بنعبد الله: “لا وجود لغضب ملكي علي”

واقع سياسي مخيف ومحير وقلق في أوساط عديدة، هذا ما يعبر عنه الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبد الله، في حوارنا المفصل معه، وهو يتحدث عن ضعف وإضعاف الأحزاب، وضعف وإضعاف الإعلام وسلطة المال عليه، وإفراغ المشهد السياسي لتصعد تعبيرات في وسائل التواصل الاجتماعي يقول إنها تعبر عن الغضب، وإن النهج الحالي تجاهها لن يؤدي إلى عواقب محمودة.

 في هذا الحوار يخوض الوزير المعفي في واقع التدخل في الأحزاب السياسية وضريبة وقوفه في صف بنكيران آنذاك، وعدم “ثبات” الإخوان على ذات النهج في ما بعد، يخوض في خريطة التحالفات وداء التشتت في اليسار، ولا يرى في الحل الأمني والقضائي وحده سبيلا لحماية المؤسسات والنأي بالمغرب عما يحدث في المنطقة.

أكدتم خلال لقاء حزبكم الأخير مع اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي على ضرورة خلق انفراج سياسي، ما توصيفكم للوضع الحالي سياسيا واجتماعيا؟

ما نؤكده بصدد الواقع السياسي المغربي اليوم هو ما أكدنا عليه منذ أزيد من سنتين، حين طالبنا بنفس ديمقراطي جديد، عندما قلنا إن المغرب دخل في نوع من الانحباس والأجواء العامة فيه على المستوى السياسي لا تبعث على خير. الحكومة التي كنا فيها وغادرناها هي غائبة عن أي نقاش سياسي وعن أي تواصل مع المواطن، وخطابها لا يصل إلى المواطنات والمواطنين، وبعض الإجراءات التي تم اتخاذها على مستوى ممارسة الحريات بالفضاء السياسي والإعلامي، زادت من حدة هذا التوتر، وهذا ما يجعلنا عندما نرى بعض التعبيرات العفوية الموجودة في الفضاء الرقمي أو في الملاعب أو غيرها، ندق مجددا ناقوس الخطر ونقول: كفى من هذا المنحى المليء بالمخاطر على حاضر ومستقبل بلادنا.

ما مداخل الانفراج الذي تتحدثون عنه؟

أعتقد أن من مداخله الإعلان عن بعض الإجراءات السياسية المرتبطة بحقل الحريات وخلق انفراج سياسي ببعض الملفات العالقة، لمحاولة تجاوز قدر الإمكان أي متابعة مرتبطة بالتعبير عن الرأي، كل ذلك من شأنه أن يدخلنا في فترة تتسم بثقة أكبر، لأن السمة الأكبر هي فقدان الثقة، ولذلك إذا كنا نريد أن ندخل في عهد جديد من خلال العمل الذي تقوم به هذه اللجنة، فيتعين تهييء وتحضير الأجواء لذلك.

أشرتم لفقدان الثقة، هناك من يحمل السلطة المركزية المسؤولية عن هذا الوضع، وهناك من يحمل مسؤوليتها للأحزاب السياسية، كيف تقاربون هذا الوضع من زاوية ما للسلطة وما عليها وما للأحزاب وما عليها، ومن ضمنها حزبكم؟

بكل موضوعية، وكما نقول بالدارجة: “اللي فات مات”، كانت هناك ممارسات منذ نهاية العقد الماضي (2008-2009) بالارتباط مع تأسيس حزب جديد، مخلفات هذه الخطوة كانت وخيمة وكارثية بالنسبة للفضاء السياسي، وكل ما عشناه منذ ذلك الحين زاد من حدة الفراغ، وزاد من عمق الهوة بين المجتمع والفضاء المؤسساتي والفضاء السياسي. وبالتالي فأول شيء أساسي على هذا المستوى هو مراجعة هذا التوجه بشكل جذري، أي ترك الفضاء السياسي والفضاء المؤسساتي يسبح بكل حرية ويطير بأجنحته بكل استقلالية. لكن، هناك كذلك مسؤولية السياسيين ونحن منهم، ومسؤولية الأحزاب السياسية. الأحزاب السياسية عليها أن تخرج من سباتها، وأن تؤكد بقوة على مواقفها وأن تقول ذلك دون أن تنتظر لا إشارة ولا إذنا من أي طرف كان.

