عبد اللطيف أعمو في حوار مع العالم الأمازيغي

في إطار ملف حول القانون التنظيمي للأمازيغية وقانون المالية، وأثناء مناقشة مشروع القانون المالي 2020 بالبرلمان، حاورت جريدة “العالم الأمازيغي” في عددها 227 لشهر دجنبر 2969/2019 بلسان الصحفية رشيدة أمرزيك، المستشار البرلماني عبد اللطيف أعمو.

وتعميما للفائدة نورد نص الحوار كاملا أسفله:

(مع الإحالات المفيدة في الموضوع)

  • أستاذ أعمو، كيف ترون تعامل الأغلبية الحكومية مع الأمازيغية بعد المصادقة على القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي لها؟

أظن صراحة أنه لا يجب مقاربة التعامل مع الحقوق اللغوية من منطلق الأغلبية أو المعارضة، فالتجاوب مع مطالب الحركة الأمازيغية ليس خاضعا لهذا المنطق. ففي صفوف الأغلبية كما في صفوف المعارضة مساندون لهذه المطالب ومناهضون لها، وهناك أحزاب منخرطة أكثر من غيرها في الهم الثقافي والهوياتي للأمازيغ. والجديد بعد دستور 2011 هو أن الأمازيغية هي اليوم دستوريا ملك لكل المغاربة، وبالتالي فإقرار الأمازيغية لغة رسمية للدولة، واعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة من دون استثناء، تترتب عليه حقوق لغوية وثقافية يتمتع بها المواطنون بدون تمييز، والالتزام بوضع مخطط لكل قطاع حكومي بهدف ترجمة تنزيل مضامين القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية عمليا وفعليا.

ولقد صدر القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات ادماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية بالجريدة الرسمية عدد 6816 بتاريخ 26 شتنبر 2019 بعد أزيد من 8 سنوات على تطبيق الدستور، وعرف تعثرات وما يزال، حيث مرت قرابة ثلاث سنوات على إيداع مشروعي القانونين التنظيميين 26.16 و 04.16 بمجلس النواب، ليحالا بعدها على لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين في 13 يونيو 2019. ثم صودق عليهما في يوليوز 2019.

والمحطة التشريعية هي تتويج لنقاش برلماني دام زهاء 23 شهرا بمجلس النواب، وصاحبه حوار وطني واسع  بتعثراته وخيبات أمله وتخوفاته وطموحاته، وهو ما سجله طيلة هذه المدة مختلف الفاعلين في مجال الحقوق اللغوية والثقافية، والذين عاينوا بأسف البطء  المسجل في مسار إنتاج القانونين التنظيميين المذكورين.

ولقد صدر في 10 دجنبر 2019 منشور السيد رئيس الحكومة رقم 19/2019 الذي يدعو فيه القطاعات الحكومية لإيفائه بمخطط كل قطاع لتنزيل مضامين القانون التنظيمي. ولا أظن أن القطاعات الحكومية التي لم تفكر في الأمر، ولم تحمله محمل الجد من قبل، ستستطيع إعداد تصور وخطاطة عمل ناجعة في أجل شهر ونصف كما ورد في المنشور.

ولقد ذكرت في مداخلتي في البرلمان بمناسبة مناقشة مشروعي القانونين التنظيميين رقم 26.16 و 04.16 بأنه رغم هذا المسار المتعثر لهذين النصين سيكون له تأثير إيجابي على عدد من القوانين ذات الصلة بالحقوق اللغوية والثقافية كالمسطرتين المدنية والجنائية، والقوانين المتعلقة بالتربية والتكوين والبحث العلمي، أو في مختلف مجالات الوظيفية العمومية أو القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية … وغيرها

كما تطرقت بحسرة غير ما مرة لظاهرة هدر الزمن التشريعي، وما له من تأثير على أداء المؤسسة التشريعية ومن تبعات على الحكامة المؤسساتية ككل.

والأكيد أن هذا التعثر وخيبات الأمل المتتالية والمتكررة حول تدبير الحكومة لملف الأمازيغية بوجه خاص يترجم عدم توفر الجهاز التنفيذي على العناصر التأطيرية الواضحة لعمله ولخطابه السياسي ولإجرأته الفعلية على أرض الواقع.

  • العديد من المتابعين يقولون بأن ما تعانيه الأمازيغية من تراجع خصوصا على مستوى التدريس يرجع بالأساس إلى الصيغة التي جاء بها القانون التنظيمي بكونه يتضمن مصطلحات ومفاهيم لا تحمل في طياتها صيغة الإلزامية ما يفتح المجال للتلاعب بالأمازيغية؟

لقد أشرت في مداخلاتي داخل اللجنة البرلمانية المختصة إلى بعض شروط تجويد نص القانون التنظيمي رقم 26.16، من منطلق أن المسار التشريعي للقانون التنظيمي المتعلق بمراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكذلك القانون التنظيمي رقم 04.16 المتعلق بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، ليس نهاية في حد ذاته، بل بداية مسار طويل وشاق، ومن ضمنها الابتعاد عن الإحالات الفضفاضة والتعابير الرنانة، وإحاطة الإلزامية والترسيم بشرط الإدماج الحقيقية وبالتدقيق الزمني، وربطه بضمانات تمويل متطلبات الأجرأة بشكل دقيق، مع ضرورة أجرأة مقتضيات التدرج  في مراحل التفعيل (كما وردت في المادة 31 إلى 34 من القانون التنظيمي رقم 26.16 ) وفق قراءة إيجابية محفزة وحيوية، وتكون فرصة للتجويد وليس أداة للتسويف والتجميد. لكن الحكومة أبقت على صيغتها.

