مداخلة جمال بنشقرون كريمي أثناء المناقشة العامة لمشروع القانون التنظيمي رقم 26.16

باسم المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس النواب أثناء المناقشة العامة لمشروع القانون التنظيمي رقم 26.16 يتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، ومشروع القانون التنظيمي رقم 04.16 يتعلق بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية.

المصادق عليهما خلال الجلسة التشريعية العامة المنعقدة بمجلس النواب يوم الاثنين 10 يونيو 2019.

حزب التقدم والاشتراكية، من السباقين إلى رفع لواء الانتصار وإنصاف الأمازيغية، بتبويئها المكانة اللائقة بها، كمكون أساسي من مكونات الهوية الثقافية المغربية.

السيد الرئيس المحترم؛

السيدين الوزير ين المحترمين؛

السيدات والسادة النواب المحترمين؛

يشرفني أن أتناول الكلمة باسم المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية، في إطار مناقشة مشروعي القانونيين التنظيميين المتعلقين بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، وبالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وهما المشروعان اللذان نعتبرهما تأسيسيان لمرحلة جديدة في تعزيز الهوية الوطنية.

كما نعتبر في المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية، هذه اللحظة، باللحظة التاريخية السياسية بامتياز، ونحن بمصادقتنا اليوم على إدماج الأمازيغية في الحياة العامة بعدما تم ترسيمها دستوريا في دستور 2011، والعمل من الآن على أجرأتها من الآن على أرض الواقع، ولطالما عبرنا في المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية، أن يبقى هذا الموضوع، بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة في أي أفق، حتى لا يبقى ترسيم الأمازيغية، حبيس الفصل 5 من دستور مملكتنا.

 قد نتفق جميعا، بأن هناك نوعا من التأخير في بلورة المضامين المتقدمة للدستور، لأسباب موضوعية وذاتية، والمسألة لا تهم فقط أجرأة ترسيم الأمازيغية، وإنما إرساء هياكل المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، كمؤسسة دستورية موكول لها مهمة حماية وتنمية اللغتين العربية والأمازيغية، وكذا مختلف التعبيرات الثقافية المغربية. والأهم أيضا هو أن الحكومة معنا اليوم للمناقشة والمصادقة على هذين المشروعين التنظيميين الهامين، وهي مناسبة لابد أن نحيي من خلالها القطاع الحكومي الوصي على تفاعله الإيجابي، وتجاوبه مع جميع الفرق والمجموعة النيابية من خلال مراحل مسار إقرار هذين المشروعين، باعتبارهما يتبوآن مكانتهما ضمن الأولويات الوطنية، سواء من طرف الحكومة أو من طرف مجلسنا الموقر، وجب علينا جميعا السير بهما جميعا نحو البلورة والتفعيل.

وإذ وجب الانتباه، إلى أن هذين القانونين، هما من القوانين المؤسسة، وبالتالي فإن إخراجهما إلى حيز التطبيق بشكل سليم يجب ألا يكون شأنا حكوميا صرفا، حيث أن الأمر يهم الجميع، مما يستتبع، بالضرورة، تعبئة كافة فعاليات المجتمع المعنية، السياسية منها وغير السياسية، وذلك لأجل بلورة حقيقية المضامين الدستورية لهاذين المشروعين لأنهما بمثابة مشروعين وطنيين في جوهرهما.

السيد الرئيس المحترم؛

السيد الوزير المحترم،

لا يمكن لأي مراقب موضوعي ونزيه اليوم، إلا أن يسجل بأن الأمازيغية قد قطعت أشواطا مهمة على درب التحضير التدريجي لأجرأة المقتضى الدستوري بترسيمها اليوم، فهي صارت تأخذ مكانها تدريجيا في الفضاءات العامة، من خلال، وعلى سبيل المثال، الهويات البصرية التي يتزايد انتشارها، خاصة بواجهات المؤسسات الرسمية، ووثائق وأدبيات الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات، وكذا بعض الأوراق الرسمية، والشهادات التعليمية، ونخص بالذكر شهادة البكالوريا ،وأصبحنا فعلا اليوم، ، أمام انفتاح قوي على اعتماد  تطبيقي لحرف” تيفيناغ”  بشكل واسع على مستوى الشكل ، لنعقد  العزم والأمل اليوم ، ومن الآن على الجوهر  والمضمون  .