المسألة تتعلق بالجرأة إذن؟

ممارسة السياسة ومصداقية هذه الممارسة بأعين المغاربة مرتبطة بالجرأة في التعبير عن الرأي، وبتبيان أن هناك استقلالية في قرار الأحزاب، وهذا الأمر يكتسب.

وأنت تثير، وهو نقاش دائما يثار، إشكالية استقلالية الأحزاب وتدخل السلطة فيها، ما هي التكلفة في نظرك لمنطق إضعاف الأحزاب وتغليب التكنوقراط، على الدولة والمجتمع؟

هذا النقاش حول التكنوقراط وحول الكفاءات يتعين أن ينتهي، ويتعين أن نعلم بأنه ليس هناك أي مستقبل ممكن، وليس هناك أي نموذج سياسي أفضل، إلى أن يثبت العكس، من الممارسة الديمقراطية القائمة على التمثيلية السياسية، ومن يمارس التمثيلية السياسية، الأحزاب السياسية، لذلك يتعين أن نؤمن بأحزابنا بما لها وعليها، وأن نترك لها أن تعيد النظر بشكل مستقل في ذواتها، إن كانت صالحة فستستمر في العيش والحياة، وإن كانت غير صالحة سيفرز المجتمع تعبيرات سياسية جديدة قادرة على أن تعوض الأحزاب الحالية.

مسألة التكلفة، تكلفة إفراغ المشهد السياسي، هل فعلا هناك خطر؟ وهل هناك تكلفة قد تؤديها الدولة والمجتمع؟

التكلفة نراها اليوم، التكلفة هي ما نعيشه اليوم من فراغ سياسي، التكلفة هي ما نراه اليوم من هوة بين المغاربة والشأن السياسي والشأن الحكومي والشأن البرلماني وعمل المنتخبين، التكلفة هي هذا الهجوم الشرس الذي نراه في وسائل الإعلام وخاصة منها العمومية إزاء الأحزاب السياسية، كل فشل في هذا المجتمع إلا وينسب للأحزاب السياسية بشكل ظالم، وننسى القوى الوطنية والديمقراطية التي ناضلت وتكبدت خسائر كبيرة وضحت برجالها ونسائها من أجل أن تكون الديمقراطية المغربية، وأن ندخل في مجموعة من التوجهات السياسية والاقتصادية، خاصة منذ حكومة عبد الرحمان اليوسفي، وهذا ما جعلنا على كل حال نكتسب بعضا من المناعة في مواجهة ما لم تستطع مواجهته بعض التجارب العربية الأخرى. لذلك أعتقد أنه علينا أن نخرج من هذا الواقع، واقع مخيف، واقع محير، قلق حقيقي موجود في أوساط مختلفة، وليس هناك حل حقيقي من غير أن نملأ الساحة السياسية بشكل أساسي، لم نصل إلى هذا المستوى من الابتعاد عن الشأن السياسي في تاريخ المغرب المعاصر قدر الذي وصلنا إليه اليوم.

وأنت تقول إنه اكتسبنا نوعا ما مناعة على عكس ما وقع في بلدان عربية أخرى، نلاحظ أنه في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات تلح على انفراج سياسي، هناك من يدق الناقوس بأن المغرب ربما على شفا انفجار سياسي واجتماعي، لا قدر الله، وأننا لسنا في منأى عما يحدث في المنطقة، وهذا أشار له حتى الرئيس السابق للباطرونا..

