تقرير المكتب السياسي أمام الدورة الاستثنائية عن بُعــد للجنة المركزية – السبت 16 ماي 2020

محمد نبيل بنعبد الله – الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية


مواجهة جائحة كورونا: صمودُ وطنٍ وشعب يتطلعان نحو غَــدٍ جديد أكثر تضامناً وعدالةً وتقدمًا وديموقراطي


سياق الدورة الاستثنائية عن بُعد للجنة المركزية

الرفيقات العزيزات، الرفاق الأعزاء، عضوات وأعضاء اللجنة المركزية،

تحية إليكم، وإلى كافة مُتابِعي هذه الجلسة الافتتاحية للدورة الاستثنائية للجنة المركزية، عن بُــعد، وأرجو من الله تعالى أن يُــتمم عليكم جميعا هذا الشهر الفضيل بالخير والصحة والسلامة، وأن تخرج بلادنا من هذه الفترة العصيبة سالمةً وآمنة.

بادئ ذي بدء، لا يسعنا سوى أن نترحم على ضحايا جائحة كورونا، وأن نقدم خالص التعازي إلى أهلهم، متمنين الشفاء العاجل للمصابين.

الرفيقات والرفاق،

نعقد دورةً استثنائية للجنتنا المركزية هذه في لحظة تاريخية تَعْــبُــرُها البشرية جمعاء، ومنها وطننا وشعبنا، بسبب جائحة كورونا التي هزت العالم بأسره، ولا تزال.

لحظة تاريخية دقيقة تدفعنا إلى استشعار الحاجة الماسَّة لتوسيع وتعميق النقاش وإنضاج الرؤى والأجوبة بخصوص ما سيكون عليه الغد، وطنيا ودوليا، وبخصوص دور حزبنا ومهامه المرحلية والمستقبلية في كل ذلك. 

إنها لحظة لها سِماتها الخاصة، وسيكون لها ما بَعدها، فالأوضاع غير مستقرة وديناميتها متسارعة، واللايقين الذي يسود وطنيا كما دوليا هو سيد الموقف، والعالم يوجد اليوم في منطقة رمادية لم تنقشع غيومها بعد (هناك توقعات أولية بأن يشهد الاقتصاد العالمي انكماشا حادا بواقع -3% في عام 2020).

في هذا الخضم الجارف، حرصنا، في حزب التقدم والاشتراكية، على مواصلة أداء مهامنا النضالية، ولو في ظروف الحجر الصحي الصعبة، وذلك من خلال الحفاظ على انتظام اجتماعات هيئاتنا القيادية وهياكلنا الحزبية، عن بُعد، وإصداره المواقف وبلورة المقترحات، ومن خلال استمرار عملٍ متميزٍ لتنظيماته القاعدية ومنظماته الموازية، وخاصة منها منظمة الشبيبة الاشتراكية، ومنظمة الطلائع أطفال المغرب، ومنتدى المناصفة والمساواة، ومنظمة الكشاف الجوال.

ولا يسعنا هنا سوى أن نتوجه بالتحية العالية إلى صحافة الحزب، بنسائها ورجالها، على العمل الجبار والمتميز الذي تقوم به في هذه الظروف الصعبة ذات الانعكاسات المادية القاسية، دون أن يُثنيها ذلك عن إبداء قدرٍ كبيرٍ من الصمود، ومواصلةِ إصدار جريدتي البيان وبيان اليوم، يوميا وفي شكلٍ إلكتروني، على غرار باقي الجرائد الوطنية.

إن حرصنا الجماعي على مواصلة الحياة الداخلية لحزبنا نابع من كوننا تنظيمٌ اعتاد، على مدى تاريخه النضالي، العملَ في شتى الظروف، ثم لأن حالة الطوارئ الصحية لا تتنافى مع إيجاد صيغ جديدة لقيامنا بواجبنا النضالي ومهامنا السياسية.

وهي مناسبة لكي نتوجه إلى جميع مناضلات ومناضلي الحزب، ومن ضمنهم مُنتخَباتنا ومُنتخَبينا، على امتداد التراب الوطني، بالتحية النضالية العالية، على كل الأنشطة الإشعاعية، والنقاشات العمومية، والأعمال التضامنية التي بادروا ويُبادرون إلى تنظيمها، حِرصًا محموداً منهم على الوقوف إلى جانب المستضعفين من شعبنا، والإسهام في مساعدة بلادنا على تخطي الأزمة وتداعياتها.

تحية عالية لجنود الخطوط الأمامية للمعركة ضد الجائحة

الرفيقات العزيزات، الرفاق الأعزاء،

لا شك في أن جميع مكونات بلادنا منخرطةٌ في المعركة الوطنية ضد جائحة كوفيد 19، لكن هناك من هم على الخطوط الأولى في جبهة المواجهة.

فـــتحية إجلال وتقدير لنساء ورجال المنظومة الصحية الوطنية، وإلى نساء ورجال الأمن بمختلف أصنافهم.

وتحيةُ حزبنا موصولةٌ إلى نساء ورجال التعليم، وإلى الساهرين على إنتاج وتوزيع المواد والخدمات الأساسية، وإلى عاملات وعمال النظافة، وإلى كل أولئك اللواتي والذين يقومون بتأمين شروط الحدود الدنيا لاستمرار الحياة.

ونجدد كذلك إشادة حزبنا بالتزام المواطنات والمواطنين بإجراءات الحجر الصحي، وندعو الجميع إلى مزيد من التقيد بالتدابير ذات الصلة، باعتبار ذلك الحل الوحيد، إلى حد الآن، لمحاصرة الوباء.