وهذا كله من منطلق أن توخي العدالة اللغوية وضمان الولوج إلى الحقوق الثقافية لكل المغاربة توجد في قلب رهانات التنمية والديمقراطية، وأن ورش الثقافة والهوية هو ورش وطني يضع المواطنة الحقة في صلب الرهانات الديمقراطية، ويرسخها ويعززها بقيم الانفتاح والتسامح والتعدد والعيش المشترك.

فبقدر ما كنا متحمسين لإخراج هذين النصين التنظيميين من زنزانة التشريع إلى حقل الممارسة الفعلية والاحتكاك بالواقع، بقدر ما نحن اليوم يقظون وحريصون على مواصلة العطاء والجهد بهدف تقييمه وتقويمه، وتصحيح انحرافاته إن ثبتت مستقبلا، كي يكون النصان اللذان صوت عليهما البرلمان، مترجمان بحق لطموحات المغاربة في ثقافة وهوية ولغات مشتركة تحتضن الجميع، وترفع من قدر الوطن وترتقي بالمواطن إلى أسمى درجات التفاعل الإيجابي مع ذاته ومع غيره.

حقيقة أن عدم التنصيص في النص صراحة على صيغ الإلزامية، يساهم في تعويم المسؤولية وتعميمها، حيث لا تترتب عن المقتضيات القانونية مسؤولية واضحة على مستوى الفاعل السياسي والمؤسساتي والحكومي، كاستعمال تعاريف من قبيل : “تعمل على” … و “يمكن أن” … وهي تعاريف لا تعني بالتأكيد الإلزامية، بل قد تشجع على التملص من المسؤولية بداعي عدم التوفر على الإمكانيات … وغيره

وانطلاقا من أن تحديد المسؤولية  يعني أن يكون  المتدخل  (الدولة- السلطات- الإدارة…) مكلفا بتأدية واجبات يكون محاسبا عنها وعن نجاحه أو إخفاقه فيها، فإن مقتضيات مشروع القانون التنظيمي، بالإضافة إلى أنها لم تضع مسؤوليات محددة وبشكل مباشر على عاتق الدولة، فهي قد تعفي الدولة من مسؤوليتها في تمويل إدماج الأمازيغية في المجال العام بالشكل المطلوب.

والأدهى من ذلك، أن مشروع القانون التنظيمي، وإن حث الإدارة على “العمل على” … وعلى “تشجيع”… فإن تدخلها مشروط بالقدرة على العمل وعلى إرادة العمل، في حين أن أي إصلاح هو رهين بالكلفة المالية اللآزمة وبالموارد البشرية المرصودة لتفعيله وضمان استمراره واستدامته. وقد نبهنا إلى كل هذا تحت قبة البرلمان.

  • نظم فريقكم النيابي مؤخرا يوما دراسيا حول قانون المالية لسنة 2020، ونود أن تقربنا من أهم النقط التي تم النقاش حولها؟ وما مدى حضور الدعم المخصص للأمازيغية في هذا القانون؟

بالفعل، نظمت المجموعة النيابية لحزب التقدم والاشتراكية بمجلس النواب نهاية شهر أكتوبر الماضي يوما دراسيا حول “مشروع قانون المالية لسنة 2020 .. أي معالجة للاختلالات الاقتصادية والفوارق الاجتماعية”. وقد نبهنا فيه إلى أن هناك مجموعة من النقط التي يجب أن يتم إعادة النظر فيها، وخصوصا مسألة منع الحجز على مؤسسات الدولة تنفيذا للأحكام الصادرة في حقها، مؤكدين على أن ذلك يمس بدور القضاء ومبدأي العدالة والثقة. عنصر الثقة، الذي لا يتأسس فقط على الخطاب، بل من خلال العديد من الإجراءات التحفيزية التي تعطي الشعور بالنسبة لأوسع شرائح المجتمع بأن هناك إصلاحات حقيقية، تصب في صالح الفئات المستضعفة والطبقة الوسطى. وهذا ما لم نلمسه للأسف في مشروع قانون المالية، مما يجعله فاقدا لروح المبادرة الخلاقة ومفتقرا لرؤيا بعيدة الأمد ترتكز على خطاب سياسي واضح وعلى عناصر تأطيرية للعمل الحكومي تجعله مقرونا بحس اجتماعي قوي وملموس.