أعتقد أن هناك وعيا بذلك. واليوم لا أتصور أن هذه الوضعية غائبة عن بال الأوساط الرسمية في بلادنا. الكل يقر بذلك اليوم. المشكل يكمن في كيف يمكن أن نتغلب على هذا الوضع وكيف يمكن أن نخرج من ذلك؟ حذار من الاعتقاد أن المغرب في منأى عن كل ما وقع بالنسبة للبلدان العربية الأخرى. فعلا هناك عدد من الأسباب التي أكسبتنا نوعا من المناعة. لكن هذا القلق محير، هذا الغضب المعبر عنه في أوساط مختلفة وخاصة عبر قنوات التواصل الاجتماعي مخيف. علينا أن نتحرك جميعا، بداية من الفصائل المكونة للحكومة، عليها أن تكف عن خلافاتها الداخلية، وأن تحاول إعطاء مضمون للحكومة، أما إذا كان الهدف الوحيد هو انتظار 2021، ووضع المغرب في انتظار هذه المحطة، فأعتقد أن هذا الأمر هو قمة اللامسؤولية.

في سياق الحديث عن قرع أجراس الخطر للنأي بالمغرب عن خطر ما، ربما تتابعون رد فعل السلطة تجاه من قرعوا هذه الأجراس، يبدو أن هناك من لا يحب سماع هذا الصوت، وقد تابعتم رد الفعل على مزوار لما اقترب من هذا الموضوع، كيف تنظرون لرد فعل وزارة الخارجية آنذاك؟

لا أريد التعليق على هذه الأمور. لأنه بكل صدق، وبكل وضوح، ما يهمني ليس هو إثارة حفيظة أو إثارة رد فعل سلبي من قبل أي كان. ما يهمني هو أن نتعاون معا للخروج من الوضع الحالي وأن نكون مسؤولين معا وجماعة على هذا الوضع. ولا أعتقد أن بعض ردود الفعل المنكمشة التي تزيد أو ستزيد هذه المقاربة الحالية تعميقا للفراغ ولهذه الحيرة والقلق، هي الحل، الحل هو أن ندشن لنفس ديمقراطي جديد.

تعرضتَ للإعفاء بسبب مشروع منارة المتوسط، وهناك من انتقد قرار أن يتم حرمان بعض المعفيين من تحمل أي مسؤولية في ما بعد، كيف تنظر لهذا الأمر؟

ما نطمح إليه هو أن يكون المغرب قادرا على بلورة مضامين دستور 2011 المتعلقة بوضع المغرب على سكة الاحترام الكامل لمنظومة حقوق الإنسان، المتعلقة بمنظومة فصل السلط ببلادنا، سلطة تنفيذية حقيقية للحكومة، استقلالية القضاء، احترام السلطة التشريعية في مهامها الأساسية، وغير ذلك من الأمور الموجودة في الدستور، بما في ذلك ربط المسؤولية بالمحاسبة على أسس واضح بينة، وليس على أسس سياسية مرتبطة بالمواقف التي يمكن لأي كان ولأي حزب ولأي مسؤول أن يتبناها. أما موضوع منارة المتوسط، فقد قلنا فيه ما كان ينبغي أن نقوله وأصدرنا فيه بلاغا، وأكدت في استجوابات عديدة بأن الأمر يعود أساسا للمواقف التي كانت للحزب، والتي عبرت عنها شخصيا كناطق رسمي في شأن التحالفات والأوضاع السياسية وغير ذلك، ما يتعين الإقرار به اليوم هو أن ربط المسؤولية بالمحاسبة يجب أن يتم في منظومة عامة، تكون فيها الشفافية والوضوح، وتكون فيها النبرة الإصلاحية، هذا ما يهمني اليوم.

عدنا لهذا من باب الاستفسار عما إذا كنتم لازلتم تعانون من آثار غضبة الديوان الملكي..

يمكن أن أقول لكم إنه لا وجود لذلك. بل العكس، هناك اليوم رغبة حقيقية في أن يساهم الجميع في بناء فضاء جديد واستدراك ما ضاع والمساهمة الإيجابية في بناء فضاء ديمقراطي، قادر على بلورة هذا النموذج التنموي الذي نطمح إليه، وقادر على إحداث مصالحة حقيقية بين المواطن وبين الشأن السياسي وإذكاء روح الثقة من جديد.