في هذا الإطار، نُوجه تحية وتقدير إلى جميع المواطنات والمواطنين، ونخص منهم بالذكر القاطنين في الأحياء الشعبية وضواحي المدن والبوادي، على تحملهم وصبرهم، بالنظر إلى معاناتهم المُضاعفة مع ظروف العيش القاسية، في ظل الحجر الصحي وانقطاع معظم مصادر دخلهم.

تعاطي بلادنا مع الجائحة: خيارُ الأولوية للحق في الصحة والحياة

الرفيقات العزيزات، الرفاق الأعزاء،

لقد ضربت الجائحة بقوة، ولا تزال، من غير أي تمييز بين البلدان والأفراد والفئات والأجناس والمناطق، مع العلم أن الفئات المستضعفة هي الأشد تضررا من انتشار الوباء ومن وقعه الاقتصادي والاجتماعي. 

إن قوة الوباء وغياب لقاحات أو أدوية نهائية، يُضافُ إليهما انحسارُ منظومة التعاون الدولي، بما يؤشر على فشل النظام العالمي الجديد الذي غاب فيه أيُّ تنسيق أو قرارات مشتركة موحدة للمنتظم الدولي،،، هي عوامل، من بين أخرى، فسحت المجال أمام اعتماد مقارباتٍ وطنية ذاتية للتعاطي مع الجائحة بناءً على الإمكانيات الخاصة بكل بلد.

في هذا السياق الصعب، رجَّحَ المغرب بقيادة حكيمة ومِقدامة لجلالة الملك، منذ البداية، كفةَ حياة الإنسان على كفة الاقتصاد، على خلاف عدد من البلدان الأخرى التي ترددت في اعتماد هذا النهج وتؤدي ثمن ذلك غاليا للأسف.   

ولقد أتاح هذا الخيارُ الشجاعُ اتخاذَ سلسلة إجراءات استباقية، قوية، ناجعة، وفي التوقيت المناسب، وتَــمَّ فرضُ الحجر الصحي منذ ما يناهز الشهرين من اليوم، وهو ما ساهم في تمكين بلادنا من الحد من تفشي الوباء، إذ أنه على الرغم من محدودية إمكانياتها في المجال الصحي، إلا أنها استطاعت تعبئة كل طاقاتها المادية والبشرية في ظرف زمني قياسي.

ولا شك في أنكم، على غرار كافة الرأي العام الوطني، على أتم علمٍ بطبيعة وتفاصيل الإجراءات الاحترازية الهامة المتخذة على المستوى الصحي.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تعداه إلى تدابير ذات صبغة اجتماعية واقتصادية، سعياً نحو التخفيف من وطأة الانعكاسات العميقة على المقاولة كَــمَا على المواطن، ولا سيما على الفئات الهشة اجتماعيا.

وهنا، لا بد من أن نجدد إشادة حزبنا بإحداث الصندوق الخاص بتدبير ومواجهة وباء فيروس كورونا، بقرار ملكي سامٍ، وأن نُــنـــوه أيضا بالمساهمة الواسعة فيه، إذ تجاوزت موارده إلى غاية نهاية أبريل الماضي 32 مليار درهما، وهو الشيء الذي مَــكَّــنَ بلادنا من تمويل التدابير المتعلقة بالدعم المالي المؤقت للفئات الاجتماعية الأشد تضررا من الجائحة.

ذلك، دون أن نُغفل توجيه تحية حزبنا إلى كافة الحملات التضامنية الواسعة التي تمت المبادرة إليها على المستوى الترابي من قِبلِ مواطنات ومواطنين، ومن طرف الجماعات الترابية، وعبر الجمعيات الجادة.

خيوط ضوءٍ مغربية تُــنــيــر عتمة الأزمة

الرفيقات العزيزات، الرفاق الأعزاء،

مثلما يحدث في كل أزمة، فلقد أفرزت هذه المحنة عددا من الإيجابيات، وأولها هذه الروح التضامنية العالية لدى الأفراد ومختلف الفئات والشرائح المجتمعية المختلفة.

ثم أيضا، ارتفاعُ منسوب الثقة بين الدولة والمواطن، والناتج عن الشعور بجدية وشفافية المقاربة العامة المعتمدة في مواجهة الوباء، وهو ما يحتاج إلى الترصيد للبناء عليه في المستقبل، من أجل تعزيز المواطَنة والمشاركة، ومن أجل توسيع مجال الحريات والديموقراطية.

كذلك، الاستعمالُ الخلاق للطاقات الصناعية المغربية في توفير حاجيات أساسية لمواجهة وباء كورونا، مما من شأنه أن يفتح باب الأمل الأقوى في الاعتماد على طاقاتنا الصناعية الذاتية لتوفير الحاجيات الأساسية المختلفة للبلاد.  

كما تابعنا جميعا كيف تفتقتِ القدراتُ الابتكارية للشباب والباحثين المغاربة والمختبرات الجامعية والطبية، وهو ما يدفعنا إلى مزيد من التأكيد على ضرورة تشجيع البحث العلمي والبحث من أجل التطوير /La Recherche Développement .

في نفس الوقت، ولعله أبرز وأهم الإفرازات القيمية للأزمة، سجل الجميع تزايد استشعار عموم المواطنات والمواطنين لأهمية دور الدولة الراعية والإنمائية في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، وبحيوية القطاع العمومي الذي تَصَدَّرَ المعركةَ وتَحَمَّلَ مُعظمَ أعبائها، وهو ما ينبغي ترسيخه في الوَعيِ الجماعي للمواطنين، وجعله خيــــــــارا لا رجعة فيه بالنسبة للمقاربة العامة التي تحكم سياساتنا العمومية الوطنية.   

