تقرير المكتب السياسي الذي تقدم به الأمين العام أمام الدورة الاستثنائية للجنة المركزية للحزب الرباط، يوم الجمعة 4 أكتوبر 2019

موقع المعارضة التقدمية لتعزيز النضال
من أجل نَفَسٍ ديمقراطي جديد

الأخوات الفضليات والإخوة الأفاضل في وسائل الإعلام الوطنية والدولية؛
رفيقاتي العزيزات، رفاقي الأعزاء أعضاء اللجنة المركزية للحزب.
مرحبا بكم جميعا بالمقر الوطني لحزب التقدم والاشتراكية حيث تنعقد هذه الدورة الاستثنائية للجنتنا المركزية، وتحية لكم جميعاَ على تحملكم عناء الحضور في يومِ جمعة، لكن الظروف الاستثنائية هي التي أملت علينا ذلك.
أتشرف بأن أتقدم بهذا التقرير، نيابة عن رفيقاتي ورفاقي في المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، وهو التقرير الذي تمت المصادقة على عناصره بإجماعهم، على الرغم من بعض التباينات لدى عدد محدود جدا من الرفاق، لكن بالتزام الجميع بأن يسير في اتجاه الموقف الجماعي المُعتمد من قبل المكتب السياسي برمته.
إنه اجتماع استثنائي في ظروف استثنائية، فكما هو في علمكم اتخذ المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية موقفاَ بالانسحاب من الحكومة في طور التشكيل، وهو موقفٌ احتل بفضل تغطياتكم، نساء ورجال الاعلام، وبفضل تفاعلكم كأعضاء في القيادة الوطنية للحزب وفي مختلف تنظيماته، وطنية، جهوية، إقليمية، محلية، قطاعية، وتنظيمات موازية،،، احتل موقع الصدارة، من حيث اهتمام الرأي العام الوطني، طيلة أيام هذا الأسبوع، ولقي هذا الموقف الترحيب في أوساط كثيرة تشكل أغلبية كبيرة، كما تم تلقيه بالتساؤل في أوساط أخرى، أو التحريف انطلاقا من ترويج أكاذيب في أوساط قليلة، مع تسجيل تداول بعض التبادلات والتعاليق في صفوفنا بخصوص الموضوع على بعض مواقع التواصل الاجتماعي لا تليق، مع الأسف، بتاريخ ومجد ومبادئ حزبنا.
فلذلك وجب التذكير بالمسار الذي جعلنا نعتمد هذا الموقف، لأنه ليس بالموقف الاعتباطي الذي تم اتخاذه هكذا فجأة، وهو ليس موقفا فجائيا أو غير منتظر، فمتتبعو الشأن السياسي الوطني، وبالخصوص المنتمون إلى صفوف وقيادة هذا الحزب، لا يمكنهم أبدا القول إن هذا موقف مفاجئ، لأن إرهاصات كثيرة، طيلة السنتين الأخيرتين على الأقل، كانت تُنبئُ باحتماليةٍ كبيرة لاتخاذنا لهذا الموقف.
بالطبع، موقف الانسحاب من الحكومة ليس موقفا سهلا، حيث تَعَوَّدَ الكثيرون، وحتى من صفوف حزبنا، على أن لا يروا حزب التقدم والاشتراكية سوى في الحكومة منذ 21 سنة، وبالتالي فربما انسحابه منها قد يكون صادما للبعض، كما يمكن للبعض أن يطرح السؤال ” لماذا حضور الحزب في كل الحكومات السابقة منذ 1998، والانسحاب بالمقابل من هذه الحكومة وهي لا تزال في طور التشكيل؟”.