هل هذه الروح الإيجابية صادرة كذلك من قبل المسؤولين الذين ظهر وكأن هناك نوعا من الاستياء منهم تجاه تصريحاتك، وأقصد السيد فؤاد عالي الهمة؟

أعتقد أنه من المستحسن عدم الخوض في مثل هذه الأمور، وألا نشخصن بعض الأمور أو أن نضع وراء ظواهر سياسية أسماء بعينها، لا فائدة في ذلك. والأهم هو أنه في حزب التقدم والاشتراكية نشعر أنه من واجبنا اليوم أن نكون مساهمين إيجابا بصراحتنا، بجرأتنا، بما نتميز به من استقلالية في التعبير عن آرائنا، بالحفاظ على مواقفنا كما نعبر عنها معكم الآن.

هناك تقبل لكم بهذه النبرة..

أعتقد أن هناك تفهما لهذه المواقف المعبر عنها من قبل حزبنا، عسى أن نساهم جميعا في بناء وضع جديد. واليوم أعتقد أني أتوجه أكثر للأوساط السياسية، بداية الأحزاب السياسية المشكلة للحكومة، لأن الحكومة لها دور أساسي، ليس فقط الحزب الذي يسير الحكومة، لكن كذلكم التحالف الرباعي الذي لا ندري هل يوجد داخل الحكومة أم أنه يوجد داخل الحكومة لعرقلة عمل الحكومة. الفضاء الإعلامي يجب أن يعيد النظر في ذاته.

تقصد العمومي؟

بكل مكوناته، عليه أن يكون فضاء مستقلا، حرا، نزيها، شفافا، لا يمكن أن نطلب ذلك من الأحزاب السياسية ولا نطلبه من المنظومة الإعلامية التي عليها أن تخرج من تبعيتها لبعض الأوساط المالية، كما لاحظنا في هذه الفترة الأخيرة، وطغيان المال في مجال الإعلام. هذه من الأمور الخطيرة في بلادنا. أيضا المجتمع المدني يجب أن يكون حاضرا كما كان حاضرا في فترة ما، عندما نلاحظ تراجع حضور الأحزاب في العلاقة مع المجتمع، فنفس الملاحظة تنطبق على المجتمع المدني وكذلك المثقفين.

في عن حديثك عن الدور الذي يجب أن يلعبه المثقفون والإعلام والمجتمع المدني، هناك رأي يقول إن هناك حالة خوف وتخويف يعيشها المثقف، يعيشها الفاعل المدني والإعلامي وكل صوت يريد أن يقول رأيه بصراحة واستقلالية تجاه أوضاع البلد، فحديثه إذا لم يعجب أوساطا معينة قد يتلقى تبعات كاعتقال أو متابعات أو تشهير.. وإذا صمت فذلك يكرس نمطية الرأي الواحد. ما رأيك؟

المغرب عرف فترات في تاريخه، فترات حالكة، في الستينيات الناس تعرضوا للاعتقال، وكانت هناك مظاهرات اجتماعية ووجهت بقمع شرس، وعرفنا فترات من الاعتقال السياسي والاختفاء القسري في السبعينيات. وعرفنا فترات ظالمة ومظلمة. ومع ذلك، كانت هناك قوى سياسية مستقلة معبرة عن ذاتها. كانت هناك نقابات مناضلة. وكانت هناك تعبيرات بالمجتمع المدني تملأ الساحة. وكان هناك إعلام نشيط ومسؤول يعبر عن آرائه. وكان هناك مثقفون يقولون كلمة حق في كثير من القضايا. لا أعتقد أن الوضع الحالي أحلك من أوضاع الستينيات أو أوضاع السبعينيات.

 واقع الاعتقالات بسبب الرأي عاد بقوة حسب منظمات حقوقية وطنية ودولية وعديد من المتابعين..

على أي حال، هناك حوادث سير تقع. ولكن حضورنا المكثف في الساحة الديمقراطية، ووقوفنا للدفاع عن المشروع الديمقراطي، هو السبيل الوحيد للحيلولة دون هذا النوع من الممارسات.