ذلك كله وغيره، دون أن ننسى تسجيلَ بدايةِ انبثاق منطلقات عقلانية في الخطاب الديني، في مقابل انكماش الخطاب التقليداني والغيبي المنغلق، وهو الأمر الذي يدعو إلى الحرص على تعزيز هذا المسار في المستقبل.  

مع كل ذلك، هناك هفواتٌ ينبغي استدراكها

إن تثمين المقاربة العامة التي تنتهجها بلادنا في مواجهة الجائحة، لا يُعفينا من ممارسة دورنا، كحزب وطني مسؤول وبَــنَّـــاء، في التنبيه إلى بعض النقائص التدبيرية،،، فنحن نوجد في لحظة وحدةٍ وطنية ضد الوباء نعم، لا يمكنها إلا أن تتعزز بالدور الاقتراحي الإيجابي للقوى الحية ببلادنا، بهدف توطيد فضائنا الديموقراطي والارتقاء بدور مختلف المؤسسات المخول لها دستوريا تأطير المواطنين والمساهمة في إنتاج المواقف والتصورات المتعلقة بتدبير الشأن العام.

فعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، سجلنا شوائب في آليات تنفيذ مسطرة الاستفادة من الدعم المالي المؤقت الذي حُرمت منه عديدُ الأسر، لا سيما في ضواحي المدن والبوادي والمناطق النائية،،،، كما تأخرتِ الاستفادةُ الفعليةُ للأسر بالعالم القروي وللفلاحين الصغار من إجراءات الدعم، على الرغم من تأثرهم المزدوج بانعكاسات الجائحة والجفاف معاً.

كما طُرحت بحدة مسألة مدى تكافؤ الاستفادة من خدمة التعليم عن بُعد، لا سيما بالنسبة للأحياء الهامشية والفقيرة في المدن وفي العالم القروي، وذلك بالنظر إلى ضعف التوفر على الشروط والأدوات الرقمية الضرورية. 

في ذات الوقت، تابعنا كيف تفاوَتَ أداءُ قطاع التعليم الخصوصي بين الملتزمين بمبدأ التضامن الوطني، وبين المُصِرِّينَ على البحث عن الربح بأي شكل من الأشكال، ودون اعتبارٍ للظرفية.

أيضا، وقفت بلادنا على واقعٍ ما فتئنا نُطالب بإصلاحه، ويتعلق الأمر بانكشاف حجم وآثار عدم التصريح لجزء عريض من أرباب القطاع الخاص، بالإضافة إلى القطاع غير المهيكل، بالأجراء لدى صندوق الضمان الاجتماعي.

وللوقوف عند جسامة الموضوع يتعين تسجيل أنَّ عدد الساكنة في سن النشاط في سنة 2019 فاق 26 مليون شخصا، منهم 12 مليون نشيطون و14 مليون خارج سوق الشغل، والأدهى من ذلك أن عدد الأجراء النشيطين المصرح بهم لدى صندوق الضمان الاجتماعي لا يتجاوز 3.38 مليون أجيرا،،، وتلاحظون أن هذه الأرقام تنطق بمفارقة صارخة وعجيبة تخترق عالم الشغل وتؤثر بشكل عميق في الأوضاع الاجتماعية. 

أما بالنسبة للقطاع البنكي، فَمَعَ وعينا التام بالأهمية القصوى لتوازنه المالي وضرورة الحفاظ عليه، إلا أنه مدعوٌّ إلى تحمل نصيبه من التضحية، وإلى تجاوز تردده في الاضطلاع بمسؤوليته التضامنية كاملةً إلى جانب الدولة وباقي مكونات القطاع الخاص الوطني، من خلال تقديم التسهيلات الفعلية لفائدة المقاولات والأشخاص الذاتيين، اليوم وفي ما سيأتي من أيام أصعب، وذلك في سياق العمل من أجل إنعاش الاقتصاد الوطني.

وفي المجمل، برزت، بشكل جلي، هشاشةُ أوضاع الشغل والمقاولة والأوضاع الاجتماعية، كميا ونوعيا، حيث أنه ارتكازا على الأرقام التي أدلت بها وزارة المالية بخصوص الاستفادة من إجراءات الدعم، نستشف أن وضعية الهشاشة الاجتماعية مُستشريةٌ بشكل كبير في مجتمعنا.

فقد صرحت المقاولات بما يفوق 800 ألف أجير متوقف مؤقتاً عن العمل، وهذا فقط من بين المنخرطين في صندوق الضمان الاجتماعي طبعا، أما أرباب الأسر المتوفرين على بطاقة نظام المساعدة الطبية “راميد” فقد بلغ عدد المعنيين منهم بالمساعدة المالية الاستثنائية 2 مليون و300 ألف مثّل فيها العالم القروي 38%،،، كما بلغ عدد الأسر المعنية بالدعم، والتي تعمل في القطاع غير المهيكل ولا تستفيد من خدمة راميد، حوالي 2 مليون.

إن هذه الأرقام لوحدها كافيةُ الدلالة، ولكم أن تتصوروا الأعداد الإجمالية للمواطنات والمواطنين الذين لا يتوفرون على الحماية الاجتماعية اللازمة والكافية.

وإلى جانب هذا وذاك، انضافت صعوبةُ إيجاد حل بالنسبة للمغاربة العالقين بالخارج، مع تسجيل مجهودات العناية بهم والسعي نحو إعادتهم إلى حضن الوطن.