لذلك، أريد التذكير هنا باقتضاب بكون مشاركة حزب التقدم و الاشتراكية سنة 1998، في حكومة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، أطال الله عمره، كان مبنيا على تحليل عميق ينشد القيام بإصلاحات جوهرية في بلادنا، من خلال توافق جديد آنذاك بين المؤسسة الملكية والقوى الوطنية الديمقراطية المُشَكِّلة حينئذ للكتلة الديمقراطية،،، وبعد تباينات في المواقف استطاعت في النهاية مكونات الكتلة الوطنية الديموقراطية أن تقرر المشاركة بشكل موحد في تلك الحكومة، حكومة التناوب التوافقي، التي نجحت في إحداث قطيعة مع عدد من أشكال تدبير الشأن العام التي عشنا في ظلها طيلة الحكومات التي سبقتها في التسعينيات والثمانينيات والسبعينات والستينيات.
ورغم النقائص والهفوات والسلبيات التي رافقت هذه التجربة، وما واجَهَتْهُ من انتقادات على مستويات عديدة، لا يمكن لأحد أن ينكر أنه بفضل تضافر المجهودات والتوجهات السامية لصاحب الجلالة، وبفضل إرادة القوى الوطنية والديمقراطية، قامت حكومة سي عبد الرحمان اليوسفي بإصلاحات أساسية على مستويات عدة، سياسيا وحقوقيا وديمقراطيا واقتصاديا واجتماعيا، دون أي ادعاءٍ بأن حكومة التناوب تلك حققت كل شيء، لأن الاحتياجات والانتظارات كانت كبيرة.
ثم جاءت حكومة ادريس جطو التي، على الرغم مما شابها من انتقادات عند انطلاقها خاصة في ما نُعِتَ ب” التخلي عن المنهجية الديمقراطية”، شاركنا فيها كذلك إلى جانب باقي القوى الوطنية والديمقراطية، وكان لهذه الحكومة، بشهادة الجميع، إسهامٌ إيجابي كبير، لا سيما على مستوى إعطاء بُعدٍ إصلاحي اقتصادي واجتماعي كبير وواضح للسياسات العمومية، مع نقائص وثغرات نعتبرها عادية بالنسبة لأي تجربة مماثلة، خاصة بالنظر للعجز والخصاص التنموي المتراكم لمدة عقود من الزمن.
واستمر نفس الأمر بالنسبة لحكومة الأستاذ عباس الفاسي التي تزامنت مع بروز ظروف اقتصادية غير مساعدة أهمها الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، إلى جانب بعض الظروف والتغيرات المصطنعة التي طرأت على الساحة السياسية الوطنية والتي أثرت بشكل كبير على مسار بلادنا، وربما لا تزال تؤثر عليه إلى يومنا هذا.
لكن على كل حال، كانت كذلك حكومة الأستاذ عباس الفاسي مُكَوَّنَةً من القوى الوطنية والديمقراطية في تحالف مع أحزاب أخرى، وقامت بما يمكن أن تقوم به في سياقها الخاص بها.
ثم جاء “الربيع العربي”، ووقعت تحولاتٌ في بلادنا، حيث كان الخطاب المِقدام والجريء والتاريخي لصاحب الجلالة يوم 9 مارس 2011 الذي تفاعل، بشكل متفرد وغير معتاد في باقي البلدان العربية، مع المطالب الشعبية المُعبر عنها، وجاء على إثره إصلاحٌ دستوري عميق ومتقدم تجسد في اعتماد دستور فاتح يوليوز2011، ثم بعده تم تنظيم انتخابات 25 نونبر2011 وما أسفرت عنه من نتائج انتخابية جعلتنا في حزب التقدم والاشتراكية، بعد تفكير مليِّ، وبعد نقاش عميق ومستفيض، في إطارٍ من الرفاقية والاحترام المتبادل، (وهذه مسألة أساسية)،،، جعلتنا نعتمد بأغلبية كبيرة قرار المشاركة، رغم ما كانت تشكله آنذاك تلك الخطوة من صعوبة بالغة بالنسبة لحزبٍ من طينة حزب التقدم والاشتراكية، بأصوله ومبادئه ومرجعيته، حيث سار توجهنا في اتجاه أنه لا يمكن أن نجانب الصواب وأن نكون خارج الرغبة الإصلاحية التي يريدها الشعب المغربي والتي عَبَّرَ عنها من خلال صناديق الاقتراع.
