عزوز صنهاجي في حوار مع الأحداث المغربية

كيف تقرأون مقترحات الأحزاب السياسية بخصوص النموذج التنموي؟

في البداية يتعين التذكير بأن الدعوة المَلَكية إلى المساهمة في بلورة نموذج تنموي جديد تم توجيهها إلى كافة القوى والفعاليات المجتمعية والمؤسساتية، وعلى رأسها الأحزاب السياسية، وهو الأمر الذي تسعى اللجنة الخاصة إلى تجسيده من خلال إعمال مقاربة تشاركية حظيت بالاستحسان، ولو أننا نعتقد أن اللحظة تقتضي مُباشرة وإجراء نقاش وطني أوسع في ظل جو من الانفراج السياسي والحقوقي يضمن انخراطا أقوى من لدن الجميع في هذا الاستحقاق الوطني الهام، بما يتيح تملك المواطنات والمواطنين لهذا الورش، وبما يعيد للنقاش العمومي وهجه المفتقد.

أن يكون مطلوبا من الأحزاب السياسية تقديمُ مقترحاتها ليس أمرا مستحبا فحسب، بل إنه ضرورةٌ قُصوى، لأنه في نهاية المطاف هذه اللجنة الخاصة ستقوم بعملها، وسوف تُخرج وثيقة لا نشك منذ الآن في وجاهتها الأكيدة، لكن العبرة بما سيحدث بعد ذلك، حيث إن البرلمان والحكومة وباقي الهيئات المنتخبة المُعَــبِّــرَة عن الإرادة الشعبية في أي تجربة ديموقراطية هي من سيكون عليها تفعيل وتنزيل وأجرأة متطلبات النموذج التنموي البديل.

ما هي قاعدة كل ذلك؟ أليست الأحزاب؟ لذلك نقول إن أي نموذج تنموي جديد يتعين أن يستحضر ويستدمج البُعد السياسي والمؤسساتي بمنطق إصلاحي يرتقي بمكانة الفعل السياسي وأدوار الفاعل الحزبي، وتجاوز الأخطاء التي حدثت في مشهدنا الوطني وأفضت إلى ما يشبه ” القتل المعنوي للسياسة”، مع ما يقتضيه الأمر أيضا من مجهود ذاتي علينا كأحزاب أن نبذله من أجل تملك قضايا المجتمع والحضور الدائم إلى جانب المواطنين والسمو بالخطاب والممارسة إلى المرتبة التي يصير فيها احترام السياسة والسياسيين أمرا محتوما.

أما من حيث مضمون مساهمات الأحزاب السياسية، فمن البديهي أنه لا يوجد حكم وحيد يمكن تعميمه عليها، ببساطة لأن القاصي والداني يعرف أن الأحزاب السياسية الوطنية ليست على نفس القدر من القدرة والإرادة والجدية في التعاطي مع مثل هذه المحطات التي يُفترض أن تتميز بكثير من حضور النَّفَس الاقتراحي العميق بعيدا عن أي منطق سياسوي أو تناولٍ تسطيحي.

في نفس الوقت، يمكن أن أجزم بأن حزب التقدم والاشتراكية قد أولى للموضوع أهمية خاصة جدا، حيث نظمنا جامعة سنوية حول النموذج التنموي البديل، بالإضافة إلى العديد من الندوات الموضوعاتية أشركنا فيها فعاليات وطنية مختلفة، واجتهدت أطرنا الحزبية لمدة شهور، وأنتجنا إثر ذلك وثيقة اقتراحية في غاية الجدية، أردناها أن تكون متكاملة وشاملة، وهي وثيقة تتضمن 50 مقترحا إصلاحيا، مبوبة في خمسة مرتكزات هي: وضع الإنسان في قلب العملية التنموية، ونمو اقتصادي سريع ومطرد، ثم مرتكز الحكامة وإصلاح القضاء وتحسين مناخ العمل والأعمال ومحاربة الفساد والريع، ومدخل البعد القيمي والمجتمعي، ثم الديموقراطية لحمل النموذج التنموي.

هذه الوثيقة أؤكد لك أنها تحظى بالتقدير من أوساط وفعاليات مختلفة، على الرغم من التباينات التي يمكن أن تبرز هنا وهناك.

شخصيا، اطلعتُ على ما أنتجته عدد من الأحزاب الوطنية بهذا الصدد، ويمكنني أن أقول بأن بعض المذكرات هي على قدر كبير من الجدية والمسؤولية، دون أن نغفل أن تنظيمات وفعاليات مجتمعية أخرى قدمت مقترحات تتسم بعمق كبير، أما أولئك الذين قد يكونوا تقاعسوا أمام هذه المحطة الوطنية الأساسية أو لجأوا كليا إلى خبرة مكاتب الدراسات، فالرأي العام قادر على الفرز والتمييز، ولعل ذلك من صميم أدوار الإعلام الوطني الموضوعي والمتجرد.