أما على المستوى السياسي والمؤسساتي والإعلامي، فقد تَوَضَّحَ أكثر ضعفُ الحضور السياسي والإعلامي للحكومة كجسد واحد، بل الأدهى من ذلك أن الحكومة بأغلبيتها كادت أن تنسف وحدةَ صف مكونات بلادنا حينما أقدمت على محاولة إخراج قانون تكميم الأفواه المرفوض والمنبوذ، قبل أن تتراجع عنه بفعل ضغط ويقظة المجتمع وقواه الحية، مع العلم أن القوانين ذات الأهمية الخاصة، عموماً، لا تستقيم معالجتها والشعب منشغلٌ في غمرة حالة الطوارئ، حيث من المفترض أن تكون أنظارُ وسَوَاعِدُ كل أطياف المجتمع متوجهةً صوب التفكير فقط في كيفياتِ تجاوز الأزمة، وليس نحو اقتناص البعض للفرصة من أجل محاولةِ تمريرِ ما من شأنه التشويشُ على وحدة اللحمة الوطنية، متخفــيًا تحت جُنحِ الظلام.

وعلى هذا المستوى، نُطالب الحكومة مُجددا بسحب هذا المشروع المشؤوم فورا ونهائيا، وليس مُجردُ إرجاء النظر فيه، لأنه غير صالح ولا مقبول، لا اليوم ولا غدا،،، كما نوجه للحكومة نداءً من أجل أن تكف عن التطاحنات والتجاذبات العقيمة في ما بين مكوناتها، والانكباب بالمقابل كليا وبشكل موحد على مواجهة هذه الجائحة بانعكاساتها الحالية والمستقبلية.

أيضا، تم تسجيلُ عدم إشراك الأحزاب السياسية والفعاليات الوطنية المختلفة، بالشكل المناسب وبالقدر المطلوب، في النقاش العمومي عبر منابر الإعلام العمومي، للإسهام في تقوية التعبئة الوطنية ومناقشة الأوضاع الحالية والمستقبلية المرتبطة بمواجهة الجائحة.

في هذا السياق، عَــبـــَّـــرَ حزبُنَا عن استعداده من أجل الإسهام في المجهود المتعلق بإفراز سيناريوهات الخروج التدريجي من حالة الطوارئ الصحية، وبسبل إنعاش الحركة الاقتصادية والحياة الاجتماعية، علما أن العمل الذي تقوم به لجنة اليقظة الاقتصادية على هذا الصعيد من شأنه أن يتعزز، في إطار احتضانه المطلوب من قِــبَــلِ الحكومة، بإشراك مختلف المؤسسات الدستورية والفعاليات السياسية والفرقاء الاجتماعيين. 

وبالإضافة إلى ذلك، رَصَدْنَا كيف انحسرتِ المقاربةُ الترابية، من خلال عدم إسناد أدوارٍ أكثرَ نجاعةً للجماعات الترابية في مواجهة الجائحة، وهي المؤسساتُ التي يتعين، في هذه الظروف على وجه الخصوص، الحفاظُ على اختصاصاتها الكاملة وأدوارها الأساسية المندرجة في إطار الديموقراطية الترابية.

كلها، إذن، ملاحظاتٌ على الواجهة السياسية والمؤسساتية والإعلامية، للتأكيد على أن حالة الطوارئ الصحية لا يمكن، بأي شكل من الأشكال، أن تعنيَ الانزياح نحو حالة طوارئ مُسيئة للديموقراطية ، حيث من الواضح أن خير سبيل لتمتين الوحدة الوطنية في مواجهة آثار هذه الجائحة هو توسيع المساهمة البناءة لكافة الفعاليات الوطنية وعلى جميع المستويات.

الحاجة المُلحة إلى نقاش عمومي

رفيقاتي، رفاقي،

الواقع أن حجم التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية، وحتى السياسية، التي تُحدثها إلى حدود الآن جائحة كورونا، لا أحد يعرف المدى الذي يمكن أن تبلغه، زمنيا ونوعيا، لكن المؤكد هو أن عَالَــمًا جديدا بصدد الانبثاق، والبشرية توجد على مشارف نقطة انعطاف تاريخية، إن لم تكن قد خَــطَــتْ فعلا خُطواتِــهَا الأولى نحو تاريخٍ إنساني جديد.

فهذه الجائحة جعلت الإنسان، أفرادا وجماعاتٍ ومؤسسات، مضطرا لأن يشرع في مراجعة كثير من المسلمات والبديهيات، وُجوديا وثقافيا وقيميا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا وإيكولوجيا.

وفي لحظة فارقة كهذه، تبرز الضرورة التاريخية والعملية القصوى لفتح النقاش العمومي وتكثيفه، سواء بخصوص المغرب الذي ننشده، أو بخصوص العالم الذي ينبغي أن يكون.

ويظل دورنا في هذه المرحلة، كحزبٍ وطني تقدمي ديموقراطي، هو الدفع نحو بزوغ هذا النقاش أولا، ثم الإسهام فيه بثقة ومسؤولية وموضوعية، وهو ما كنا سباقين إلى القيام به في الفضاء السياسي المغربي منذ الأيام الأولى من المعركة ضد الجائحة، ونواصله اليوم،،، هدفنا في ذلك تحويل الطاقات إلى دينامية اقتراحية وترافعية، وإلى قوة مادية فاعلة ومُبادِرة. 