ودخلنا التجربة بشروط وميثاق وتصور، وكانت تجربة مُلفتة سَطَّرَتْ عليها كثيرٌ من الأوساط، وأشادت بها أوساط أخرى كثيرة، وانتقدتها بعض الأوساط،،، وذلك كله أمر طبيعي.
وقد كان لنا في هذه التجربة دور متميز، حيث قامت حكومة الأستاذ عبد الاله بنكيران بإصلاحات ومبادرات، وكانت تملأ الساحة بالنقاش العمومي، كما كانت تثير الجدل السياسي، وكان هناك شعور عام بأن هناك طفرةً إصلاحية، وبأن هناك تفاعلاً مع الشأن العام على مستويات مختلفة.
ثم جاءت انتخابات 2016، ووقعت التغيرات التي تعلمونها، لتأتيَ حكومة الدكتور سعد الدين العثماني التي قررنا مواصلة العمل من داخلها بانخراط قوي وإقدام وإرادة صادقة في مواصلة مسار الاصلاح، اعتقادا منا أننا نتحالف مع أحزابٍ بناءً على تصوراتٍ وبرامج وتوجهات سياسية.
لكن، منذ بدايتها، عرفت هذه التجربة الحكومية اختلالات داخلية، وواجهت صعوبات وعراقيل من داخل بعض مكونات أغلبيتها، وفي الكثير من المحطات كانت هناك نقاشات لا تليق بأي تجربة تحالف، وساد التجربةَ جدلٌ عقيم ومحاولاتٌ لتعطيل عدد من الإصلاحات، وتم السعي نحو عرقلة اعتماد بعض القوانين من مثل ما حدث بالنسبة للقانون الإطار للتربية والتكوين، والقانون المتصل بالأمازيغية، وبعض القوانين الأخرى المهمة…
لقد عشنا هذه الصعوبات على كافة الواجهات، بما فيها من داخل البرلمان، وكان لنا دائما دور في تقريب وجهات النظر لأجل تجاوز هذه الأوضاع، بهدف دفع هذه الحكومة إلى ملء الساحة من خلال تَمَلُّــكِ خطاب سياسي قوي، وإلى تفسير الإصلاحات وحملها.
إن هذا الدور ليس محض ادعاءٍ أو اختراع، فهناك مرجعياتٌ مكتوبة تشهد للحزب بذلك، وبلاغاتنا وبياناتنا السياسية العديدة والمتعددة لخير دليل على سعينا وحرصنا على أن نضطلع بهذا الدور، سواء منها تلك الصادرة عن المكتب السياسي، أو تلك المعتمدة من قِبَلِ اللجنة المركزية في مختلف دوراتها طيلة السنتين الأخيرتين.
كما حاولنا القيام بهذا الدور (تقريب وجهات نظر مكونات الأغلبية، ودفع الحكومة إلى الإقدام على الإصلاحات وحملها بخطاب سياسي قوي قادر على ملء فراغ الساحة الوطنية….)، بإلحاح شديد، من داخل الأغلبية الحكومية، لا سيما خلال اجتماعات هيئتها.
في المقابل، هذه الأغلبية لم تستطع التخلص من طابعها المتسم بسيادة الصراعات الهامشية، حيث كانت اجتماعاتها تنصب في الغالب حول مواضيع أقل ما يمكن القول عنها إنها بعيدة كل البعد عن الانتظارات الحقيقية للمجتمع.
