عزوز صنهاجي في حوار مع جريدة الأحداث المغربية

عزوز صنهاجي: عضو الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية – ضمن الملف الأسبوعي حول الإصلاحات السياسية والانتخابية

عاد النقاش حول الإصلاحات السياسية استعدادا لانتخابات 2021،  هل معنى ذلك أن الإصلاحات التي تم اعتمادها منذ سنة 2011 في شقها الدستوري والانتخابي قد انتهت إلى الباب المسدود ؟

في تصوري، الإصلاح الدستوري لسنة 2011 متقدم وتميز بكثير من العمق والشمولية، حتى أنه أعاد تشكيل البنية المؤسساتية الوطنية، وأعاد النظر إيجابا في تقاطعاتها وتمفصلانها، وحسم في إدراج الاختيار الديموقراطي ضمن الثوابت الجامعة، كما أنه (الإصلاح الدستوري) ارتقى بوظائف الحزب السياسي لتشمل المساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية.

هذا الدستور اقتضى، بطبيعة الحال، إصدار نصوص قانونية مُستجدة، وإجراء تعديلات على أخرى كانت موجودة، إما بغرض الملاءمة النصية، أو من أجل مُجاراة أجواء ووتيرة الإصلاح السياسي التي بصمت فترة دستور 2011 وما تلاها، ومن بين ما شمله الإصلاح نجد المنظومة القانونية المؤطرة للانتخابات.

دعنا نقول مبدئيا إن طرح الفاعل الحزبي، اليوم أو في أي وقت آخر، لمسألة الإصلاح السياسي عموما هو مسألة طبيعية، بل صحية، بالنظر إلى كون بلادنا لم تجتز بعد مخاض الانتقال الديموقراطي، لكن علينا الانتباه والتمييز جيدا بين مقاربتين بهذا الصدد: مقاربة أولى، نتبناها في حزب التقدم والاشتراكية، تستند إلى منطقٍ تراكمي يروم ترصيد مكتسبات المسار الديموقراطي لبلادنا وتطويرها والارتقاء بها، ومقاربة ثانية ترتكن إلى منطقٍ كسبي يقوم، فقط، الحساب الانتخابي، بغض النظر عن وقع ذلك على تقدمنا في بناء نموذجنا الديموقراطي.

فعلا، لا يوجد حزب في العالم يمكنه ادعاء الزهد في استهداف الفوز الانتخابي، لكن المؤكد أن المقصود بكلامي هو أي المقاربتين لها الأولوية التي يتعين التمسك بها في بلدنا؟ وفي هذه المرحلة التاريخية بالضبط.

أما سؤالك عن الإصلاحات الدستورية وهل وصلت إلى الباب المسدود، فأعتقد أن تملكنا كمغاربة لوثيقة دستورية متقدمة هو مكسب كبير، وإصلاحها، إذا ما اقتضت الضرورة ذلك وتوافرت الشروط اللازمة، هو أمر عادي جدا، إنما أتصور أن الدستور الحالي، بنصه وروحه، لم يستنفذ ذاته عموما بعد، بل إن تفعيله السليم وتأويله الديموقراطي لا يزالا مطروحين بإلحاح أمام كافة الفاعلين على صعيد الممارسة.

في شق أدنى، إصلاح المنظومة القانونية المؤطرة للانتخابات باتت ضرورية، وقد راسلنا كحزب التقدم والاشتراكية في شأنها السيد رئيس الحكومة، وهو بصدد التجاوب مع الموضوع من خلال عقده لأولى الاجتماعات مع المسؤولين الأولين للأحزاب، حيث نعتقد أن ظروف وشروط إجراء الانتخابات مؤشر دال لقياس مدى تطور تجربتنا الديموقراطية، ثم إن النصوص القانونية ذات الصلة تتسم بالكثافة والتشعب والتفصيل والتعدد، ما يجعل من مراجعتها أمرا ضروريا، لكن هذه المراجعة يتعين أن توضع في سياق إعطاء نَفَسٍ ديموقراطي جديد لمسارنا الوطني وضخ دينامية قوية في فضائنا السياسي، لإعادة الثقة ومواجهة شبح العزوف، ويتعين أيضا أن يُمنح لهذه المراجعة الحيز الزمني الكافي منذ الآن لتفادي السقوط في مصارعة عامل الزمن بآخر لحظة، مما ينتج عنه في الغالب إصدار نصوص لا تمتلك عناصر الجودة اللازمة، خاصة ونحن على بعد سنة فقط من بداية مسلسل الاستحقاقات المقبلة.

تطرح في هذا النقاش قضايا من قبيل مراجعة نمط الاقتراع والتقطيع الانتخابي، هل هو بحث عن عقلنة المؤسسات الناتجة عن الانتخابات والتي تتميز بالبلقنة التي تنجم عنها حكومات غير متجانسة؟

أقل من عشرة أحزاب سياسية هي الممثلة في مجلس النواب الحالي، وخمسة أحزاب تشكل الائتلاف الحكومي القائم، وأربعة أخرى تمارس المعارضة البرلمانية: أعتقد أن الأمر، من حيث الرؤية العددية الصرفة، طبيعي ومنطقي بالنسبة لبلد يعتمد التعددية السياسية.