ذلك، دون أن نغفل ولو للحظة واحدة، أن التحدي الوطني الأولوي الذي يستأثر باهتمامنا في الوقت الراهن هو أن تخرج بلادنا منتصرة وسالمة من الجائحة، ليأتي بعده الرهان الأكبر متمثلا في سُبلِ  تَمَكُّنِ بلادنا من تحويل الأزمة إلى فرصة للتقدم تنمويا واجتماعيا وديموقراطيا.

مخاض عسير وأسئلة كبرى أمام مغرب الغد  في أفق واقع جديد ينبثق

لا يمكن لأحد أن يًــدَّعِيَ، منذ الآن، أن الغد صار واضح المعالم، وطنيا أو دوليا، ومع ذلك فتحليلنا الملموس للأوضاع في ديناميتها، وإنْ كان ينطوي على الجرعة اللازمة من التحفظ والنسبية، فإنه بالمقابل يتأسس على عناصر الواقع الملموس، في سعيٍ نحو استشراف المستقبل، وذلك انطلاقا من مرجعيتنا الفكرية الاشتراكية وتوجهاتنا التقدمية الديموقراطية، مع العلم أن الأجوبة على إشكالات الحاضر والمستقبل ترتهن إلى حد بعيد بمدى القدرة على وضع الأسئلة الصحيحة والمناسبة.    

فالواقع الملموس على الأرض اليوم هو الذي يؤكد، أكثر من أي وقت مضى، فشل التوجهات القائمة على سيادة الرأسمال، والاعتماد المطلق على المبادرة الخاصة واقتصاد السوق، في تدبير حاجيات الإنسان وتقوية مناعة الدول وبناء عالم متطور،،، فجائحة كورونا لم تعمل على إلغاءِ الأزماتِ السابقةَ للرأسمالية بغطائها النيوليبرالي، بل زادت في فضحها وكشفها وتعميقها، وأكثر من ذلك: وَلَّدَت أزماتٍ أخرى لا تقل كارثية عن سابقاتها.

ولطالما أكدنا، من موقعنا اليساري التقدمي، أن البشرية، قبل زمن كورونا، كانت سائرةً نحو إفناء نفسها بنفسها، من خلال استنزاف ثروات كوكبنا وتلويثها، وعبر الإمعان في استغلال الإنسان، وتبضيع القيم، وتقديس الفردانية، وتركيز الخيرات في أيدي طبقات ومجالات معينة دون أخرى.

واليوم، من المُتعين والمُرَجَّحِ، معًا، أن تكون جائحة كوفيد 19 مقدمةً لتغيير أنماط الإنتاج والاستهلاك، في اتجاه بناء اقتصادات اجتماعية لصالح الإنسان، مع استحضار البعد الإيكولوجي في الاستراتيجيات التنموية. وإذا لم يحدث ذلك، فعلى القوى التقدمية التي تنهل من الفكر الاشتراكي التحرري المتجدد أن تُجسد البديل على أرض الواقع، نظريا وعمليا، وأن تدفع في هذا الاتجاه حتى يتحقق.

فالفرصة تاريخيةٌ أمام هذه القوى التقدمية، الاجتماعية والسياسية والبيئية، عالميا وفي بلادنا، لتملأ ساحة النقاش الإيديولوجي والفكري والسياسي، ولتحول الأفكار البديلة إلى قوة مادية للتغيير، ولتعزز وتؤطر هذا التصاعد الذي تشهده الحركة الاجتماعية عالميا في هذه المرحلة التاريخية. 

 فهذه القوى التقدمية، ونحن جزءٌ منها، هي التي تحمل في جيناتها مسألة الديموقراطية والحريات والمساواة، وتؤمن بالدور الرئيسي للدولة في الاقتصاد دون أن تُــنــكر مكانة القطاع الخاص، وهي التي تُــعلِــي من شأن القضية الاجتماعية إلى مرتبة الأسبقية، وتدافع بشراسة عن القضايا الإيكولوجية واحترام الطبيعة، وهي التي تَعْرِفُ وتُقَدِّرُ أكثر من غيرها قيمة التخطيط الاستراتيجي.

ذلك أنه على امتداد سنوات طويلة ماضية، برزت، عالميا ووطنيا، مقارباتٌ قائمة على الشعبوية والشوفينية، وعلى التطرف اليميني والتعصب الديني. وعلى قوى اليسار، اليوم، أن تلتقط هذا الرجوع القوي إلى مبادئها العامة التي برزت مجددا مع أزمة كورونا، لتتبوأ مكانتها في المشاهد السياسية الوطنية. إننا على وعيٍ تام بعدم بساطة هذه المهمة، وبأننا معنيون بها مباشرةً على الصعيد الوطني.

من جهة أخرى، عانت معظمُ الشعوب وعددٌ من الدول من الأحادية القطبية التي هيمنت على القرار داخل الهيئات والمنظمات الأممية، وسخرتها لخدمة أجندة الرأسمال العابر للحدود والباحث عن الفرص والأرباح والمواد الخام وفتح الأسواق متسببا في الحروب والمآسي الإنسانية.

ولقد حان الوقت لكي تتشكل قوى ضغط موازية إيجابية باتجاه قيام نظام عالمي إنساني بديل، ومراجعة أدوار هيئة الأمم المتحدة وجميع المؤسسات الدولية الاقتصادية والاجتماعية والمالية، لجعلها أكثر إنصافا وديموقراطية وشفافية وحياداً.