في هذا السياق، أطلقنا نداءنا من أجل “نَفَس ديمقراطي جديد”، وجعلنا منه شعارا لمؤتمرنا الوطني العاشر في شهر ماي من سنة 2018، ثم أعطينا مدلولا أدق لهذا الشعار من خلال اعتمادنا لتصورنا بخصوص النموذج التنموي الجديد الذي قوامه مداخل خمسة ترتبط بوضع الانسان في صلب المسار التنموي، وإصلاح الاقتصاد الوطني لتحقيق نمو مطرد، وتحسين وإصلاح نظام الحكامة، وتفعيل منظومة القيم والثقافة، أي العناصر غير الاقتصادية للتنمية، وأخيرا وأساساً الإصلاح السياسي والديمقراطي بما يُعطي للفضاء السياسي الجاد الوزن الذي يستحقه في قيادة مسار الإصلاح، حيث أكدنا أنه لا إصلاح دون قوى سياسية ومؤسسات سياسية قوية ومستقلة وفاعلة، في إطار دولة قوية وديمقراطية.
وخلال هذه المدة، وردت خطبٌ ملكية سامية كثيرة، من بينها خطاب العرش لهذه السنة 2019، والتي دعت كُلُّهَا الحكومةَ إلى اتخاذ إجراءات مُغايرة لما هي عليه بالنسبة للسياسات العمومية المختلفة، سواء على المستوى الاقتصادي بالنظر إلى عدم قدرة الآلة الاقتصادية على إنتاج ما يكفي من الخيرات، أو على مستوى التوزيع العادل للخيرات التي ينتجها هذا الاقتصاد، اجتماعيا خاصة بالنسبة للفئات الفقيرة، ومجاليا خاصة بالنسبة للأقاليم والمناطق التي لم تنل حظها بنفس الدرجة من التغيرات التنموية الإيجابية ببلادنا.
وانطلاقا من هذه الحمولة الإصلاحية، نادى صاحب الجلالة الى تعديل حكومي، وشرع أخونا الدكتور سعد الدين العثماني في القيام بمشاورات، وكانت لي كأمين عام للحزب الفرصة أن ألتقي به مرات عدة منذ شهر يوليوز الأخير، وخاصة خلال شهر شتنبر الفائت.
هكذا، بتفويض من المكتب السياسي وبإجماع أعضائه، أي في إطار انتداب «Dans le cadre d’un mandat» ( فللسياسة معنى)، مارستُ واجبي الذي تفرضه عليَ المسؤولية والأمانة الحزبية، حيث اعتمدتُ ودافعتُ عن المقاربة التي تؤكد للسيد رئيس الحكومة أننا في حزب التقدم والاشتراكية نريد بدايةً أجوبة على أسئلة سياسية واضحة، قبل أي شيء آخر، وتمحورت هذه الأسئلة التي يطرحها حزبنا حول ماهية ومضامين وملامح التغييرات والإصلاحات التي يجب أن تُحدثها الحكومة في طور التشكيل من أجل الاستجابة للانتظارات المتزايدة؟
وفي كل اللقاءات التي عقدناها لم نتوصل، كحزب، بأجوبة، وكان هناك بالمقابل سعيٌ إلى أن يدور النقاش بيننا حول الهندسة الحكومية، ثم حول المقاعد والأعداد، وكنا في كل مرة نصدر بلاغات للمكتب السياسي نؤكد فيها على أننا، في حزب التقدم والاشتراكية، نقارب مسألة تشكيل الحكومة من منطلقات سياسية، وأننا ننتظر الأجوبة السياسية، وبأنه سيصعب على الحزب أن يسير في اتجاه نقاشات أخرى مغايرة لهذا التوجه،،،، بمعنى أنه ليس هناك مفاجأة لمن ينصت ويستمع ويتابع ويراقب ويرصد ما يحدث من حوله.
وخلال الاتصالات الأخيرة التي كانت بيننا، ذَكرنا بأنه حتى إذا افترضنا أن حزبنا الذي هو في بداية المطاف ونهايته حزبُ مبادئ ومواقف (وضميرنا مرتاح على هذا المستوى بغض النظر عن مدى اعتراف البعض لنا بذلك)،،، حتى إذا افترضنا جدلاً أن حزبنا سيتجاوز عددا من المواضيع الأساسية من وجهة نظرنا، إلا أنه من الضروري، في هذه الحالة الافتراضية، الأخذ بعين الاعتبار أن هذا الحزب تَحَمَّلَ عددا من الضربات بالنظر إلى مواقفه ووفائه، وواصل بصبرٍ وثباتٍ ووفاءٍ على الرغم من كل ذلك.
