مناقشة مشروع قانون يتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وبإحداث الوكالة الوطنية للسجلات

مناقشة المستشار عبد اللطيف اعمو لمشروع قانون بمجلس المستشارين

يتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وبإحداث الوكالة الوطنية للسجلات

شرع مجلس المستشارين في مناقشة مشروع قانون رقم 18.72 يتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وباحداث الوكالة الوطنية للسجلات والذي احيل عليه من طرف الحكومة بالاسبقية. وفيما يلي راي الأستاذ عبد اللطيف اعمو ، المستشار البرلماني عن حزب التقدم والاشتركية،في هذا المشروع: 

هذا المشروع نعتبره مشروعا مهيكلا وذا أهمية بالغة، لكونه يندرج ضمن المبادرات التشريعية والمتجاوبة مع التوجيهات الملكية السامية الواردة في الخطاب الملكي ليوم 29 يوليوز 2018 بمناسبة الذكرى 19 لعيد العرش، حول تحسين مردودية البرامج الاجتماعية، والدعوة إلى تحسين مردودية البرامج الاجتماعية، تدريجيا، وعلى المدى

القريب والمتوسط، من خلال المبادرة إلى إحداث “السجل الاجتماعي الموحد”.

كما أنه يسعى إلى تفعيل مقتضيات الفصل 31 من الدستور، التي تحث على تعبئة كل الوسائل المتاحة لضمان استفادة المواطنات والمواطنين – على قدم المساواة – من الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية.

الحاجة إلى تجميع الجهود وضمان التقائيتها


1- لقد عرف المغرب منذ دخول دستور 2011 حيز التنفيذ، إشكالية كيفية تعبئة كل الموارد المخصصة للتنمية الاجتماعية من أجل ضمان استفادة المواطنين، وخصوصا المستحقين منهم والمستهدفين من الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة، ومختلف أنواع الدعم التي تستهدف الفئات المعرضة للفقر والهشاشة والتهميش.

ومنذ قرابة عقد من الزمن بذلت مجهودات جبارة، ورصدت موارد هامة، من أجل إيجاد حلول للإشكاليات المطروحة،  سواء  على مستوى الميزانيات المرصودة، أو إعادة هيكلة صندوق المقاصة أو على مستوى محاولة إحداث آليات للتنسيق والالتقائية بين الإدارات العمومية والمؤسسات

والجماعات،  وكذلك مراجعة أساليب العمل للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلا أن الهدف ما يزال بعيد المنال حسب المؤشرات المتوفرة.

2- إن مشروع قانون 72.18 المعروض علينا اليوم، يمكن اعتباره في خانة الإبداعات المبتكرة من طرف الحكومة في محاولة الإحاطة بجانب دقيق ضمن السياسات الاجتماعية وتأطيره..
وهو كذلك مشروع ابتكاري يجد مكانه ضمن النماذج المماثلة المجربة في عدد من الدول، وأن ضمان إنجاحه يتطلب الاستفادة من تجارب الآخرين، والاستعانة بالممارسات الفضلى في هذا المجال. مما يتعين معه إطلاع البرلمان على بعض منها، وعلى خلاصات التقارير وأشغال اللجن الحكومية ومختلف الإدارات التي سبق أن عرض عليها المشروع.

لذلك،  فإن أول الملاحظات التي يمكن إثارتها قبل الشروع في مناقشة المشروع،  أنه يتعين تزويد البرلمان بالوثائق اللآزمة لمناقشته، حتى تتحقق الجدوى المنتظرة من هذا المشروع.


فمنذ أن أصبحت مسألة التنمية الاجتماعية، مسألة محورية، باعتبارها صمام الأمان والاستقرار، وتتطلب معالجة سريعة وعاجلة،  والحكومة منصبة على بلورة تصور شمولي للإشكاليات المطروحة،  فكان من المفروض أن تكون هناك تقارير تقييمية لمختلف القطاعات الاجتماعية (  تعليم –  صحة –  سكن –  شغل – …)  بجانب تقارير تقييمية للمبادرات المتخصصة في الدعم الاجتماعي وتقليص الفوارق ومحاربة البطالة.