فتفكيرنا يتعين أن ينصب على الأشكال الجديدة الممكنة للعلاقات الدولية، بما يُتيح تجسيد مبادئ الأخوة والتضامن بين الشعوب، حيث أظهرت أزمة كورونا عودةً قوية إلى الحمائية والانغلاق، وانهيارًا لأسطورة التكتلات والقوى الاقتصادية التي لا تُقهر، مما يكشف أن العلاقات الدولية المبنية على المصالح فقط لا يمكن أن تُــشكل جوابا سليماً على حاجيات وتطلعات البلدان والشعوب، ويتعين بالمقابل إضفاء طابع التضامن الإنساني على العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف.

ارتباطا بذلك، علينا أن نساهم في صياغة المفاهيم الجديدة التي يُمكن إعطاؤها للسيادة الوطنية وللاستقلال الوطني في زمن ما بعد كورونا، فلقد أبانت الأزمة أن العولمة السائدة ضِدًّا على مصالح الشعوب ليست قَــدَرًا مُحَتَّمًا على البشرية، وأنه بالإمكان بناء عولمة إنسانية بديلة.

في هذا الإطار، بالضبط، يتعين على المغرب تمتينُ قدراته الاقتصادية الإنتاجية والتنافسية، على أساس الاعتماد على ذاته، إلى أقصى حد ممكن، في توفير حاجياته الأساسية، مما يستدعي، من بين ما يستدعيه الأمر، مراجعةُ اتفاقيات التبادل الحر في اتجاه ترجيح مصالحه الوطنية العليا، وإعادة النظر في سياسته الاستيرادية، والسعي نحو الحد منها من خلال الارتكاز على إنتاجه المحلي، وكذا من أجل مزيد من تنويع علاقاته الاقتصادية، لا سيما من خلال تعزيز حضوره الإفريقي، حيث أن بلدنا يرتبط اليوم مع دول الاتحاد الأوروبي بنسبة تقترب من  70 % من مبادلاته التجارية.

ويتعين على هذا المستوى الإشادة بالمبادرة الملكية السامية الهادفة إلى إحداث أرضية وآلياتٍ إفريقية مشتركة لتدبير ومواجهة جائحة كورونا وانعكاساتها الحالية والمستقبلية.

ولعل من أشد الإشكالات إثارةً للقلق والمخاوف هي أن العالم اليوم يقف على الحجم الهائل للكوارث الطبيعية التي أدى إليها الاستغلال الفاحش والهمجي لخيرات الأرض، وعلى هول تأثيرات التغيرات المناخية ومخاطرها، كما يقف على حقيقة أن الأوبئة أضحت تشكل تهديدا حقيقيا وثابتا للبشرية.

فلقد حان الوقت من أجل أن ترتقيَ الشعوب والدول إلى مستوى الوعي بأن مصيرها مشترك، أما على الصعيد الوطني فينبغي اعتماد نموذج تنموي مُحترِم للبيئة، ومُحافِظ على حقوق أجيال المستقبل، ومُدمِج لآليات ومقاربات مواجهة وتدبير المخاطر مهما كان نوعها وحجمها.   

في نفس الوقت، لا يستقيم خلق الثروات وتقوية الاقتصاد الوطني وإحداث مناصب الشغل الكافية، سوى من خلال دعم المقاولة الوطنية، وعبر تصنيعٍ حقيقي محوره الطلبُ الداخلي الذي يُغنينا عن الاستيراد المفرط، وكذا من خلال سياسة فلاحية تحافظ على الموارد الطبيعية والمائية وتستهدف تحقيق الأمن الغذائي وتُدمج الفلاحة التضامنية والفلاحة الصغرى ضمن أجندتها المحورية، وهو ما يقتضي إعادة النظر في مخطط المغرب الأخضر ومراجعة توجهاته وآلياته، من خلال تقييمٍ موضوعيٍ لأدائه ولنتائجه المَوْضُوعَيْنِ في موضع تساؤلٍ طويل عريض.

فوق هذا وذاك، سيمر المغرب، والعالم، من أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة جدا بعد الخروج التدريجي من فترة الحجر الصحي، حيث حسب بحثٍ أجرته المندوبية السامية للتخطيط: في بداية أبريل المنصرم كانت نحو 57٪ من المقاولات قد أوقفت نشاطها بشكل مؤقت أو دائم، مما قد يكون ترتب عليه أن 27٪ من المقاولات اضطرت إلى تخفيض اليد العاملة بشكل مؤقت أو دائم، وهو ما يعني تخفيض ما يعادل 20٪ من اليد العاملة في المقاولات المنظمة، ولكم أن تتصوروا الوضع خلال الشهور اللاحقة.

كما أنه بحسب آخر مراجعة قامت بها المندوبية بخصوص توقعات الاقتصاد الوطني خلال الفصلين الأول والثاني من 2020، باعتبار المعطيات المحصل عليها إلى غاية 20 أبريل من 2020، يُنتظر أن يحقق الاقتصاد الوطني نموا لا يتجاوز 1,1٪ خلال الفصل الأول من 2020 و1,8-٪ في الفصل الثاني، كما يُرتقب أن يشهد الطلب الخارجي الموجه للمغرب تراجعا بنسبة 12,6٪.

فالمطلوب اليوم هو اعتماد المقاربات البديلة والكفيلة بضخ نفس جديد في الاقتصاد الوطني وإعادة تحريك آلة الإنتاج، للحفاظ على مناصب الشغل وحماية الأوضاع المعيشية للفئات المستضعفة العريضة من شعبنا، حتى لا تتحمل لوحدها كامل أعباء هذه المرحلة.

ومن الضروري هنا أن نُــعِــيدَ التأكيد على توجهنا القائل بأن خلق الثروات من خلال الميكانيزم الاقتصادي ليس هدفا في حد ذاته، ولن تكون هناك جدوى منه، إذا لم يقترن بعدالة توزيع الخيرات، وبالسعي القوي نحو القضاء على كافة أشكال الهشاشة الاجتماعية والمجالية.

