عبد اللطيف اعمو يدعو بمجلس المستشارين الى احداث بنك خاص لتمويل ودعم التشغيل الذاتي والمقاولات الصغرى والصغيرة جدا

خلال الجلسة الشهرية المخصصة لتقديم”أجوبة السيد رئيس الحكومة على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة” ليوم الثلاثاء 12فبراير 2019 بمجلس المستشارين تدخل الاستاذ عبد اللطيف اعمو باسم مستشاري حزب التقدم والاشتراكية بالمجلس في محور مساهمة القطاع البنكي والمالي في الاقتصاد الوطني ودعم التشغيل ودعى الى بلورة سياسة عمومية جديدة في هذا المجال والى احداث بنك وطني غير ربحي مختص في تمويل ودعم وتأطير المقاولات الصغرى والصغيرة جدا خارج إطار الاقتصاد التضامني  ،وفيما يلي النص الكامل لمداخلة الاستاذ اعمو : 

إن القطاع البنكي يعتبر في الديمقراطيات الحديثة أداة و دعامة أساسية لبناء اقتصاد قوي،  إذا ما ارتبطت أسس بناء هذا القطاع بالتخطيط العلمي الذي يسمح بالتوقع وإدارة المخاطر، والرفع من منسوب الثقة في بنية الاقتصاد، بجانب التسلح بالكفاءة والخبرة والثقة في الموارد البشرية المعبئة لذلك.

هل هذه الشروط يوفرها القطاع البنكي في بلادنا؟

الجواب بالطبع هو :  لا، لأن قطاعنا البنكي ما زال يتسم بـــ :

  1. العقلية التقليدية التي يطغى عليها الريع،
  2. البحث عن الربح السريع والسهل،
  3. رفض تقسيم المخاطر وتشجيع المبادرة الجريئة والابتكار، خصوصا لدى الشباب،
  4. الاعتماد على الحماية المطلقة للدولة.

كل هاته المؤاخذات وغيرها تعطي الانطباع  بأن القطاع البنكي يحتاج إلى رجة قوية تخلصه من قبضة الاحتكار وسوء المنافسة، حتى يساهم في التمويل الحقيقي للاقتصاد والتنمية.

هل كان عليكم ، سيادة رئيس الحكومة، انتظار إثارة انتباهكم من طرف جلالة الملك إلى هذه الوضعية ، التي كان عليكم أن تتصدوا لها، بدل الانبطاح والاستسلام أمام الأمر الواقع؟ بل الأدهى من ذلك، أنكم فرطتم في موقع الحكومة تجاه بنك المغرب، لما قبلتم بالاستقلال المطلق لهذه المؤسسات. مما أفقد الحكومة حتى حق الاطلاع على السياسة المالية للدولة، والتي هي من صميم السياسة العمومية، وبالخصوص في جانبها المتعلق بالتنمية وتمويل المقاولات، وخصوصا الصغيرة منها والصغيرة جدا والمتوسطة، وتنمية الادخار وتوجيهه.

التوجيهات الملكية تضع الأبناك أمام تحديات تمويل الجهد التنموي

دق الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الجديدة، جرس الإنذار،  داعيا القطاع البنكي إلى ضرورة مواكبة المقاولين الشباب وحاملي المشاريع للمساهمة في دينامية التنمية، وعدم البحث فقط عن الربح السريع والمضمون، ومؤكدا بأن التنمية لن تقوم لها قائمة دون الانخراط الجدي والمسؤول للقطاع الخاص.

إن اختيار جلالة الملك لمنصة المؤسسة التشريعية، وللحظة افتتاح سنتها التشريعية لمعاتبة منظومتنا البنكية على ضعف منسوب الثقة الذي عبرت عنه في أكثر من محطة في بنية الاقتصاد الوطني، ليس اختيارا اعتباطيا، بل هو رسالة سياسية من أجل تغيير عقلية الفاعل البنكي والإئتماني ، تماما مثل الدعوة الملكية السابقة لتغيير عقلية الفاعل الإداري. 

لذلك، كان عليكم أن تضعونا في صورة مشروع إصلاحكم لهاته الوضعية التي لم يعد من الممكن تحملها، وذلك بإطلاع المؤسسة التشريعية على المشاريع التي أعددتموها، أو على الأقل إعلان رؤيتكم الاصلاحية للقطاع البنكي ، بدل سرد سلسلة من التبريرات لواقع ، وصفه جلالة الملك بأنه غير طبيعي وغير منتج.