هذا، بجانب إنجاز بحوث ودراسات وتقارير متعلقة بالتدخل في المجال الاجتماعي، وذلك لإنتاج المعرفة وتداولها، وإعداد خطط عمل واستراتيجيات تساعد على اتخاذ القرار الصائب، وتعبئة الفاعلين وتسهيل عملية التنسيق في مجالات الأسرة والمرأة والطفولة والمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة…، وفي قطاعات التنمية الاجتماعية بشكل عام.

خصوصا، وأن مقاربة الفئات المحدودة الدخل وواقع التهميش والهشاشة هو واقع متحرك ومتحول، لا يستقر على حال، فوجب الحرص على تحيين المعطيات وتدقيقها، بحكم أن هذا البرنامج الجديد الذي يهدف إلى النهوض بالفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل، والتي يمكن تعريفها بـ الأفراد أو الأسر التي تشكو حرمانا متعدد

الأبعاد، قد يمس الدخل والصحة والتعليم والسكن والولوج إلى الخدمات العمومية، ويشمل ظروف العيش والتفاوتات المجالية …

هذه التقارير التي من شأنها أن تمكننا كبرلمان من الاسترشاد بمعطيات رقمية ونوعية ستساهم في تجويد المشروع، وتقدم صورة لمختلف التحديات، في بعدها المالي والتنظيمي والإداري، … ليكون أكثر ملائمة مع متطلبات المرحلة،  خصوصا، وأن البلاد بصدد البحث عن نموذج تنموي معبئ لكل الطاقات، من أجل تحقيق الحدود الدنيا على الأقل من العدالة الاجتماعية،  وجعل الاستقرار كميزة اجتماعية وكثقافة وطنية أداة حقيقية لبلوغ الأهداف التنموية المسطرة مرحليا،  وتحقيق أقصى غايات التعبئة تنفيذا لمقتضيات الفصل 31 من الدستور، ولطموحات الشعب المغربي.


مما يجعلنا نتساءل عن خلاصات الحكومة حول تقييم كل المجهودات والمبادرات خلال عشر سنوات الماضية.

بلورة الآليات والإجراءات الفعالة


3- يظهر أن الهدف من مشروع القانون 72.18 يسعى إلى إرساء منظومة وطنية متكاملة ومندمجة لتسجيل الأسر والأفراد الراغبين في الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، تحت إشراف الإدارات العمومية والجماعات الترابية والهيئات العمومية، اعتمادا على معايير دقيقة وموضوعية، وعلى التكنولوجيا الحديثة.


وبتعبير آخر،  فإن المشروع يسعى إلى إقامة منظومة قائمة على ميكانيزمات الهندسة الاجتماعية ingénierie sociale، والتي ترتكز أساسا على منظومة القيم وتوظيف التقنيات والإستراتيجيات لبلوغ الأهداف المرسومة. وهو ما يتطلب تحديد الأهداف المرحلية بدقة والمراحل والوسائل التي تضمن تحقيقها بسرعة.


كما يظهر أن المشروع يسعى كذلك إلى إحداث آليات لضمان التناسق والتكامل بين برامج الدعم الاجتماعي، من خلال وضع تصور موحد لتنفيذ هذه البرامج بشكل منصف وشفاف. وتجاوز الإشكاليات التقنية التي تعيق إيصال الاستفادة الفعلية من هذه البرامج إلى الفئات التي تستحقها فعليا، بالإضافة إلى ضمان التنسيق والالتقائية في برامج الدعم الاجتماعي قصد الرفع من فعاليتها ونجاعتها.