بهذا الصدد بالضبط، يذهب البعض في تحليله، حتى على المستوى الداخلي لحزبنا، إلى القول إننا تأخرنا في اتخاذ هكذا موقف، وبأنه كان بالأحرى علينا أن نغادر الحكومة عندما تم إبعاد الرفيقة شرفات أفيلال، أي في شهر غشت من السنة الماضية 2018،،، وهذه المقاربة نجدها غريبةً، ليس لأنها خاطئة في أساسِ طروحاتها، ولكن بسبب تناقضها الكامن في كون من يحملها يدافع في نفس الوقت، عن ضرورة الاستمرار في الحكومة الآن! بعد أن انضافت وتكرست وتفاقمت، إلى جانب واقعة إبعاد رفيقتنا، أسبابٌ سياسية أكثرُ وجاهةً وعمقا تدفعنا للانسحاب!!.
فانسجاما مع ثقافة السمو في المواقف الذي تربينا عليه في مدرسة التقدم والاشتراكية، أُذَكِّرُ بأنه خضنا نقاشات مستفيضة وعميقة جدا خلال تلك الفترة، أي بعد واقعة إبعاد رفيقتنا، وكان هناك حرصٌ على الحفاظ على وحدة الحزب وتماسكه، وسعيٌ نحو اعتماد موقفٍ يحظى بدعمٍ واسع داخل الحزب، بالمكتب السياسي واللجنة المركزية وفي مختلف صفوف الحزب.
تلك النقاشات استغرقت مدة طويلة، وتم على إثرها استخلاصُ صعوبةِ التفاف واجتماعِ الجسم الحزبي حول موقف المغادرة آنذاك.
وكان عليَّ، كأمين عام للحزب، أن أُغَلِّبَ بدايةً وحدةَ صفوف الحزب، ودافعتُ من هذا المنبر، في إطار تقرير باسم المكتب السياسي، وبموافقة الرفيقات والرفاق الرافضين آنذاك لموقف مواصلة العمل من داخل الحكومة، وصادقنا على قرار الاستمرار، وواصلنا المسار على أمل أن تتغير مقاربات الحكومة نحو الأفضل.
ومن الضروري التذكير هنا بأننا واصلنا على أساس تنبيه مَفَادُهُ أن “موقف الاستمرار في العمل من داخل الحكومة ليس موقفا نهائيا، وأنه موقفٌ قابل للمراجعة في أي لحظة وحين، وأنه إذا تبين أنه ليس هناك نبرة إصلاحية حقيقية من داخل هذه الحكومة، سنعود إلى اللجنة المركزية لاتخاذ موقف مغاير”،،، وها نحن قد عدنا إليكم مضطرين فعلا.
فماذا حدث طيلة سنة تقريبا مرت منذ ذلك الحين؟؟؟ مواصلة نفس التعثرات من داخل الأغلبية الحكومية، غيابٌ لأي نبرة سياسية قوية في المجتمع، تفاقمٌ للحيرة والقلق من داخل أوساط عديدة في المجتمع،،،
كلها عناصر موضوعية، لا يختلقها الحزب من تلقاء نفسه، بل إنها موجودة فعلا في الواقع الذي لا يرتفع، ويتم التعبير عنها بقوة يوميا، خاصة في الوسائط التواصلية وفي وسائل الإعلام، وهي سماتٌ سلبية تهم كافة الأوساط المجتمعية، وحزبنا ما فتئ يُنصت بإمعانٍ إلى هذا النبض وهذه الأصوات.