وقد اعتبرنا في المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية، أنه من الطبيعي اليوم، اعتماد “حرف تيفيناغ” هنا وهناك، قراءة وكتابة، بالنظر الى التراكمات الحاصلة والعمل المهم الذي أنجز، وساهمت فيه جميع مكونات الحركة الأمازيغية منذ ما يزيد عن 18 سنة، من خلال الدور المركزي والمحوري الهام للمعهد الملكي للثقافة الامازيغية وهذا في حد ذاته مكسب بالغ الأهمية.

وإن حزب التقدم والاشتراكية، لكان من السباقين إلى رفع لواء الانتصار وإنصاف الأمازيغية، بتبويئها المكانة اللائقة بها، كمكون أساسي من مكونات الهوية الثقافية المغربية. داعيا الى دسترتها منذ عقود، قولا وممارسة من خلال أدبيات حزبنا منذ الحزب الشيوعي المغربي وإلى اليوم، على يد الرواد والمناضلين الكبار من أمثال المناضل الرفيق علي يعته رحمة الله عليه، مؤسس الحزب وأمينه العام السابق، إلى جانب خيرة قادة الحزب ومفكريه

وهذا الاعتناء المبكر لحزبنا، يعود إلى مرجعيته الفكرية والإيديولوجية، المحددة لممارساته في الميدان السياسي والحقل الثقافي، التي تأخذ بعين الاعتبار دور الأفكار في التقدم، والعوامل غير الاقتصادية في التنمية، كما يرجع ذلك إلى الرغبة في النهوض بالجوانب الثقافية للهوية الوطنية متعددة الروافد، والاهتمام بالقضايا الثقافية واللغوية لبلادنا.

وهنا نشير كمجموعة نيابية بتقدمنا بمقترح قانون يسمح ويرسم تسجيل المواليد الجدد بالأسماء الأمازيغية في سجلات الحالة المدنية، وهو من بين تقديراتنا السياسية الهامة لبلوغ ترسيم اللغة الامازيغية والثقافة الامازيغية.

لأن قناعتنا تأتي من كوننا نريد أن نجعل الأمازيغية، ضمن مقاربة متكاملة لحقوق الإنسان، تشمل الحقوق الثقافية واللغوية والموقع الرئيسي للأمازيغية في الهوية الوطنية المتعددة الروافد، ويجب التعامل معها من منطق هاجس حماية التعدد اللغوي في بلادنا وغناه الذي نحسد عليه.

وبالمناسبة كذلك، لا بد من تحية حكومة الأستاذ إدريس جطو، التي عملت على إرساء قواعد التأسيس للإعلام السمعي البصري الناطق بالأمازيغية، والتي راهنت على الحضور أولا، والجودة ثانيا، وهو ما تم تتويجه لاحقا بانطلاق القناة الأمازيغية، وإطلاق البوابة الأمازيغية ضمن الخدمات الإعلامية التي تقدمها وكالة المغرب العربي للأنباء.

 لكن ورغم هذه المجهودات المبذولة، لا تزال ثقافتنا تعاني من قلة الاهتمام بموروثنا الحضاري والتاريخي بجوانبها المختلفة. ولعل إحدى الأمثلة الشاهدة على ذلك، وضعية الثقافة الأمازيغية، كما سبق وقلت، كان حزبنا من التنظيمات السياسية الأولى التي دعت إلى العناية بالثقافة الأمازيغية، باعتبارها ووصفها رافدا أساسيا لتراثنا الحضاري ومن المقومات الأساسية المميزة للشخصية المغربية.

وبالرغم من خطوة بلادنا الهامة، هاته ، بإقرار ضرورة تلقين اللغة الأمازيغية بالمعاهد والمدارس، فإن هذه المبادرة يجب أن تعزز بخطوات فعلية ملموسة وفق برنامج شمولي وواقعي، تساهم في إنجازه كل الفعاليات الحية، استجابة لمطالب شرائح واسعة من شعبنا، حتى تتبوأ هذه الثقافة المكانة اللائقة بها ضمن وحدتنا الثقافية الغنية بتنوعها، ونحن في أمس الحاجة اليوم إلى التسريع بإجراءات وخطوات عملية تمكننا من تملك اللغة الامازيغية وإتقانها منذ السنوات الأولى من التعليم الأولي، والابتدائي ، إلى الاعدادي، والثانوي، والتعليم العالي .