فعلى الرغم من تعدد برامج الدعم الاجتماعي، وأهمية المبالغ المرصودة لها (نظام المساعدة الطبية، دعم الأرامل، المنح الدراسية للتعليم العالي، برنامج تيسير، … ) والتجربة التي راكمتها الإدارة المغربية في مجال تدبير أنظمة الاستفادة من هذه البرامج، إلا أن برامج الدعم الاجتماعي تحتاج عموما إلى مزيد من التنسيق والالتقائية، حتى تتوخى الفعالية والاستهداف الفاعل والفعال للفئات المحتاجة، ولتتفادى تداخل الاختصاصات وضعف التنسيق والتناسق فيما بين السياسات العمومية الموجهة لدعم مختلف الفئات المجتمعية .

لكن،  كيف نضمن تكامل هذه السياسات والتقائيتها؟ وما هي الآليات الواجب إحداثها لتصحيح الاختلالات وتجاوز الإكراهات الناجمة عن ضعف حكامة المقاربة الحالية في مجال تدبير منظومة الدعم الاجتماعي عموما،  وفي محاربة الفقر والهشاشة ودعم الاقتصاد الاجتماعي، بوجه خاص ؟


فإذا كان هذا المشروع سيساهم في صياغة الأجوبة الملائمة على هذه الأسئلة،  فإنه، بالتأكيد، لا يسمح بالجزم، بأنه على الأقل سيوقف صيرورة التراجع الذي أصبح يهدد الطبقة الوسطى، في الوقت الذي ظهر فيه أن هذه الطبقة هي الحاسم الأساسي والضامن للتوازنات في النظام الاقتصادي العالمي، والذي ينتج بوجه عام مزيدا من الهشاشة ويعمق

التفاوتات الاجتماعية والمجالية


ومن هذا المنظور،  يتعين توسيع دائرة الحوار وتبادل الرأي وقبول التعديلات الجوهرية التي من شأنها أن تساهم في جعل مشروع القانون آلة فعالة وأداة لتصحيح المسار، والإصغاء إلى كل الآراء والإطراف، خصوصا وأن مجلس المستشارين عرف في المدة الأخيرة تنظيم ندوة دولية حول الطبقة الوسطى، نتمنى أن تفيد خلاصاتها في بلورة هذا المشروع وإغناءه.

4 وما دمنا في خضم الحديث عن أهداف المشروع،  الرامي إلى وضع منظومة وطنية لتسجيل الأسر والأفراد الراغبين في الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، فإن الأمر يستدعي الاطلاع على الاستشارات الواسعة التي قامت بها وزارة الداخلية مع مختلف القطاعات الحكومية (المالية، الصحة، التعليم، السكن، الأسرة والتضامن، والشؤون العامة والحكامة…) 

ولذلك، يحق لنا التساؤل عن مضمون هاته الاستشارات. وما هي خلاصاتها؟

5- كما يتعين ضبط الآليات الرامية إلى محاربة الإقصاء

والحدّ من الفقر والهشاشة وتحديد الإجراءات الهادفة إلى الإدماج الاجتماعي والتمكين الاقتصادي للحد من الفقر والأسباب المؤدية إليه، بجانب ضبط التأطير المؤسّساتي للتّنمية الإجتماعيّة وسجل المعطيات حول الفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل.


وأخيرا، وبحكم اعتماد الدولة مستقبلا على البيانات والمعطيات والمؤشرات التي سيوفرها “السجل الوطني للسكان” و “السجل الاجتماعي الموحد” حول الفئات المجتمعية المستهدفة في وضع السياسات والإستراتيجيات وتصور وتنفيذ وتقييم البرامج والآليات الرامية إلى محاربة الإقصاء والحدّ من الفقر والهشاشة والنهوض بالفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل في مجالات الصحة والتربية والتكوين المهني والتشغيل والسكن وبرامج التنمية الاجتماعية (وطنيا وجهويا ومحليا) وبرامج الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والإدماج المالي… الشئ الذي يتطلب الدقة في تنفيذ مقتضيات هذا المشروع لتجنب الاصطدام أو المساس بالحقوق المتعلقة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، التي أقرها قانون 08.09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.

لذلك، استحسنا طلب رأي استشاري في الموضوع من اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، لإبداء رأيها الاستشاري بشأنه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.