وعلى هذا الأساس: يتعين تعميم وتقوية الحماية الاجتماعية، وتعميم ومأسسة التضامن الوطني، اجتماعيا ومجاليا، وتأمين دخلٍ أدنى دائم يضمن الكرامة لفائدة المعوزين من أفراد شعبنا، مع ما يتطلبه ذلك من تجميعٍ التقائيٍّ لكل أنظمة وبرامج الدعم الاجتماعي، واعتمادٍ على السجل الاجتماعي الموحد الذي آنَ أَوَانُ إخراجه إلى حيز الوجود،،، ثم اعتماد إصلاح جبائي ناجع ومُنصف  يُساهم في التوزيع العادل للثروة اجتماعيا ومجـــــاليا.

وينبغي اليوم العمل على إحداث ضريبة على الثروة، وكذا توسيع الوعاء الجبائي، والمحاربة الناجعة للغش والتملص الضريبيين، لضمان المساهمة الدائمة للجميع، كل حسب إمكانياته، في تحمل تكاليف المجهود التنموي الوطني.

في هذا السياق، أبانت الأزمة على أن الاعتماد على القطاع العمومي وعلى الدولة الديموقراطية الاجتماعية الإنمائية، بأدوار استراتيجية أساسية في الاستثمار المباشر، وفي وتوجيه الاقتصاد، وفي التقنين والضبط والتدخل، هو الجواب الأكثر موثوقية ونجاعة الذي يتعين استثماره بالشكل الأنسب، كما يتعين فتح آفاق حكامة جديدة قائمة على اللامركزية وعلى تفعيل دور الدولة الترابية.

لكن سيكون عبثاً أن نُسند نظريا للدولة ممارسةَ كل هذه الوظائف الاجتماعية الحيوية من دون التفكير في سُبُلٍ تمكينها من الموارد الكافية، بعيدا عن التقشف وعن إثقال كاهل الأجيال اللاحقة بالمديونية،،، فكيف لها مثلا أن تجد الإمكانيات الكافية من أجل تشييد نظام صحي عمومي ناجع، جيد، ومفتوح أمام جميع الفئات؟ ومن أجل بناء مدرسة عمومية كفضاءٍ لتكافؤ الفرص والجودة والتميز والانفتاح؟ ومن أجل تأسيس تكوينٍ مفتوح على مهن المستقبل؟ ومن أجل تعميم وسائل الرقمنة لدى مختلف الفئات والمجالات، وخاصة التي تعيش في ظروف الخصاص والتهميش.  

إن الوضع يقتضي ضرورة إحداثِ قطيعةٍ مع المقاربات التي تعتبر نفقات التعليم والبحث العلمي والمعرفة والتكوين والصحة مجرد أعباء مالية على الميزانية، عوض وضعها على قمة هرم الاستثمار، ألا وهو الاستثمار في الإنسان.

وعلى هذا المستوى، يتعين الإقرار، وبلادنا تتأهب لإعطاء نفس جديد للاقتصاد الوطني بعد عبور مرحلة مواجهة الجائحة، أن السبيل الأنجع يكمن في اعتماد التوازن الخلاق بين الصرامة الميزانياتية للحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية الضرورية، وبين السماح بعجزٍ ميزانياتي مُتحكم فيه يتفادى السقوط في الاستدانة الخارجية المفرطة، بغية التمكن من تمويل المجهود الاستثماري الاقتصادي والاجتماعي الوطني والحفاظ على مناصب الشغل وعلى القدرة الشرائية الكفيلة بدورها بتشجيع الاستهلاك الداخلي وتحريك عجلة الاقتصاد برمته. 

في هذا السياق، من شأن إطلاق دينامية أوراش كبرى مجالية وجماعاتية، تُعبَّأُ فيها جميعُ طاقاتنا الشبابية بقدراتها ومعارفها، أن يُسُهِمَ في إنعاش المجهود التنموي لبلادنا في مرحلة ما بعد الجائحة.  

الرفيقات والرفاق،

ليس خافيا عليكم، أن الآلةُ الإيديولوجية والإعلامية الرأسمالية سَعَت، بلا هوادة وعلى مدى عقود طويلة، نحو صناعة الاستيلاب والقضاء على القيم الإنسانية الجماعية.

وليس هناك أجدى من الثقافة والفكر والإبداع لمواجهة الآثار المدمرة لهذه السياسة المُــستَــلِــبَــة، من أجل إحلال القيم الإنسانية مكان قيم التبضيع والاستهلاك والفردانية. فقد حان الوقت اليوم أمام المثقفين للعودة بقوة إلى إنتاج الأفكار والمفاهيم والقيم التي تجعل من الإنسان غايةَ ومُنتهى أيِّ مسلسل تنموي، كما ينبغي إيجاد السبل الملائمة لتقوية البحث العلمي الوطني وفضاء المعرفة والابتكار والحد من هجرة الأدمغة.

فليس هناك أنسبُ من هذه المرحلة لكي يستنهض المثقفون والمبدعون والباحثون هِمَمَهُم من أجل توظيف المرجعيات الحضارية والقيم الإنسانية والوطنية النبيلة في عملية بناء الوطن والمواطن على أسس جديدة ومتينة.