يلاحظ أنه تغلب عليها العمومية والتضخيم في المدخل السياسي، بالإضافة إلى إقحام نقاش القيم، وأحيانا أخرى الصيغ الإنشائية. بماذا تفسر ذلك؟

كثيرون يقع لهم خلط، ربما بسبب ضعف النقاش العمومي، في ما يتعلق بتمييز النموذج التنموي عن البرنامج الإنمائي أو البرنامج الحكومي، فليس مطلوبا من النموذج التنموي الدخول، بالضرورة، في تفاصيل الإجراءات والتدابير مثلما هو الحال بالنسبة لبرنامج حكومي.

النموذج التنموي هو منظومة مقاربات كبرى، وتوجهات رئيسة، واختيارات تؤطر التدبير العمومي لمدة طويلة، ويتعين بالتالي أن يتضمن قطائع جوهرية مع ما هو قائم من أشكال وصيغ واتجاهات ومقاربات.

لتقريب الصورة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن أن يتضمن النموذج التنموي الجديد مبدأ إقرار التوازن والعدالة بين الضريبة على الدخل وباقي الضرائب كالضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة، وسيكون بعد ذلك على البرامج الحكومية المقبلة وعلى قوانين المالية أن تتخذ التدابير التفصيلية لتفعيل هذا الاختيار من خلال مراجعة الجداول الجبائية تجاه المُلزمين.

من حيث نعتُ مقترحات الأحزاب بكونها ضخمت من المدخل السياسي، فينبغي قراءته من زاوية أخرى سليمة وغير متحامِلة، وهي أن هناك شعورا ووعيا متزايدين بأن مجتمعنا يعيش حالة القلق وأزمة الثقة، وبأن المسار الديموقراطي في بلدنا يعيش حالة انحسار، وبأن السياسة تمر من أزمة، وبأن التنمية لا يمكن أن يستقيم النجاح في بنائها بالاعتماد على الوصفات الاقتصادية وحدها، على أهميتها، دون ديموقراطية حقيقية بمؤسسات تحظى بالثقة، ودون أحزاب مستقلة وقوية، ودون تعبئة شعبية، ودون تفعيل غير متردد للدستور، ودون حريات تتوسع ولا تنكمش ولا تتراجع.

هذه هي القراءة التي يتعين إعطاؤها لتفسير التأكيد على المرتكز الديموقراطي الذي نحيط به النموذج التنموي البديل، في حزب التقدم والاشتراكية على الأقل.

على الجميع أن يعلم أيضا أن مقولة ” لا تنمية بدون ديموقراطية ” ليست لغوا سياسويا بلا معنى، لأن التجارب المختلفة عبر العالم أثبتت صحة ذلك، وحتى بعض البلدان التي حققت نموا اقتصاديا في ظل أنظمة غير ديموقراطية، ظلت في وضعية هشاشة سياسية واجتماعية ومؤسساتية، إلى أن أُجبرت على التحول إلى ديموقراطيات.

لا تنس أيضا أن دراسات علمية موثوقة أُجريت على 164 بلدا ما بين 1964 و2010 أسفرت على أن التحول الديموقراطي يمكن أن تنتج عنه زيادة في الناتج الداخلي الخام، على مدى الثلاثين السنة الموالية، بنحو 20 بالمائة،،، فهل يوجد دليل أقوى من هذا على أهمية الديموقراطية بالنسبة للتنمية؟

كفانا إذن من تبخيس السياسة والاعتقاد الواهم أن الحلول لمشاكل بلادنا وشعبنا توجد في “التقنية”، مشاكل بلدنا وحلولها مرتبطة بالإرادة والاختيارات السياسية في المقام الأول، والتكنوقراط لهم مكان أساسي طبعا في المسار الإجرائي للتنمية، وليس العكس، وعلينا أن نواصل التنبيه إلى أن قلب هذا المنطق السليم هو كأنما نطلب من إنسان أن يسير مقلوبا ومعتمدا على رأسه.

نعم، لا ننكر أن أحزابنا على العموم تعاني عددا من الأعطاب، لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية، لكن المطلوب هو إصلاح هذه الأعطاب وتقويمها، وليس الإمعان في تعميقها، لأن وطنا بلا ديموقراطية سوية وبلا أحزاب قوية ومستقلة، لا يمكن أن يحظى بفرص حقيقية للتنمية.