ولو كان الواقعُ تحسن نحو الأفضل، فحزب التقدم والاشتراكية كان ليكون معتزا بذلك، وهو تنظيمٌ يمتلك ما يكفي من الموضوعية والجرأة للاعتراف بذلك التحسن لو كان حدث فعلا، وكان سيتوجه نحو تنبيه من ينكرون تحسن الأمور إلى أن الواقع يخالف ما يتم الحكم به عليه.
والحقيقة أنه في مُقابل تفاقم أمور الأغلبية وعجزها عن الانخراط في معارك الإصلاح، لم يتوقف حزبنا عن المناداة إلى نَفَسٍ ديمقراطي جديد، بشكل متكرر وجدي وقوي ومسؤول.
وعليه إذن، ليس صحيحا أن موقفنا الحالي مفاجئ، ولم نتخذ الموقف الحالي بدون أن يكون مستندا إلى مبررات ومقدمات سياسية صلبة ومنطقية، ودون أن يكون مبنيا على تحليل ومنطق منسجم، حيث يشهد الرأي العام الوطني أنه في كل نقاشاتنا ومهرجاناتنا العمومية، وفي استجوابات قياداتنا مع الإعلام، أكدنا على أنه إذا استمرت الأمور على ما هي عليه سيكون من الصعب علينا جدا أن نواصل داخل هذه التجربة الحكومية.
وعندما كانت تُــناقَشُ هذه المواضيع من داخل الديوان السياسي، كان هناك إجماعٌ حول هذه المقاربة السياسية الرصينة التي لم يعارض مضامينها أي أحد.
في الفترة الأخيرة، اتخذت تنبيهاتنا نبرة أقوى، وتوجهنا للأوساط الحكومية لنقول لها بالصوت العالي والصريح والواضح إن حزب التقدم والاشتراكية لا يهمه فقط أن تتم المناقشات معه انطلاقاَ حصريا من منطق المواقع والمناصب والحقائب الحكومية التي سيتكلف بتدبيرها.
هذا مع العلم أنه تم إخبارنا منذ بداية مناقشة التعديل الحكومي بأن هناك توجها للتقليص العددي بالنسبة للحقائب الحكومية في مجملها، وبـأن هناك توجها نحو فقدان حزبنا لقطاعين أساسيين يدبرهما، ويتعلق الأمر بقطاع الصحة وبقطاع السكنى والتعمير وسياسة المدينة وإعداد التراب، حيث تم التأكيد الواضح على ذلك خلال كل اللقاءات التي عقدناها بخصوص موضوع التعديل.
بالطبع، وبناء على مضمون تفويض المكتب السياسي الذي كان يُــطَوِّقُنِي، كأمين عام، كان واجبا عليَ عدمُ الدخول في مناقشة مثل هذه الاعتبارات، وكان جوابنا في كل مرة هو التشبث بالمدخل السياسي الذي لو تم توضيحه والحسم فيه كان يمكننا أن ننتقل إلى مناقشة الأمور الأخرى التي نراها أقل أهمية، حيث لا أخفيكم سرا بأن حزبنا كان يمكن أن يقبل مواصلة العمل في الحكومة ولو بنصف مقعد، لكن إنْ تبين له أن هذه الحكومة هي حكومة إصلاح وتوجهات سياسية واضحة وقوية، وأنها حكومة عازمة على بلورة مضامين دستور سنة 2011 ، وأن لها الإرادةُ في التغلب على خلافاتها الداخلية، وأنها لن تدخل في تطاحنات أقوى وأكبر في أفق انتخابات 2021.
لكن للأسف، كل المؤشرات تدل على أن الأوضاع لن تتغير في أفق موعد استحقاقات سنة 2021، مع ضرورة الإشارة إلى أن التجاذبات المرتبطة بهذا الاستحقاق لن يصبر أصحابها، بكل تأكيد، حتى حلول 2021، بل سيكون موعد تعمق الخلافات والتطاحنات والملاسنات المتواصلة حاليا بين صفوف مكونات الأغلبية قريبا جدا، وأقصى تقدير له هو بداية الدخول السياسي المقبل، أي شتنبر/أكتوبر2020 ، وعندها سيتأكد الرأي العام من درجة صمود وحدة صف هذه الأغلبية.