كما تضمنت توصيات اللقاء ضرورة ضمان الدولة لتنفيذ القوانين التي تنتج عن البرلمان، لأن الجميع يلاحظ بأن مجموعة من القوانين، حتى ولو صدرت، فهي لا تنفذ، بسبب غياب قواعد الحكامة، التي تمكن المواطن من القدر الكافي من المعلومة، ومن الوسائل المطلوبة لتنفيذ القوانين. كما جرت العادة في كثير من الحالات ألا تتضمن القوانين المالية مخصصات مالية وميزانية خاصة لضمان تنفيذ وأجرأة القوانين ذات الصلة بتطوير وتمكين المواطن من الحقوق التي تتضمنها، أو القوانين التي قد تحتاج في تنفيذها إلى ميزانية خاصة بسبب تعقيداتها وتشعب مجالاتها، كالقانون المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية،

وهذا ما دفعنا إلى اقتراح إحداث صندوق جديد من أجل تنويع مصادر تمويل منظومة التربية والتكوين وتحسين جودتها، إضافة إلى إحداث “صندوق تعزيز التواصل باللغة الأمازيغية وتنمية استعمالها في مختلف مجالات الحياة العامة ذات الأولوية” (انظر ص 14-17 من جدول التعديلات). ويأتي هذا التعديل رغبة في التمكن من تنزيل القانون المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وخصوصا تنمية استعمالها وتيسير تعلمها، وحماية الموروث الثقافي والحضاري الأمازيغي. إلا أن الحكومة لم تقبل من هذه التعديلات إلا النزر اليسير، والذي لا يغير في الأمر شيئا. وهو ما يقتضي بذل مزيد من الجهد لأجل ضمان تنفيذ القوانين التنظيمية داخل الآجال ووفق التوزيع الزمني المحدد فيها.

  • تضمن مشروع ميزانية 2020، تأسيس صندوق خاص بتعزيز التواصل بالأمازيغية وتنمية استعمالها في مختلف مجالات الحياة العامة، كيف ذلك وهل يكفي إخراج هذا الصندوق لأجرأة تفعيل رسميتها؟

رغم كل مؤخذاتنا على هذا مشروع قانون المالية 2020 وعلى سياسة الحكومة عموما، فإننا ننوه بتجاوب السيد وزير المالية والاقتصاد وإصلاح الإدارة مع عدد من التعديلات التي اقترحناها. ونخص منها بالذكر مقترح إحداث حساب مرصد لأمور خصوصية للخزينة لدعم منظومة التربية والتكوين. هذا، مع تسجيل تأسفنا على عدم قبول مقترح آخر لتمويل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، الهدف منه توفير الإمكانيات المثالية لضمان تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية على كافة المستويات. لكنه لم يرد في قانون المالية 2020. وإذ نسجل تجويد المشروع بعدد من تعديلات مجلس المستشارين، فإننا نعتبرها غير كافية لتجعل منه مشروعا يستجيب لأسئلة المرحلة ولطموحات الشعب، مما جعلنا نعارضه ونصوت ضده.

ولا أظن أن إحداث صناديق خاصة، هي إجراءات كافية لضمان نجاح برنامج ما، لكن تمويل الجهد العمومي ومده بالإمكانيات المالية والبشرية أمر ضروري، لتفعيله وضمان استمراره واستدامته، بجانب الالتزام بحسن تدبير الموارد وضمان الحكامة.

  • ألا تعتقد أن تفعيل رسمية هذه اللغة يتطلب ميزانيات من جميع القطاعات الحكومية باعتبار الأمازيغية تهم جميع القطاعات؟

وفقا للمادة 32 من القانون التنظيمي رقم 26.16 أصدر السيد رئيس الحكومة منشورا تحت رقم 19/2019. وهو إجراء، ولو جاء متأخرا، فمن شأنه أن يدفع الوزارات إلى إعداد تصورات وخطاطات عمل وأخذ الموضوع بالجدية اللازمة لإنجاح أحد الأوراش الكبرى التي فتحها دستور 2011. لكن إنجاح هذا الورش يتطلب اعتماد مقاربة تشاركية جدية، من خلال إشراك كل المعنيين، وعلى رأسهم مؤسسة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وكذا شعب الدراسات الأمازيغية في الجامعات المغربية، بجانب فعاليات الحركة الأمازيغية، لأن الإدارة تفتقر اليوم للأطر المتخصصة، وقد لا تملك أي تصور تقني وعملي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية داخل الآجال المقررة. إذن، فالموضوع ليس مجرد إشكال تمويلي، لكنه مرتبط بتكوين الأطر وتدبير التقائية القطاعات وحسن توظيف الموارد والالتزام بحسن الأداء وبالتدقيق الزمني لمراحل الترسيم.

ولا شك أن الأمازيغية، لغة وثقافة وتراثا وهوية، قد تعرضت لتهميش ممنهج وطويل. وهي اليوم تستحق جبر الضرر الجماعي، بأخذ الأمور بجدية والقيام بالواجب للخروج بهذا الورش التشريعي المؤسس لما بعد تفعيل مقتضيات الدستور 2011 من عنق الزجاجة إلى واقع التداول اليومي الملموس.

كما نورد أسفله نص الحوار كما صدر في “العالم الأمازيغي” عدد227

Untitled-1


مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.