 تحدثت عن مكامن الخلل بالحكومة، يبدو ويقال وأنتم كذلك تقولون إنه كان هناك انسجام بينكم وبين عبد الإله بنكيران، الأمر الذي غاب مع العثماني وانتهى بانسحابكم، ماذا يشكل لكم بنكيران شخصيا وللحزب؟

حتى تتضح الأمور أكثر، لكم ولعدد من المواطنين والقراء ولعدد من الأوساط، هناك مجالات الاختلاف الشخصي بيني وبين بنكيران وبين التقدم والاشتراكية وحزب العدالة والتنمية، سواء في عهد بنكيران أو في عهد العثماني، وهي كثيرة وحذار من الاعتقاد أنه أصبحنا نتماهى معهم أو العكس. حذار من الاعتقاد أن هناك مشاريع مجتمعية متقاربة، عكس ذلك فالمشاريع المجتمعية مختلفة في الكثير من القضايا: في مواضيع الحريات، في مواضيع الأوضاع الثقافية في بلادنا، في بعض المواضيع الاقتصادية والتوجهات الاقتصادية، في بعض المواضيع الدينية وفي كثير من القضايا.. لكن ما جمعنا في تلك الفترة هو حرصنا المشترك عن الدفاع عن الديمقراطية، وهذا هو الذي شكل أصل الموضوع، لأنه كنا نرى أن هناك نوعا من التمييز لفائدة حزب آنذاك، وهو الأصالة والمعاصرة حتى أكون واضحا، واجتمعنا في ذلك، سواء كأحزاب وبالخصوص عبد الإله بنكيران، وأنا شخصيا، على كون هذا المشروع ستكون له عواقب وخيمة على بلادنا، وما نحن بصدده اليوم دليل على ذلك، فلا هذا الحزب نجح، ونحن نرى كيف الخلافات الداخلية تنخره، ولا من خلاله تمكنا من الحد من نفوذ العدالة والتنمية، وهذه كانت الأسباب المعلنة وراء تأسيسه. لذلك، فالذي جمعنا مع العدالة والتنمية بالإضافة للعلاقة الشخصية المبنية على الثقة وعلى الوفاء المتبادل، مبني على الوضوح حتى في الخلاف، فعندما كانت هناك نقاط خلافية كنا نتصرف بذكاء متبادل على أساس إما إيجاد صيغة توافقية وإما ترك الخلاف جانبا حتى نجد له حل، لذلك أعتقد أنها كانت علاقة تتميز بنضج كبير، وهذا ما جعلها تستمر مع بنكيران إلى يومنا هذا.

تتحدث بصيغة الماضي..

لا أتحدث بصيغة الماضي، قلت في الأخير، وهذا ما جعلها تستمر مع بنكيران إلى يومنا هذا.

أقصد العلاقة بالحزب.. أثرت التباين الإيديولوجي واختلاف المشاريع المجتمعية بين الحزبين، وعموما هناك نقاش يثار حول الاختلافات والخلافات بين المحافظين والحداثيين، كنتم قد قلتم في مرحلة إن تحالفكم يبنى على “المعقول”، هل لازال هذا الطرح قائما لديكم لبناء تحالفات؟

