جمال كريمي بنشقرون : لا ديمقراطية ولا تنمية دون تعليم في المستوى، والتعليم والتكوين وسيلة لتحقيق النموذج التنموي المنشود

في مداخلة باسم المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس، المناقشة العامة لمشروع قانون الإطار رقم 17 .51 يتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.

مشروع القانون صوتت عليه المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية إيجابا، وصودق عليه بالأغلبية.

الجلسة التشريعية العامة المنعقدة بمجلس النواب يوم الاثنين 22 يوليوز 2019 للدراسة والتصويت على النصوص الجاهزة.

السيد الرئيس المحترم؛

السيدة والسادة الوزراء الوزير المحترمين؛

السيدات والسادة النواب المحترمون؛

يطيب لي أن أساهم باسم المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية، في المناقشة العـامة لمــشروع قانون- الإطار رقم 17 .51 ، هذا المشروع الذي يتعلق بإصلاح منظومة التربية والتعليم ببلادنا والارتقاء بالبحث العلمي ، الذي نعتبره مشروعا بالغ الأهمية في بلادنا، اعتبارا للمكانة التي نخصصها لقضية التربية والتعليم، والتي جسدت وتجسد بالنسبة لنا في التقدم والاشتراكية أولى الأولويات من أجل بلوغ الإصلاح الحقيقي والعميق الذي تتطلع إليه مختلف الفئات الاجتماعية بوطننا السعيد،بهذا الورش المجتمعي المهيكل باعتماد مقاربة شمولية تستوعب مختلف الجوانب والأبعاد المتعلقة به.

إننا اليوم أمام رهان كبير وتحد قوي سيمكننا جميعا من تجاوز الأزمة، والخروج من دوامة الإصلاح ، ودوامة اصلاح الإصلاح التي تخبطت فيها بلادنا منذ البدايات الأولى لسنوات الاستقلال،إصلاح يركز بالضرورة على إعادة الاعتبار من جديد للمدرسة العمومية وإرساء دعاماتها عبر تعليمٍ متوازن، مجاني، جَيِّد ودامج لجميع الفئات الاجتماعية، وبلوغ التلاقح الاجتماعي والاندماج الطبقي المنشود الذي فقدناه بفعل سياسات عمومية غير مجدية، نتيجتها تكديس بنات وأبناء الطبقات الاجتماعية الفقيرة والهشة في مدارس عمومية تفتقر لمقومات الحياة التعليمية السليمة، في مقابل تمتيع المحظوظين اقتصاديا واجتماعيا من فرص تعليمية بديلة عبر قطاع خاص، نجده

وللأسف الشديد غير مواطن ، ولابد من مراجعة شاملة له على كل المستويات، قطاع خاص بات يستنزف جيوب الآباء والأمهات، فأصبحنا أمام قطاع تجاري مفتوح لتبضيع وتسليع التعليم للأسف الشديد، دون أن نعي تماما خطورة تكريس هذه الطبقية التعليمية التي ناهضناها كيسار تقدمي حداثي منذ انبثاقها، والتي أفرزت للأسف الشديد تفككا وانحلالا اجتماعيا أدى إلى توسيع بناء السجون وخلق سجون جديدة، دون معالجة قوية لأصل الداء.

إن الإصلاح الحقيقي هو الذي سيــبـنى على مدخــــلات قــــــوية ويفرز مخرجات تلامس مختلف الفئات الاجتماعية، مرتكز على مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والجودة وعدم التمييز، عبر تعليم متشبع بالفكر الديمقراطي والحداثي والتنويري، مع الاستثمار الأمثل والناجع لمقومات الهوية الوطنية المتعددة والمتنوعة والانفتاح على الحضارات الكونية، وكذا مراجعة البرامج والمناهج والاعتناء بأوضاع المؤسسة التعليمية ووضعية الموارد البشرية، واستثمار كل الإمكانيات والفرص المتاحة بذكاء ويقظة من أجل تحقيق التعبئة المجتمعية الشاملة. التعبئة الشاملة لجميع الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين وعلى رأسهم جمعيات أمهات وأباء وأولياء التلاميذ والتلميذات وتبويئها المكانة التي تستحقها من أجل تحقيق الانخراط الفعلي والفعال للجميع، في ديناميات الإصلاح، لمواكبة الأوراش الإصلاحية الكبرى التي تعرفها بلادنا.