خصوصا وأن نظامنا البنكي يتسم باستقرار كبير، إلى درجة الجمود، ويعتمد مقاربات ذات طابع احتكاري، ويرتكز على حكامة غير منتجة وغير عادلة.

ولقد آن الأوان لقطاعنا البنكي الوطني أن يعزز دوره التنموي.  

ثقافة المخاطرة غير موجودة  لدى الأبناك الوطنية
في تحليل لحالة القطاع الخاص في المغرب، خلص البنك الدولي في آخر تقرير له إلى ضرورة وضع قواعد أكثر إنصافًا، تتمثل في تهيئة بيئة ملائمة للأعمال تسمح باختراق الأسواق وتطويرها ودعم قطاع التصدير.
وقد ركز التقرير بشكل خاص على ضعف توفير القطاع الخاص لفرص الشغل، على عكس البلدان الأخرى التي تعتمد على هذا القطاع من أجل إقلاعها الاقتصادي، 
وهو ما يتطلب ظروفًا تفضي إلى منافسة عادلة ورأس مال بشري ومهارات فائقة لتلبية احتياجات القوى العاملة الحديثة، وبالتالي تشجيع ريادة الأعمال .

وعند تقديم رأيه حول مشروع القانون رقم 103.12 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيْئات المعتبَرة  في حكْمها​ في سنة 2014 سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ، أن ذكر بأنه على الرّغم من التقدّم الذي سجّله القطاع البنكيّ في بلادنا خلالِ السّنوات الأخيرة، فلا يزال هذا القطاع يشكو من صعوبة الولوج إلى التمويل تحديداً فيما يخص المُقاولات الصّغيرة جدّا، والصّغيرة والمتوسّطة، كما أنّه لا يزال مُوجَّها نحو تمْويل الاستهلاك أكثر منه نحو تمويل الاستثمارات والمشاريع الإنتاجِيّة.

ومن المؤكد أن خلاصات كل هذه التقارير معروفة منذ سنوات، ولكن مسارات الخروج من عنق الزجاجة مرتبكة، بحيث أن الرفع من حجم القروض الممنوحة يصطدم في غالب الأحيان بغياب مقومات الاستدامة والنجاعة. 

فما  يثير القلق،  هو أن المغرب بقدر تمكنه من الحفاظ على نسب عالية من الاستثمار (34٪ من الناتج المحلي الإجمالي منذ منتصف سنوات 2000)، فإن أداء الاقتصاد ونسب خلق فرص الشغل تظل مخيبة للآمال، ودون مستوى التطلعات. 

فبينما يصل إلى سوق الشغل سنويا، قرابة 270 ألف شاب نشيط في سن العمل، ما بين سنوات 2012 و 2016 ، لا يحدث سوق الشغل في المتوسط سنويًا سوى 26.400 وظيفة جديدة. وحوالي 17 ٪ فقط من الشباب في سن العمل لديهم عمل رسمي، وأقل من 10٪ منهم يشتغلون في القطاع الخاص .

فالفعالية والحكامة تدعو صناع القرار الاقتصادي، وعلى رأسهم القطاع البنكي والمالي، بِصِفَتِه المصدر الرئيسي لتمويلِ الاقتصاد، إلى التعبئة وتحسين القدرة التنافسية والتجديد في القطاع البنكي.

خصوصا، وأن الفجوة بين التطور المطرد للنظام المصرفي وتطوير سوق الأوراق المالية قائمة، حيث أن تجنيد أدوات التمويل طويلة الأجل وتمويل الأسهم وأسواق رأس المال ما زال متخلفا ومتعثرا في المغرب.

مما يؤثر ليس فقط على الشركات الصغيرة والصغيرة جدا والمتوسطة، بل أيضًا على الشركات الناشئة المبتكرة والشركات الكبيرة التي ليست محصنة من القيود المالية.

إن المقاولات الصغرى والمتوسطة تشكل حوالي 95 % من مجموع المقاولات المغربية، ولا تساهم إلا بأقل من 20 % من القيمة المضافة، أي أن قرابة  450 ألف مقاولة تشكل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي، لكن الجهد العمومي يبقى منصبا بالأساس على تشجيع الاستثمارات الكبرى ودعم المقاولات الرائدة، بحكم أن السياسات العمومية اختارت نهج تفضيل الاستثمار الأجنبي المباشر . 