نعم، النقاش حول المنظومة الانتخابية لا يجب أن يقفز على القضايا الإجرائية الرئيسية، من قبيل مراجعة نمط الاقتراع، والتقطيع الانتخابي، والعتبة الانتخابية، والتمثيلية النسائية والشبابية، ولوائح الهيئة الناخبة، ومشاركة الجالية المغربية، وتوقيت الاقتراع، وقواعد الحملات الانتخابية، وآليات تحصين العملية الانتخابية من سلطة المال والنفوذ….

في شأن كل هذه المواضيع، لدينا في حزب التقدم والاشتراكية، مواقف مبدئية واقتراحات عملية معروفة، نعمل هذه الأيام على تدقيقها وتحيينها، وهدفنا يظل هو إفراز مؤسسات منتخبة ذات مصداقية وقادرة على ترجمة تطلعات ومطالب وانتظارات الناس، تتشكل من نخب مؤهلة لممارسة الاختصاصات الموكولة إليها، وبالأساس لأجل توفير شروط إنتاج هيئات منتخبة قادرة على حل مشاكل المواطنات والمواطنين، مع ضمان الحياة لتعددية سياسية حقيقية، وتقوية شفافية العملية الانتخابية ونزاهتها وسلامتها، دون إغفال رهان المشاركة بالنظر إلى ما ينطوي عليه من دلالات تتعلق بمنسوب الثقة في نموذج ومسار الديموقراطية عموما.

ما أريد أن أقوله هو أن مقاربتنا لإصلاح المنظومة الانتخابية لا تتوجه نحو ما أسميتَه البلقنة، بل تندرج ضمن فلسفة إصلاحية سياسية واسعة تتوجه إلى تطوير التجربة الديموقراطية والارتقاء بها إلى مستويات أفضل.

فمشهدنا السياسي والحزبي لا يعاني البلقنة، في اعتقادي، بقدر ما يشكو من اختلالات تتعلق بالسياق العام الذي تجري فيه العملية السياسية من جهة، وبالممارسات التي تسيء إلى صورة ومصداقية الفاعل السياسي، فبالإضافة إلى التبخيس الممنهج، هناك مظاهر أخرى تتعلق بمآلات إرادة الناخبين، وبالتحالفات التي أخضعها البعض في فترات إلى المنطق القسري بشكل يثير سخط واشمئزاز ونفور المواطن، وكذا بنجاعة الفعل العمومي للمؤسسات المنتخبة، وبمدى استقلالية القرار الحزبي لدى البعض، وبسلوك مكونات الأغلبية الأقرب إلى الصراع العلني منه إلى التضامن المُفترض…..

هذه اختلالات لن تحلها النصوص القانونية وحدها، بل إنها تحتاج إلى ممارسات جديدة ولأحزاب قوية وذات مصداقية، ولمؤسسات تعبر عن آلام وآمال الناس وتعكسهم، وإلى فضاء سياسي يتسع صدره للنقاش العمومي المفتوح على كافة القضايا الأساسية، وإلى أجواء الحرية والتعبئة والحماس والانخراط الشعبي العارم، وإلى عودة المثقفين إلى الساحة… 

بتعبير آخر، الفضاء السياسي ليس مبلقنا بالدلالة الرقمية، بل إنه محتاج إلى عقلنة الممارسات، وإلى التفعيل السليم للدستور، وإلى عقلنة الاصطفافات البرنامجية، أكثر من أي شيء آخر…..هكذا يمكن إفراز حكومات منسجمة ومتضامنة وناجعة ومُنصتة لنبض الشعب حتى لو كانت مكوناتها تختلف من حيث المرجعيات الإيديولوجية.

الملاحظ أن الدعوة إلى هذه الإصلاحات قد صدرت عن الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية، وحتى عن الحركة الشعبية، في حين يراقب العدالة والتنمية الوضع عن كثب، هل هو غير متحمس لهذه المراجعات؟ أم أنه يرى أنها تستهدف نفوذه الانتخابي؟

تنسيقنا إلى حدود اليوم يتم أساسا مع حزب الاستقلال، ومواضيع هذا التنسيق لن تقتصر على مطلب واقتراحات تعديل المنظومة الانتخابية، كما هو واضح في البلاغ المشترك بيننا الذي أصدرناه مؤخرا،  فهذا التنسيق غايته أكبر، وتتجسد في بعث دينامية جديدة بالفضاء السياسي، وتحريك الجمود الحالي، وتقوية تأثير الصف الوطني الديموقراطي على مجرى الوقائع.