السيد الرئيس المحترم؛

إننا أمام لحظة حاسمة ومفصلية في تاريخ بلادنا من أجل إرساء دعائم هذا الإصلاح الهيكلي الطموح عبر هذا القانون الإطار الذي نثمن كافة مضامينه، لإعادة الثقة من جديد، وتضمين الجدية اللازمة في المدرسة العمومية المغربية. ومن هذا المنطلق فقد تعامل حزبنا وما يزال ومن داخل المؤسسات كقوة اقتراحية بجدية، من أجل صناعة العقل البشري.

أيتها السيدات، أيها السادة، صناعة العقل البشري هي التي ستؤهلنا لكي نخطو بخطوات بثبات، الى التنمية المنشودة على كافة الأصعدة، إلى خلق فعل اقتصادي تنموي يقاوم مظاهر الفقر والتخلف والأمية وينهض بمجتمعنا ويطوره على كافة الأصعدة وفي مختلف المجالات، وهذا ما يؤكد جدية ومصداقية اسهامنا في التقدم والاشتراكية وتفاعلنا الناجع مع انشغالات وقضايا المواطنات والمواطنين بالانغراس العميق في تربة المجتمع المغربي الذي ننتمي إليه ونتشرف بحمل همومه وانشغالاته.

السيد الرئيس المحترم؛

نثمن في المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية الإرادة القوية الجماعية لإصلاح التعليم، التي انبت على مقتضى الفصلين 5 و31 …من دستور 2011 ، دستور مملكتنا المتقدم هذا ،والتي جسدتها الخطب الملكية السامية، والرؤية الاستراتيجية 2015 -2030 لإصلاح منظومة التربية والتكوين، التي أقرها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، ودعا إلى تحويلها الى اختيارات كبرى تجسدت في القانون – الاطار الذي نعتبره اليوم ، تجسيد لتعاقد وطني ملزم وسيلتزم به الجميع، عبر إرساء مبادئ و توجهات وأهداف أساسية لسياسة الدولة واختياراتها الاستراتيجية في هذه المنظومة التعليمية الأساسية وآليات تحقيقها على أرض الواقع.

ومن هذا المنطلق وارتباطا بمرجعتينا الفكرية وهويتنا والتزاماتنا المبدئية، وبناء على تحليل عميق لواقع المنظومة، تفاعلنا إيجابيا مع هذا المشروع، ونجدد انخراطنا فيه، لتمكين بلادنا من إطار قانوني. فالحاجة ماسة للإصلاح، ولا يمكن أن ينجح أي مشروع تنموي دون إصلاح حقيقي للتعليم، فلا ديمقراطية، ولا تنمية دون تعليم في المستوى، حيث يعتبر وسيلة أساسية ومركزية لتحقيق النموذج التنموي المنشود.

لهذا فإننا نضع هذا المشروع في صلب النموذج التنموي البديل الذي نقترحه نموذج يضع الإنسان في قلب العملية التنموية عبر الاستثمار في التربية والتكوين، نموذج يمتلك الإقدام والجرأة في التعاطي مع الملفات الحارقة بشجاعة عبر الانخراط الجماعي لبناء الوطن على أسس جديدة تعيد الشعور بالثقة والانتماء والكرامة.

السيد الرئيس؛

لقد ساهمنا بحس وطني عال في مختلف مراحل النقاش الذي هم هذا المشروع منذ البداية، وأكدنا في جميع محطاته على أنه مهم للغاية وسيجيب عن الواقع المتأزم وسيعالج أعطاب منظومتنا التربوية التعليمية، و قلنا إنه لا يمكن اختزال الإصلاح في مسألتي التمويل ولغة التدريس على الرغم من هذا كله .

فبخصوص مسألة التمويل يؤمن حزبنا بالدور المحوري للدولة وبِمَرْكَزِيَةِ تحقيق الاندماج الاجتماعي، فالتعليم شأن للدولة وهي التي عليها أن تتحمل مسؤوليتها كاملة فيه. ضد أي ضرب لمبدإ مجانية التعليم، الضامن للارتقاء الاجتماعي لبنات وأبناء الطبقات الاجتماعية. ولهذا أكدنا مرارا أنه لا تنازل عن المجانية، حيث نعتبر الاستثمار في التربية والتكوين يؤدي تلقائيا إلى تحسين مستوى تنافسية الاقتصاد الوطني، على خلاف ما ذهب إليه مخطط التقويم الهيكلي المشؤوم، وبعض المحاولات التي تسعى إلى تسليع التعليم.