ومما يزيد من حدة التباينات والتفاوتات في ظروف السوق التي تواجهها الشركات الصغرى والمتوسطة، أن التدابير الرامية إلى تلبية احتياجات الشركات الصغيرة تبقى نسبيًا أقل نجاحًا.

ولا غرابة أن تواجه 8.000 مقاولة صغرى ومتوسطة حالة فشل سنة 2017. وهو ما أدى إلى خسارة 40 ألف منصب شغل. 

إن دعم ومساندة آلاف المقاولات الصغرى والمتوسطة والصغيرة جدا على مواصلة نشاطها، امتحان للمواطنة الاقتصادية“le patriotisme économique”، بحكم أن تأثيرها الاقتصادي والاجتماعي كبير. 

ودور الأبناك والمؤسسات المالية قائم في هذا المجال، لبناء الثقة وتقوية الهياكل، خصوصا في مراحل الانطلاق. وهذا يشمل وضع قواعد اللعبة “عادلة ومنصفة لجميع الفاعلين” بهدف جعل المقاولة المغربية قادرة على المنافسة في السوق المحلي وعلى الصعيد الدولي، في أجواء تتسم بالنهوض بتساوي الفرص الاقتصادية، وجعل المؤسسات أكثر إدماجية، وتعزيز الثقة بين الأفراد والمؤسسات.

وفقا لبيانات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) يبدو أن الشركات الجديدة والشركات ذات النمو المرتفع هي التي تخلق أكبر قدر من مناصب الشغل. 

فإذا كانت الشركات التي يبلغ عمرها خمس سنوات أو أقل تمثل حوالي خمس (1/5) إجمالي اليد العاملة، فهي تخلق فعليا ما يقرب من نصف الوظائف المحدثة في سوق العمل.

نظام بنكي يعطي الانطباع  بأنه “متصلب” و “متشنج”

إنه حسب التقارير المنشورة وذات المصداقية العلمية، فالشركات الناشئة تساهم في الديناميكية الاقتصادية من خلال تعزيز المنافسة في السوق وتحفيز الابتكار.  ففي المغرب ، 37٪ من الشركات المسجلة يقل عمرها عن خمس سنوات. 

ولاختراق الأسواق وتحقيق النمو وخلق فرص العمل، تحتاج الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى الولوج إلى الخدمات الأساسية، المتمثلة في  نظام منافسة عادل ومنصف، رأس مال بشري ومهارات متوفرة، وسهولة الحصول على العقار وتوفر البنية التحتية وخدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الضرورية للاقتصاد الحديث وسهولة الوصول إلى سلاسل القيمة العالمية ، ووجود ثقافة ومناخ محفز لتنمية الأعمال والولوج الميسر للتمويل ولرأس المال الاستثماري، خصوصا في  المراحل الحرجة الأولى من مسار نموها.

وتقر العديد من الدراسات بأن النظام المصرفي في المغرب شبه غائب في مناخ لا يفضي إلى ريادة الأعمال والتحفيز على المبادرة، وأن القطاع المالي غائب بشكل خاص في المراحل الأولية لنشئة المقاولات الصغرى والمتوسطة، عندما يستنزف الاستثمار الذاتي بشكل أكبر. 

كما يصعب على الشركات الناشئة المبتكرة ذات إمكانات نمو عالية الحصول على قروض بشروط ميسرة. ونفس الشئ ينطبق على الشركات الصغيرة جدًا بشكل عام، حيث يعتمد قلة منها على البنوك للإقلاع أو لتطوير نشاطها. 

فمتطلبات الضمانات العالية تدفع الكثير منهم إلى الاعتماد على قروض التمويلات الصغرى. فلا وجود في السوق للرأسمال الاستثماري المجازف والمخاطر ولا وجود لمستثمرين ممولين للمشاريع ومساندين للأعمال investisseurs providentiels،  وتزيد معاناة الشركات والمقاولات ، وخاصة الصغيرة منها والصغيرة جدا والمتوسطة ، من تأخير الحصول على مستحقاتها، وديونها على الدولة، من تأزيم وضعها المالي وعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الأبناك المدينة،  وفي خلق جو من الحيطة والحذر وعدم القدرة على المجازفة.

كل هذه العناصر، وغيرها لا تنتعش في أجواء توحي بأن نظامنا المصرفي “متصلب” و”متشنج”، وميال إلى التبني الأرتدوكسي لقواعد احترازية متشددة، وفي ظل قطاع خاص محبط للمبادرة وغير محب للمخاطرة، وفي ظروف تنافسية غير متكافئة.