أن يكتفي حزب رئيس الحكومة بمراقبة الوضع عن كثب، أو أن ينخرط في دينامية تحريك الأوضاع، فذاك شأنه، وهو حر فيه، لكن الأكيد أن حزب الاستقلال والتقدم والاشتراكية إنما يواصلان تنسيقا طبيعيا وتاريخيا لم ينقطع أبدا، ولو أنه عرف خفوتا في فترة قصيرة سابقة.

لا يتعين من جهة أخرى المبالغة في ما تسميه نفوذا انتخابيا لطرفٍ حزبي محدد، فنحن نعرف جيدا أن الخارطة الانتخابية في بلادنا غير قارة، وأن ممارسة الشأن العام تستنزف صاحبها لا سيما حين يكون أداؤه مُحبطا للرأي العام، وأن شكل التعددية ببلادنا تتيح سيناريوهات متعددة.

نعم، الحزب الذي أشرتَ إليه استفاد كثيرا في الاستحقاقات الأخيرة من بعض الخطوات التي استهدفت تحجيمه بشكل مبتذل وأدت إلى ردود فعل عكسية من الناخب، واستفاد أكثر من حالة التقاطب المصطنعة، كما استفاد من تراجع حضور القوى الديموقراطية في الساحة الاجتماعية.

الفوز في الانتخابات يظل هدفا مشروعا للجميع، لكن كن على يقين من أنَّ ذلك لن يتأتى، لأيٍّ كان، بالتعسف على قواعد ومعايير العملية الانتخابية ومحاولة تطويعها وتوجيهها في اتجاه معين،،، على هذه القواعد بالمقابل أن تكون موضوعية وعامة، ومجردة عن ضغط وحسابات السياقات المتغيرة على الدوام.

من يريد كسب الانتخابات ليس أمامه أكثر من طريق واحد: احتضان هموم الناس وتملك المصداقية والنجاعة في حل مشاكلهم، والتواجد المستمر إلى جانبهم، والانتصار إلى قضاياهم العادلة والمشروعة، والتواصل معهم بصدق وصراحة ودون ديماغوجية والوفاء بالتزاماته وتعاقداته والانسجام مع شعاراته.

كديموقراطي، أجد نفسي مقتنعا تماما بأن الفضاء السياسي الوطني يمكنه في أي لحظة أن يفرز تلقائيا سيناريوهات لنتائج انتخابية مختلفة، فقط علينا أن لا نجعل أحدا يفوز  فقط بفعل أخطائنا، والمستقبل هو للبدائل المتميزة بالنجاعة والمصداقية والامتداد، وليس للبدائل المفبركة التي يلفظها الشارع حتى قبل أن تنبثق.

بالإضافة إلى إصلاح القوانين الانتخابية هناك من يطرح مراجعة الفصل الدستوري المتعلق بتشكيل الحكومة، هل يمكن الذهاب في هذا الاتجاه؟ وهل المدة التي تفصلنا عن موعد الانتخابات تسمح بذلك؟

أنتمي إلى مدرسة سياسية تعتبر أن النص الدستوري ينبغي أن يكون مستجيبا لمتطلبات مرحلة تاريخية معينة ولسياق مجتمعي محدد، وليس لحساب سياسي أو انتخابي ظرفي قابل للتغير في أي لحظة، وإلا دخلنا في متاهة مُطالبة كل طرفٍ سياسي بتعديل القاعدة الدستورية التي لا تلائم موقعه الانتخابي الراهن، وفي ذلك عبثٌ لا يليق بالوثيقة الدستورية ومكانتها.

الفصل 47 من الدستور ينص على أنه “يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها”، وعليه فإن هذا المقتضى ينطوي على مبدأ ديموقراطي أساسي يتعلق بالمكانة البارزة التي تحتلها إرادة الناخبين.

نعم، من حيث القراءة الدستورية الصرفة، يمكن ملاحظة أن هذه الصيغة كما لو كانت تنقصها كيفيةُ مُعالجة احتمال عدم تمكن الحزب المتصدر من تكوين أغلبية، لا سيما في ظل النظام الانتخابي المغربي الذي لا يتيح فرصا كبيرة أمام حزب واحد ليحصل على الأغلبية المطلقة منفردا، وذلك ما يُضفي على مطلب تعديل الفصل شيئا من الوجاهة النسبية، لكن حينما نضع هذا المطلب  في سياقه السياسي ونستحضر كيف تصرفت بعض الأطراف الحزبية بعد إعلان نتائج 2016، فإنه لا يمكن سوى أن نستخلص أن خلفيات الموضوع ضيقة وتنم على أن أصحابه يُسَلِّمُونَ ضمنيا بعجزهم على تصدر نتائج انتخابات 2021 أو تلك التي بعدها…

كنتُ سأصدق أن الأمر موضوعي لو كان لحاملي المطلب رؤية حول تعديل دستوري أوسع، لكن التوجه الانتقائي إلى هذا الفصل بالضبط يثير أكثر من علامة استفهام.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.