حتى نكون واضحين. تحالفنا مع العدالة والتنمية كان تحالفا ظرفيا، وليس تحالفا استراتيجيا كما كان الشأن في فترة مع مكونات الكتلة. الأوضاع العامة في البلاد، خاصة ما كان يتسم به الفضاء الحزبي والسياسي من تطورات خطيرة، جعلنا نشترك معا في حكومة لمحاولة معاكسة هذا التوجه، هذا ما حصل. وبالطبع آنذاك اكتشفونا واكتشفناهم. ولما أزلنا بعض الحجاب الذي كان موضوعا عندهم وعندنا كل واحد إزاء الآخر، اكتشفنا أن هناك إمكانية للتعامل بشكل بناء حول مواضيع معينة، بما لا يعني أنه ليس هناك مجال للخلاف. والذكاء يكمن عندما تبنى التحالفات في تغليب نقط الالتقاء والعمل على أساسها. هذا ما قمنا به في العلاقة مع العدالة والتنمية في لحظة ما، استمرت بعد ذلك مع العثماني، لم تكن بنفس المتانة، لأنه لم نكن نشعر آنذاك بأن العدالة والتنمية كان ثابتا بنفس القدر على التوجهات التي كنا عليها إبان حكومة عبد الإله بنكيران، وهذا ما جعلنا في نهاية المطاف نغادر. وما أقوله ثابت من خلال الضربة التي تلقيناها عند مغادرة الوردي الوزارة وأنا شخصيا للحكومة ثم شرفات أفيلال، يعني أصبحنا نعيش أوضاعا من الصعب أن نقبلها، إضافة لغياب التوجهات الإصلاحية وحضور سياسي باهت وخلافات قوية.. لذاك قلنا لا يمكن أن نستمر، مما لا يعني أننا سندخل اليوم في مواجهة مبدئية هكذا لما يقوم به البيجيدي، الباب يبقى مفتوحا في المستقبل لأعمال مشتركة، إن دعت الضرورة لذلك معهم ومع غيرهم، لأن الفضاء السياسي المغربي هكذا معمول.. والجمود العقائدي على مستوى مقاربة الواقع السياسي المغربي سيجعل من صاحبه يدخل في عالم العزلة المطلقة.

أجبتني عن أن تحالفكم مع البيجدي كان ظرفيا في حين كان يسود كلام عن التحالف الاستراتيجي، وكنت أريد أن أعرف بشكل أوضح إن كان الطرح قائما مستقبلا؟

الطرح الحالي، نحن في المعارضة، بالنسبة للمستقبل، نحن لسنا في مجال التنجيم، نحن في مجال الممارسة السياسية الحالية، إذا كان هناك من نعمل معه بالأولوية اليوم، فهو حزب الاستقلال الذي شكل حليفا استراتيجيا بالنسبة لحزب التقدم والاشتراكية، في المرحلة الأخيرة اختلفنا في المواقع بعض الشيء بالنظر للتدخلات التي وقعت في الحقل السياسي.

لنتحدث عن مشروع اليسار الكبير، هناك طرح طرحته فيدرالية اليسار وتعثرت في لم أحزابها في حزب واحد، وهناك نقاش حول وضعية الاتحاد الاشتراكي ضمن هذا المشروع، وهناك طرح بالمقابل للاتحاد الاشتراكي، أنتم أمام التشتت الذي يعيشه اليسار وضعفه ماذا تطرحون؟

أول شيء بالنسبة لليسار ونحن من مكوناته، أننا نحن من مؤسسي الفكرة اليسارية في المغرب كحزب شيوعي وكخلايا شيوعية أولى في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، وعند تأسيس الحزب الشيوعي سنة 1943، لذا لا يجب نسيان هذا الأمر، لأنه يظهر أن هناك من ينساه. إذا أردنا الحديث بمنطق الحاضر، ففي المغرب لسنا في منأى جميعا عن تأثير أزمة اليسار عالميا. هناك تشتت حقيقي وانكماش وأحيانا كثيرة عدم الاعتراف بالآخر، وتراجع على مستوى الانتخابات. ماذا تمثل أحزاب اليسار كلها مجتمعة في البرلمان من أصل 396 مقعدا؟ كيف يمكن بناء مقاربة سياسية مشتركة وأسمع مثلا أنه “بداية علينا أن نقدم النقد الذاتي فيما حصل بالنسبة للأمس”، لأنه إذا بدأ كل طرف يطلب من الآخر النقد الذاتي فلن ننتهي، هذا أمر لا فائدة منه. إضافة أنه يجب التحلي بمسؤولية وجرأة كبيرة في طرح الإشكالات الموجودة في بلادنا ومحاولة تقريب وجهات النظر، هناك من اليسار، في صفوف التيارات الأكثر الراديكالية، من يعتبر أنه ليس هناك أبدا أي مجال للتعامل مع الوضع المؤسساتي الحالي كما هو، وبالتالي فهذا صعب النقاش معه، لأن هناك فضاء واحد ممكن هو الديمقراطية والنضال الجماهيري، وهو الانتخابات والعمل في الساحة الرسمية والقانونية. حتى بعض الفصائل الأخرى التي التحقت بشكل محتشم بهذا الفضاء المؤسساتي.