هل كان علينا أن نستمر في اجترار هكذا وضع؟! وأن لا نأخذ بعين الاعتبار كل هذه الاعتبارات العامة؟!، إضافةً إلى الاعتبار الخاص، والذي لم نُولِه أهمية أكبر مما يستحقه، والمتمثل في كون وزننا من داخل الحكومة قيد التشكيل كان يظهر جليا بأنه سيكون دون مستوى تمكين حزبنا حتى من الحدود الدنيا التي تمكنه من التأثير في مجريات الأمور؟!
بالنظر إلى كل ذلك، وتأسيسا عليه، كان لنا أن اعتمدنا الموقف الذي صدر يوم الثلاثاء فاتح أكتوبر 2019، بعد لقاءٍ أخير مع السيد رئيس الحكومة يوم الاثنين الماضي، وبعد اتصالات دامت الى حدود يوم الثلاثاء الأخير صباحا، دون أن نتوصل إلى غاية اليوم بأي أجوبة سياسية تقنعنا بالاستمرار في هذه الأغلبية الحكومية.
على هذا الأساس، اتخذنا موقف الانسحاب من الحكومة قيد التشكيل، بعد أن بذلنا كل المجهودات لتفادي ذلك، وبعد أن استنفذنا كل الجهد في دفع هذه الأخيرة لأن تقوم بما هو مُنتظر منها، ولا سيما التفاعل إيجابا وعمليا مع ما هو مُعبر عنه في الخطب الملكية السامية، وكذا مع نداءاتنا التي تضمنتها بلاغتنا كمكتب سياسي وكلجنة مركزية، وأساسا مع الانتظارات العارمة لأوساط مجتمعية مختلفة.
هكذا، اعتمد حزب التقدم والاشتراكية، بمرارة كبيرة ولكن بمسؤولية وبجرأة قوية، هذا الموقف الذي أصدره في بلاغ لمكتبه السياسي، ويعرضه اليوم عليكم من أجل التداول والمناقشة.
وبالنسبة للذين يقولون إنه ليس هناك وقت للاستدراك، نقول إن الحكومة المُعَدَّلَةُ لم يتم تشكيلها بعد، رغم أنها قطعت أشواطاَ في ذلك، ولكم في اللجنة المركزية أن تتخذوا القرار الذي شئتم، وذلك بعد الاستماع الى تدخلاتكم وآرائكم وتصوراتكم، طبعا في إطار السمو إلى التعبير عن مواقف والانطلاق من مبادئ، وفي احترام لقيم وأخلاق هذا الحزب،،، فالاختلاف رحمة إذا كان في إطار التقدير والاحترام الواجبين لهذا الحزب، ولتاريخه، ولمجده، ولما قدمه من تضحيات وعطاءات لهذا الوطن.
وحتى في حالة مُعاكسَةِ التوجه الذي يقترحه المكتب السياسي اليوم، نتطلع إلى الإنصات إلى خطاب سياسي مُقْنع، مبني على اعتبارات سياسية، دون أن يكون مبنيا على أكاذيب أو تحريف للحقائق، فحذارِ من ذلك ما دام سيكون لمثل هذا الأمر انعكاسات وخيمة، ونحن مستعدون لمواجهة الأكاذيب بالدليل والبرهان.
ولنضع في الحسبان أن هذه قيادة حزبية مُــؤتمنَةٌ على هذا الحزب، ولا يمكن أن تخون الأمانة تحت أي ظرف كان، ولا يمكن أن تُحرف الوقائع، والحقيقة دائما تنكشف.
على هذا الأساس، هذا قرارنا في المكتب السياسي، والذي نقترح عليكم أن نعتمده اليوم على صعيد اللجنة المركزية، وأن نتوجه بعزيمة، وبتفاؤل، وبثقة في المستقبل، نحو موقع المعارضة البناءة والهادفة.