حلول محتشمة وغير مقنعة

يتم الحديث اليوم عن العديد من الآليات، ومن ضمنها توفير آلية لضمان القروض، فيما تؤكد الحكومة على الضمانات التي توفرها عبر صندوق الضمان المركزي.

كما التزمت الحكومة بمعالجة التحديات المطروحة من أجل تسخير قدرات القطاع المالي لدعم القطاع الخاص الأكثر ديناميكية وللتحفيز على ريادة الأعمال، من خلال الرفع  من الدعم المقدم للشركات المتوسطة والصغيرة والصغيرة جدا بنسبة 15٪ سنة 2018 ، بجانب مشاركة صندوق الضمان المركزي (G.C.C) في تمويل 57 شركة ناشئة في السنة الأولى بعد إطلاق صندوق   Innov’Invest. لكن النتائج المعلن عنها تبقى محتشمة وغير مستقرة.

والرهان الحقيقي لبلادنا اليوم، ونحن نؤسس لنموذج تنموي جديد، بمنظور ورؤية جديدة،  هو رهان الرفع من منسوب ” الثقة ” في مؤسساتنا المالية وفي القواعد المؤطرة للإقتصاد الوطني، وجعلها رافعة لرهان التنمية المستدامة .

ولهذا، نحتاج، من قبل الحكومة، إلى توضيح لمهام هذه الصناديق والبرامج وتقييما موضوعيا لفعالية هذه الآليات المحدثة؟

كما أن سلوك البنوك والمؤسسات المصرفية الكارثي تجاه المقاولات، والطابع الريعي لتصرفاتها، من حيث مخلفاته الاقتصادية والاجتماعية، يحتاج إلى توضيح من بنك المغرب، بحكم وظيفته كبنك مركزي.

لقد بات لزاما على القطاع البنكي الانسجام مع الدعوة الملكية الصريحة بإضفاء مرونة أكبر على تعاملاتها تجاه الشركات المتوسطة والصغيرة والصغيرة جدا، كقطاع مواطن يجسد بحق استقلالية القرار الاقتصادي والمالي الوطني. 

لذلك، نلح من موقعنا كمعارضة على :

  • ضرورة إنشاء مؤسسة بنكية لتمويل المقاولات الصغيرة والصغيرة جدا والمتوسطة، خارج نظام الاقتصاد الاجتماعي، وأن توفر لها كل الإمكانيات في التأطير والإعداد والمواكبة والتقييم وتقاسم المخاطر، وتسخر لها كل إمكانيات الدولة في الدعم والتشجيع، حتى يقتنع الشباب بأن مواهبهم وتكويناتهم تكون رأسمالا كبيرا يعتد به في مجال الابتكار والخلق وإنتاج القيمة المضافة ودعم الاقتصاد ووضع التنمية في سكتها الصحيحة، حتى تتمكن من التغلب على الإشكاليات التي استعصى حلها ، بسبب الوضع  الراهن للمؤسسات البنكية في علاقتها مع المقاولات.
  • ضرورة إعادة بناء علاقة تطبعها الثقة بين القطاع البنكي والمقاولات الصغرى والمتوسطة وخلق علاقة رابح – رابح بينهما.
  • تسقيف الحد الأقصى لنسب الفائدة المطبقة على القروض الممنوحة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، مع اعتماد نظام المنافسة بين المؤسسات البنكية في تطبيق أسعار الفائدة على القروض.
  • ضرورة مواكبة المقاولات الصغرى والمتوسطة لمختلف التطورات التكنولوجية ومعايير ومتطلبات إدارة الجودة الشاملة الهادفة إلى تحسين وتطوير أدائها بصفة مستمرة، ومواصلة جهود القطاع البنكي في استثمار التكنولوجيا الحديثة، والابتكارات المالية، وذلك بغية توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات البنكية والتمويلية، وتعزيز المقاولات الوطنية العاملة في مجال التصدير، وخصوصا نحو العمق الإفريقي. 
  • وضع نظام خاص يهدف إلى ضمان التوزيع العادل والشفاف للمشاريع العمومية على الشركات والمقاولات الوطنية بكل أشكالها بعيدا عن نظام المناقصات غير العادل المعمول به اليوم في ظل المنافسة القوية من قبل الشركات الكبرى والأجنبية، 
  • خلق شراكات بين الشركات الكبرى والمقاولات الصغرى والصغيرة جدا والمتوسطة، في مجال التكوين والتدبير، وتشجيع البنوك على تمويلها ودعمها.
مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.