يقول بعض قادة فدرالية اليسار إن العمل في المؤسسات في ظل وضع غياب الديمقراطية وضعف اليسار من الضروري أن يوازيه تواجد في الحركات الاحتجاجية والشارع، لهذا ربما نرى عمر بلافريج في البرلمان وفي وقفات احتجاجية أمام البرلمان..

مع التقدير والاحترام، الأمر لا يمكن أن ينحصر في بعض التصريحات وبعض التدوينات وبعض المواقف المعبر عنها في البرلمان، ما هي الامتدادات الشعبية لهذا الأمر؟ ما هي قدراتنا جميعا؟ وليس فقط الفيدرالية أو السيد بلافريج الذي أحترمه وأقدره شخصيا، هناك مشكل. هل لدينا اليوم القدرة كيسار أن نعبئ مئات الآلاف من المواطنين، وأن نذهب للطبقة العاملة ونتوجه لها بخطاب مشترك، وأن نذهب عند الفلاحين الفقراء بخطاب مشترك، ونقنعهم بطرحنا لكي يصوتوا علينا ولا يصوتوا على الأعيان أو المال؟ هذا هو المهم، أما القفزات هنا وهناك حول قضايا مختلفة فهي تخلق شيئا من الإثارة في المواقع الاجتماعية، “البوز”، لكن عمليا لا يخرجنا من الوضع الذي نعيشه. لذا يلزمنا نقاش صريح. انظروا للخلافات الموجودة عند الفدرالية وهي تريد الاندماج بين أحزابها الثلاثة في حزب واحد، من داخل كل تيار على حدة هناك خلافات داخلية معبر عنها. بالتالي لا يجب التصريح بما هو مختلف تماما عن الواقع. كنا من أنصار وحدة اليسار منذ بداية الستينات، بالوثائق، بما توجه به علي يعتة آنذاك لقيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كي نشكل قوة سياسة واحدة، إذن هذا مسعى سنظل متشبثين به، لكن إذا كنا فقط سنضيع الوقت في التراشقات الفارغة وأمور لا تزيد سوى من تعميق الهوة الموجودة اليوم، فلا فائدة في ذلك.

ننتقل لواقع الحريات، مؤخرا هناك موجة اعتقالات لنشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي، وهناك حديث عن ردة حقوقية والتضييق على حرية التعبير، وأنه بعدما تم إخماد “الشارع” هناك محاولة لإخماد الشارع “الافتراضي”، كيف تنظر للأمر؟

التعامل مع الشبكات الاجتماعية والعالم الافتراضي لن يكون سهلا أبدا، وليست هاته المقاربة التي يمكن أن تراقبه، لا يمكن أن نقف على رأس كل مغربي كي لا يعبر بحرية عن آرائه. الجواب الحقيقي عن ذلك هو متانة فضائنا السياسي ومتانة ديمقراطيتنا. إذا كانت لدينا مؤسسات قوية وديمقراطية متينة ومؤسسات عمومية تملأ الساحة، آنذاك تصبح بعض الأصوات المعبر عنها هنا وهناك أصوات نشاز دون أن تشكل خطرا، عندما يكون هناك فراغ وتسود هذه التعبيرات هناك، رد الفعل الأمني ليس هو الجواب. حذار أن نعتقد بأن الجواب على هذه الإفرازات يجب أن يكون أمنيا، جواب قضائي، جواب عقابي. الجواب بداية يجب أن يكون جوابا سياسيا. الدولة المغربية يجب أن تكون قوية بديمقراطيتها وليس فقط باعتمادها على أمنها أو قضائها، هذا الأمر لن يوصل لأمر محمود. في الدول الديمقراطية العريقة، أليس هناك أناس في العالم الافتراضي يتجاوزون الحدود بشكل غير مقبول إزاء المؤسسات؟ طبعا موجودة لكنها تعتبرها هامشية، ولا يلتفت إليها ولا تشكل خطرا على استقرار المجتمع، هذا ما يتعين أن نسير في اتجاهه ولا أعتقد أنه علينا أن نستمر في هذه المقاربة.