وإذا كان البعض، كما أشرتم في سؤالكم، يؤاخِذنا على إدراج البعد القيمي في مقترح النموذج التنموي، وحزب التقدم والاشتراكية عمد فعلا إلى جعل ذلك أحد مرتكزات مذكرته،،، فإنني أسأل بدوري هذا البعض المُفترض: كيف يمكنك أن تتجرأ على الاعتقاد بأن هناك ثمة تنمية ممكنة دون اعتبارٍ للقيم المجتمعية؟ هل توجد تنمية دون حب للعمل، دون انضباط، دون رغبة في اكتساب العلم، دون ثقافة ومثقفين، دون فلسفة، دون تاريخ، دون أدب وفن وحضارة، دون ترسيخ للخطاب العقلاني، دون أخلاقيات للعمل، دون ارتقاء بالمكون الأمازيغي، دون تشبع بفضائل الحوار والتسامح واحترام الآخر، دون زرعٍ للرغبة في الابتكار والإبداع……؟ !!!

القيم هي الحامل اللامادي، وهي الثروة اللامادية، وهي العوامل غير الاقتصادية في التنمية كما أسماها الرفيق المفكر الراحل عزيز بلال،،، وبدون مراجعة هذه المنظومة والعمل على تثمين إيجابياتها وتجاوز كل ما هو سلبي فيها، سنظل نراوح مكاننا تنمويا بكل تأكيد.

وحتى لا يظن أحد أن ما أورده هنا هو مجرد كلام يمكن لأي كان أن يقوله في شكل عموميات، أدعوك للاطلاع على مذكرة حزب التقدم والاشتراكية لتتأكد مثلا أننا فعلا اقترحنا آلية تمويلية ناجعة للثقافة والإبداع والابتكار تتمثل في إلزام إدراج ذلك في نفقات ميزانيات جميع المؤسسات والإدارات العمومية.

هناك انتقاد يقول أنها لم تجب عن السؤال الجوهري في النموذج التنموي هو كيف يمكن خلق الثروة. إلى أي يمكن هذا الانتقاد وجيها؟

الخطب الملكية الأخيرة تؤكد على أن نموذجنا التنموي صار محدود الأثر على مستويين: مستوى خلق الثروة، ومستوى آليات توزيعها.

وحزب التقدم والاشتراكية، من خلال توجهاته الأساسية عموما، ومن خلال مذكرته خصوصا، لا ينظر إلى مسألة خلق الثروة بمعزل عن آليات توزيعها العادل، ذلك أنه لا يكفي أن نحقق نموا اقتصاديا لكي نَدَّعيَ أننا حققنا التنمية، حيث هذه الأخيرة مرتبطة أساسا بالوقع الذي تتركه الثروة على الإنسان وعلى المجال، وبعدالة التوزيع.

هذا لا ينفي أبدا أننا اقترحنا مقترحات جريئة وقطائع جوهرية يتعين إدخالها على اقتصادنا الوطني، أذكر منها فقط: التوجه نحو تصنيع وطني حقيقي، وتعبئة التمويل البنكي للأنشطة الاقتصادية المذرة للقيمة المضافة، وإحداث مؤسسة ائتمانية لتمويل المقاولة الصغرى والمتوسطة، وإعادة النظر في اتفاقيات التبادل الحر، ومراجعة المخططات القطاعية وتقييمها، والاتجاه نحو الاقتصاد الأخضر مع يتيحه من فرص وما يقتضيه من حفاظ على الثروات وإدماج للبعد الإيكولوجي في السياسات القطاعية، كما اقترحنا التوجه نحو الاقتصاد التعاوني والتضامني والفلاحة الصغرى والأمن الغذائي والمائي، وتمتيع ساكنة القرى من المعرفة والتقنيات الحديثة، واقترحنا إدخال إصلاحات على الحكامة الاقتصادية في اتجاه شفافية المنافسة ومحاربة الاحتكار والريع والفساد الذي تضيع بسببه نقط مهمة في نسب النمو، كما أكدنا على التخطيط الاستراتيجي، وعلى دور الدولة المحوري كمستثمر ومقنن وضابط وموجه، وشددنا على مراجعة أنظمة الاستثناء والإعفاءات، وعلى إعادة النظر في سياسات الاستهداف الاقتصادي والاجتماعي، وعلى الاستثمار في تنمية المهارات المهنية وخلق جسور التقاطع بين القطاعين الفلاحي والصناعي، كما قدمنا مقترحات مدققة في ما يتعلق بالإصلاح الجبائي من خلال مذكرة خاصة…الخ

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.