فإذا كانت العربية هي اللغة الوطنية الرسمية، وهي لغة الوحدة والتحام أبناء الشعب، فينبغي الاعتراف بأصالة اللغة الأمازيغية، واعتبار الثقافة الأمازيغية مصدر ثراء وغنى للثقافة المغربية، وهي جزء لا يتجزأ من تاريخ المغرب وحضارته العريقة.

ومسؤولية الاهتمام بالثقافة الأمازيغية وحمايتها من التلف، هي مسؤولية ومهمة وطنية، تستدعي تطويرها بتأسيس معاهد للدراسات والأبحاث الأمازيغية، وإحداث مسالك دراسية، ورعاية الفنانين، والفن والشعراء، وكل مكونات هذا التراث الفني المتنوع، في إطار ذي بعد ثقافي خلاق، لا في إطار فولكلوري كما يحدث اليوم، للأسف الشديد.

ونسجل بأن هناك تناميا مستمر ومسترسل للنقاش الوطني حول القضية الأمازيغية، إلى درجة أننا سقطنا أحيانا في بعض المنزلقات التي لن تفيد في نهاية المطاف ثقافتنا الوطنية، وهو ما نود إثارة الانتباه إليه، من مغبة الانحراف لخلق ظاهرة “أصولية” جديدة متسمة بالتحجر والتطرف والطروحات السطحية العمياء.

السيد الرئيس المحترم؛

إن المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية، لتعتبر أن ترسيم وترصيد اللغة الأمازيغية اليوم، لهو في الطريق الصحيح ويستلزم المزيد من الهدوء و والتعقل والعقلنة، والانتقال إلى التفكير الجدي في ورش التنزيل وأهمية التمويل اللازم، الذي تقتضيه البلورة والأجرأة السليمة للأمازيغية في مناحي الحياة العامة، وكذا توفير جميع شروط النجاح للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، باعتباره مؤسسة دستورية موحدة،أحدثت لغرض تفعيل سياسة الدولة في المجال اللغوي والثقافي، والارتقاء باللغتين العربية والامازيغية، والانفتاح القوي على كافة اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم، وهو موقفنا اليوم ، المؤسس على أننا اليوم بمكسبنا هذا ، تصويتنا على هذين النصين، ننتظر  أن نفعل على أرض الوجود ، وأن نصوت أيضا على القانون المؤطر لمنظومة التربية والتعليم، على اعتبار علاقتهما بعضهم بالبعض ،وليضطلع هذا المجلس بدوره كاملا في حماية اللغات ومختلف التعبيرات الثقافية ببلادنا وكذا الانفتاح القوي على مختلف اللغات عبر  العلوم  وعبر التكوين اللازم . ولسنا اليوم في حاجة الى المزيد من المزايدات حول الضرورة اللغوية، والمسألة اللغوية في بلادنا، وحاجة أبناء وبنات شعبنا الى تعليم قوي، تعليم مميز، يرفع من شأن بلادنا ويقويها على كافة الأصعدة وفي كافة المجالات. أن ينمي الاقتصاد الوطني، ويجعلنا جميعا نبحث عن نموذج تنموي جديد، قوي فعلا بإرادة جميع الفرقاء السياسيين، ببرلمان قوي، وبحكومة فاعلة، وأغلبية برلمانية منسجمة تدفع عجلة التنمية نحو الأمام وتصالح الشعب مع السياسة، وتعطي الأمل للناشئة لشبابنا وشباتنا في كل ما نصبو اليه من خير لهذا الوطن الحبيب.

ولهذه الأسباب كلها، فإن المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية، تصوت بالإيجاب، وتقوم وقفة رجل وامرأة واحدة مع الجميع من أجل أن نصل إلى تفعيل وتنزيل قوي لمضامين هذين النصين التنظيميين، على أرض الواقع، وان نبلغ فعلا المسار النضالي الذي قطعناه جميعا مع الحركة الأمازيغية، ومع مختلف المدافعين عن هذه الثقافة واللغة الامازيغية، منذ عقود وتاريخ ليس ببعيد.

والسلام عليكم ورحمة الله وتعالى وبركاته .

مقالات ذات صلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.