ما يحدث في وسائل التواصل الاجتماعي تحديدا، هناك من يقول إنه نتيجة إضعاف الصحافة المستقلة، وتابعتم مجموعة من الأحكام في حق عدد من الصحافيين..

هو نتيجة ما عشناه مؤخرا في الحقل السياسي بداية، يجب ألا ننسى أنه قبل التوجه لإضعاف المجال الإعلامي تم إضعاف المجال السياسي. هذا التوجه أبان عن محدوديته واليوم هناك حاجة ماسة لبناء فضاء إعلامي مستقل، يكون فيه المتفق وغير المتفق والمشاكس والمعبر عن الرأي والمنبه إلى واقع معين مثله مثل الفضاء السياسي، الذي هذا هو دوره في التعبير عن حاجات المواطنين وآرائهم. عندما يتم تغييب الفضاء السياسي والإعلامي ويغيب المثقفون يصبح التعبير الشخصي الحر، وهو الموجود حاليا في وسائل التواصل الاجتماعي، يصبح كل مغربي سياسي نفسه وإعلامي نفسه، ويقول ما يحلو له بالشكل الذي يريد. ليس هناك جواب غير الديمقراطية والانفراج السياسي. نعم يجب ألا تكون هناك تعبيرات تتجاوز الصواب في العلاقة بالمؤسسات ومتجاوزة للائق، لكن التعامل يجب أن يكون تعاملا ناضجا، يتحلى بالحرية ويؤكد عليها كمنطلق أساسي، على أساس أن المسؤولية تكون ممارسة، ستقل آنذاك هذه التعبيرات وحدتها، والمغرب ستكون له مناعة لتحمل بعض التجاوزات إن وجدت.

تحدثت أمينة بوعياش عن مقترح ما لحل قضية توفيق بوعشرين..

سنكون سعداء بذلك سواء في قضية توفيق بوعشرين أو معتقلي الريف أو جملة من القضايا، يعني أن كل ما من شأنه تجاوز هذا الوضع سيساهم في الانفراج.

سادت نبرة نقد لمؤسسة القضاء مؤخرا بعد مجموعة من الأحكام في حق معتقلي الريف وصحافيين، وآخرها محاكمة عمر الراضي، كيف تنظرون لأداء هذه المؤسسة؟

إذا لم نذهب في اتجاه جيل جديد من الإصلاحات وإرجاع الحيوية لفضائنا السياسي وبعث الثقة، أكيد سنرى بروز انتقاد كل شيء وليس فقط القضاء، وسيصبح كل ما هو معبر عن سلطة وعن قرار وعن توجه رسمي، معرضا للانتقاد، ومعرضا أكثر من ذلك للقذف والسب والشتم وللرفض كتعبير عن القلق والغضب، وهذا سيؤزم العلاقة ويصبح نوعا من الفعل ورد الفعل، وهذا سيؤدي بنا إلى نتائج وخيمة ووخيمة جدا.

عادت تهمة المس بالمقدسات إلى الواجهة مؤخرا، ولم ينج منها تلاميذ ومدونون صدرت في حق بعضهم سنتين وثلاث وأربع سنوات سجنا نافذا، ما تعليقك؟

سبق أن قلنا إن حماية المؤسسات التي تشكل اللحمة الأساسية لبلادنا من هذه التعبيرات هي تمتين الفضاء الديمقراطي، هذا هو الجواب الحقيقي، الجواب الأمني والقضائي لا يمكن أن يشكل لوحده جوابا، لأن هذه الأصوات الآن وغدا يمكن أن تعبر عن ذلك من بلدان أخرى. قبل 10 أو 15 سنة لم تكن هذه التعبيرات بهذا الشكل، لأنه كانت هناك مصداقية أكبر في الساحة، وكان هناك خطاب سياسي قوي وسياسات عمومية تملأ الساحة، الجواب هو الرجوع للإصلاح والدمقرطة، هذا ما يمكن أن يؤمن للبلاد مستقبلا وحاضرا آمنين.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.