فالمعارضة لا يجب أن تكون مُخيفة، وليس هناك أي وسط منزعج من كوننا نسير نحو اختيار موقع المعارضة، فحذارِ من استعمال بعض الأمور من طرف البعض، والتي تحاول الإيحاء بأن من يقوم بتسيير هذا الحزب لا يعي تقاليد وأصول التعامل المؤسساتي ببلدنا.
وللتذكير، حزبنا صمد لمدة أزيد من 75 سنة، قضى ما يزيد عن 50 سنة منها في صفوف المعارضة، بل وفي السرية خلال بعض الفترات، وهو ما يزال صامدا.
البعض من رجاله ونسائه الذين عاشوا بعضا من هذه الخمسين سنة، ما زالوا معنا إلى حد اليوم، والبعض الآخر غادرنا، لكن ها هو حزب التقدم والاشتراكية ظل كما سيظل شامخا، ولن تزيده المعارضة إلا شموخا، خلافًا لما يعتقده البعض.
وسيجد حزبنا الصيغ المناسبة كي لا يخلد في المعارضة، لأن ذلك ليس قدرا ولا غاية في ذاتها،،، علينا أن نعود في أقرب وقت ممكن إلى موقع تدبير الشأن العام من الموقع الحكومي، لكن علينا أن نعود إليه بالعمل والاشتغال والكد والاجتهاد،،، علينا أن نعود بالتضحية من أجل تبوئ موقع أقوى، دائما في إطار الوفاء لمبادئنا ومواقفنا وتاريخنا،،، لكن لن نعود أبدا بالتفريط في كل ذلك، ولن نعود بأي ثمن كان.
أتوجه، على وجه الخصوص، لمنتخباتنا و منتخبينا لأقول لكم: كونوا على يقين بأن هذا الموقف ستجدون الترحاب به في أوساط كبيرة مختلفة، وبأننا سنشتغل في أفق انتخابات 2021 بترحيب كبير في أوساط مختلفة كذلك، ولكي نكون أكثر وضوحا معكم ومع الرأي العام: حتى ما كان سَيُقترح علينا اليوم بمناسبة التعديل الحكومي، ولم ندخل أبدا في مناقشته، لم يكن من شأنه أبدا أن يقدم ما كنتم تنتظرونه من منجزات ملموسة لفائدة المواطنات والمواطنين بدوائركم وجماعاتكم ومدنكم وأقاليمكم.
وحزبنا، باعتباره تنظيما سياسيا مناضلا، له القدرة اليوم، كما كام دائما، على أن يواصل مواكبة وخدمة منتخباته ومنتخبيه.
الرفيقات والرفاق:
في إطار الالتحام والوحدة واحترام مبادئنا وتوجهاتنا السياسي والابتعاد عن الافتراء والأكاذيب، سواء من خارج الحزب أو من داخله، أتوجه أليكم بنداءٍ باسم الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، نداءٍ من أجل أن يظل هذا الحزبُ حزبَ المبادئ وليس حزب المصالح، حزب المواقف وليس حزب المواقع، حزب تغليب المصالح العامة وليس حزب المصالح الشخصية، حزب الجرأة والتضحية وليس حزب الركوع والخضوع، حزب المواعيد التاريخية مثلما نحن بصددها اليوم وليس حزب اقتناص الفرص، حزب المرجعيات الفكرية والسياسية الرائدة وليس حزب الانحرافات الانتهازية.
فلنكن، إذن، في الموعد مرة أخرى بجرأة، بإقدام، بشجاعة، وبصوت واحد.
وأتوجه إلى المترددين خصوصا: فلنتخذ الموقف الصحيح الذي يقترحه عليكم المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، ولنتوجه بتفاؤل كبير نحو المستقبل، حيث سيظل حزب التقدم والاشتراكية حزباَ يناضل من أجل مغرب الكرامة والديمقراطية والتقدم والعدالة الاجتماعية.

عاش المغرب
عاش حزب التقدم و الاشتراكية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.