فتمويل التعليم يتطلب تعبئة شاملة لكل الفاعلين من الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص من أجل تمويل متعدد الروافد كركيزة أساسية للإصلاح، عبر فتح الباب أمام فعل تشاركي تطوعي مسهم لتوفير الإمكانيات اللازمة لمدرسة مؤهلة في مستوى التطلعات، وهي دعوة صادقة لانفتاح المدرسة العمومية على محيطها الاجتماعي والاقتصادي لبلورة فعل ثقافي جماعي مجتمعي إرادي يمكن أبناء الفقراء كما أبناء الأغنياء من الارتقاء الاجتماعي وتغيير الأوضاع، يمكنهم من تغيير أوضاعهم، من سيئ إلى حسن، ومن حسن إلى أحسن.

أما بالنسبة لمسألة اللغة فأكدنا على أنه يجب التعاطي معها وفق مقاربة شمولية منفتحة، تستحضر الاستثمار الأمثل لمقومات الهوية الوطنية المتنوعة والمتعددة .استعمال اللغة العربية بصفتها لغة التدريس، وتكريس الوضع الدستوري للغة الأمازيغية بصفتها لغة رسمية للدولة ورصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء، مع ضرورة الانفتاح على مختلف اللغات الأجنبية الأكثر تداولا على المستوى التقني والعلمي بالعالم، وتمكين الأجيال الصاعدة من تملك ومواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية والاندماج في الشغل، حيث إننا لا نقبل ولن نقبل أن تكون اللغة أداة للتمييز بين التلميذات والتلاميذ في الولوج الى التعليم الناجع و في الشغل المنتج.

أما بالنسبة للموارد البشرية في قطاع التعليم، فقد أكدنا دائما ونؤكد على ضرورة الاعتناء بها وبمكوناتها وفئاتها، لا سيما من حيث استقرارُهَا الاجتماعي والوظيفي والترقي الاجتماعي، والاهتمام بالخدمات الاجتماعية لها، ودعونا وحرصنا، بل وعملنا بمسؤولية وطنية عالية إلى وضع الإصلاح الشامل، والتعاطي معه بنفس تنموي جديد، كمشروع مهيكل يرتبط بتكوين مواطني الغد. وهي مناسبة نحيي فيها جميع عضوات وأعضاء لجنة التعليم والثقافة والاتصال وكل المجهودات التي تفرعت عن اللجنة الفرعية، او اجتماع الرؤساء، في إيجاد حل جماعي من أجل بلوغ الاجماع الذي نأسف على عدم بلوغه.

وهي مناسبة أيضا نحيي فيها السيد الوزير على تجاوبه وتفاعله الدائم ، وعلى انصاته وتجاوبه مع مختلف التعديلات ، ومختلف الآراء التي كانت دائما مبنية على أن نجعل من البرلمان والحكومة وجهان لإرادة واحدة ، إرادة التغيير ، إرادة اصلاح هذه المنظومة ، اصلاح منظومة التربية والتعليم ، لما فيه الخير لبلادنا ، وهذا الورش الأساسي الكفيل اليوم وهو مشروع الاطار ،بان يمنح الإمكانيات الواسعة للشروع الجدي في إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية ، خاصة وان هذا الورش الإصلاحي الوطني المرتكز اليوم على مبادئ ودعامات أساسية يحتاج الى عشرات النصوص والتدابير الأخرى المُصاحبة خلال المراحل اللاحقة.

لهذا وبالنظر الى ما نحمله من فكر تقدمي حداثي وقوة اقتراحية وبإرادة جميع الفرقاء السياسيين في بلادنا من أجل أن نجعل الشعب المغربي يثق في المدرسة العمومية، وبان يكون هناك تلاقح ثقافي واجتماعي بان نصل الى المبتغى المنشود، فبي إثبات الذات الجماعية في تربية الناشئة ، في تعزيز الوطنية الصادقة لأجيالنا وناشئتنا ، نحن ساعين وسعينا راشد ، ولهذا سنصوت بالإيجاب على هذا النص وسننخرط فيه من اجل البلورة والتطبيق

وشكرا لكم جميعا

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.