشرات التنموية للبلاد، وتشكل عرقلة كبيرة في مسارها نحو الإقلاع.

كما نسجل بطء الإصلاحات الكبرى وهو لا يخدم مسار التفعيل الحقيقي للدستور، ولا يقدم رؤية واضحة حول الأداء الحكومي.

مما يتعين معه خلق دينامية لنمو الرأسمال المنتج والخلاق، والتوجه بشكل مباشر إلى تفكيك منظومة اقتصاد الريع ، حتى يتم تعبيد الطريق الحقيقي لاقتصاد مندمج، على الشكل الذي يتلاءم فيه مع مطالب التنمية الحقيقية التي تستهدف تحقيق العدالة الاجتماعية على أساس يضمن تكافؤ الفرص والمنافسة والابتكار.

ومن هذا المنطلق، نعتبر أن حصيلة الولاية المرحلية يمكن أن تكون منطلقا جادا لتحقيق الالتزامات الكبرى للحكومة، إذا تمت ترجمة تنامي الموارد العمومية جراء التحسن التدريجي في حكامة المالية العمومية إلى إنتاج استثمار عمومي ناجع ومؤثر.

ومن أهم المآخذات التي تظهر لنا أن إنعاش الاقتصاد الوطني صعب في غياب تعريف دقيق للنموذج التنموي، أي بعبارة أخرى الجواب الصريح عن سؤال: أي مغرب نريد؟

مغرب يطمح إلى تأسيس اقتصاد ناجع ومندمج، يقوي استقراره ويضمن إشراك جميع الفاعلين في صنع القرار ويصحح التفاوتات الغير العادلة من خلال وضع ميكانزمات لضمان إعادة التوزيع العادل للثروة. هذه الميكانيزمات يبدو أنها غائبة في حصيلتكم المرحلية .

وهذا ما جعل البرنامج الحكومي الذي نال ثقة البرلمان في منطلق الولاية يبدو وكأنه مضطرب ومتدبدب خلال هذه المرحلة، بسبب تصاعد الطلب الاجتماعي وتعاظم انتظارات المواطنات والمواطنين وحالة القلق السائد في أوساط مجتمعية متعددة.

وهو ما يتطلب تعزيز القدرة على تنفيذ التزامات الحكومة تجاه المتعاملين مع مؤسساتها، من قبيل معالجة آجال أداء الديون المستحقة واحترام القوانين، ونقل الاعتمادات بسلاسة وسرعة وتجنب كثرة المساطر الإدارية غير المجدية والفاقدة للفعالية.

وهذا لن يتأتى في ظل استمرار التأخر في إصدار المراسيم التطبيقية وضعف الأداء الاجتماعي وهيمنة اقتصاد الريع وانعدام العدل الضريبي واستمرار ضعف الحكامة والخلل في الموارد البشرية، وضعف القدرة والشجاعة في مواجهة مجموعات الضغط في المجالات الحيوية وذات حساسية مرتفعة، كقطاعي الفلاحة والطاقة.

كل هذه المظاهر أدت وتؤدي إلى ضعف الثقة في المؤسسات وتعمق التفاوتات الاجتماعية والمجالية.

وهو ما يتطلب مزيدا من الحرص على تثمين رصيد المجهودات المبذولة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وربطها بمقاربة سياسية مؤثرة ومعبرة وقادرة على استرداد الثقة في الجهد المؤسساتي الذي تبذله الحكومة وفي العمل السياسي المؤطر والمواكب له، مع ما يتطلبه ذلك من تعزيز الحريات الفردية والجماعية وطي عدد من الملفات المؤثرة سلبا، لما تقتضيه المرحلة من تصفية للأجواء العامة، وتجنب التفريط في المكتسبات وتفادي التراجعات في الحقل الحقوقي والعمل على تعزيز منظومة الحريات وتقويتها. وهو ما لن يتأتى إلا بتقوية سياسة الحوار الاجتماعي والحقوقي والسياسي والعمل على إطلاق سراح معتقلي الرأي والصحافة والاحتجاج السلمي.

كما يتطلب الأمر الرفع من وتيرة العمل الحكومي لمواجهة كل النقائص التي ما زالت تغطي على المنجزات وتؤثر على أدائها العام، من قبيل إصلاح المالية العمومية في اتجاه التحكم الأمثل والناجع في المديونية، وضبط الإنفاق العمومي وتوجيهه، وتجاوز العجز في وضع مخطط حقيقي للتشغيل، ورفع تحدي مقاومة الفساد الذي ما زال مهيمنا ومقلقا، وتوخي الحذر في مواصلة تخلي الدولة عن مواقعها في مجال التحكم في الأسعار، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. وهو ما يهدد الاستقرار ويقوض الحس الاجتماعي للحكومة.

فالحكومة اليوم في منتصف الطريق، وعليها أن تحول الإنجازات التي حققتها إلى مكتسبات قائمة وملموسة، وعليها واجب ترجمة التراكمات الإيجابية الذي حققتها بلادنا في شتى المجالات، إلى قوة اقتصادية متينة، في ظل تنمية اجتماعية عادلة وشاملة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.