فوق ذلك، تظل قضية المساواة الكاملة بين النساء والرجال مطروحة بقوة ضمن أجندة الحاضر والمستقبل في بلادنا، فقد أكدت أزمة كورونا صحة ما يكافح من أجله حزبنا، إلى جانب باقي القوى الديموقراطية، من كون أي مجهود تنموي لا يمكنه أن يستقيم في غياب نصف طاقة المجتمع، ودون مساواة حقيقية، إذ تُشير الدراسات مثلا إلى أن التمكين المالي للنساء في أي بلد نامٍ يزداد عمقا بنسبة 16%  كلما توفرت الحماية القانونية للنساء من مظاهر التحرش والعنف.

وتُظهر وقائع أزمة اليوم أن المرأة المغربية تعاني أكثر من الهشاشة الاجتماعية ومن الفقر والإقصاء بصيغة المؤنث، ولكنها، بمفارقة عجيبة، توجد ضمن طليعة جنود مواجهة الوباء، طبيبةً وممرضة، وامرأة أمن، وعنصرا ضمن أفراد السلطة العمومية، ومسؤولة إدارية، وعاملةً في قطاع توزيع المواد الغذائية، وعاملة زراعية،،، ولكنها أيضا ربة بيت وأم ساهرة على تعلم أبنائها عن بُعد.

الحاجة إلى تعاقد سياسي جديد وإلى ميثاق اجتماعي يحفظ السلم الاجتماعي

في نهاية المطاف، إن ما نطرحه من مقاربات وتصورات وتساؤلات، إنما يعني أننا ننادي إلى تعاقد سياسي جديد، يقوم على ميثاق اجتماعي يحفظ السلم الاجتماعي، أطرافه الدولة والنقابات وأرباب العمل،،،، ميثاق اجتماعي يستند إلى تفعيل الديموقراطية والحريات والمساواة، من أجل توفير أجواء التعبئة الشعبية، فضلا على مخطط اقتصادي واجتماعي طموح ومُتشاور بشأنه،،، تعاقد سياسي جديد يُعيد ترتيب الأولويات على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإيكولوجية والثقافية والعلمية، وبالخصوص على صعيد كل ما من شأنه تأهيل وتكوين الإنسان وتوفير الحماية الاجتماعية له.

ولقد فسرنا كل هذه المقترحات وغيرها، بتفصيل، ضمن وثيقة حزبنا التي أسهمنا بها في مناقشة النموذج التنموي البديل، حيث يقوم تصورنا، الذي تؤكد وقائع اليوم صوابيته، على خمسة مرتكزات، لا بأس من التذكير بها: وضع الإنسان في قلب العملية التنموية، نمو اقتصادي سريع ومضطرد، تحسين الحكامة وضمان مَنَاخ مناسب للعمل والأعمال، البُعد القيمي والثقافي والمجتمعي، ثم الديمقراطية لحمل النموذج التنموي.

وسنعمل على إبراز مضامين هذه الوثيقة الهامة التي أنتجها حزبُــنا مجددا عند خروج بلادنا من أوضاع الحجر الصحي، وذلك بالنظر إلى ما تنطوي عليه مضامينُها من مقارباتٍ واقتراحاتٍ ناجعة لتفعيل نموذج تنموي جديد.

الرفيقات العزيزات، الرفاق الأعزاء،

تأتي في النهاية، وهي في الواقع البدايةُ والنهايةُ، الأسئلةُ السياسية والديموقراطية التي مُنطلقها هو المُضِيُّ قُـدُمًا في تفعيل دستور 2011، وفي تقوية مكانة المؤسسات الديموقراطية، وفي تعزيز دور الأحزاب السياسية في تدبير الشأن العام تفعيلا للخيار الديموقراطي المنصوص عليه دستوريا.

إن مقاربتنا المعروفة لهذه الأسئلة تتأسس على اقتناعنا الراسخ بأن الديموقراطية لازمةٌ للتنمية والاستقرار، كما أن الصعوبات التي سيواجهها بلدنا في تدبير مرحلة ما بعد جائحة كورونا تجعلنا أشد اقتناعا بالحاجة إلى نَفَسٍ ديموقراطيٍ جديد يُقَوي الفضاء السياسي ويعزز الحريات الفردية والجماعية، ويقوي منظومة حقوق الإنسان، ويساهم في توطيد التعبئة والالتحام والوحدة والثقة لمواجهة تحديات المستقبل.

لقد ساهمت الأجواءُ التي تمر منها بلادنا، من خلال التفاعل الاستباقي للسلطات العمومية على مستويات مختلفة في مواجهة جائحة كورونا، في إحداث تصالحٍ حقيقي بين فئات واسعة من شعبنا وبين الدولة بمختلف مؤسساتها، وهو ما أسهم بدوره في تقوية منسوب الثقة الذي كان قد وصل إلى مستوياتٍ متدنية، كما دّلَّــتْ على ذلك أرقام البحث الوطني حول الهجرة المنجز في أواخر سنة 2019، والتي أشارت إلى أن ما يقارب 23.3% من المغاربة غير المهاجرين كانوا في وقتِ إنجازِ البحث ينوون الهجرة، كما بلغت نسبة نية الهجرة لدى الأشخاص غير المهاجرين العاطلين عن العمل 51%، ولدى النشيطين المشتغلين 22%.

وعليه، فإن اللحظة الراهنة هي الأنسب لإطلاق نفس ديموقراطي وتنموي جديد، من شأنه أن يعزز الجبهة الوطنية الداخلية، وأن يُرسخ ثقة المواطنات والمواطنين في وطنهم.

ذلك أن التاريخ يعلمنا أن الإصلاحات الأساسية تُباشرها الدول والشعوبُ إبان، أو على إثر، الأزمات التي تتحول بفضل المُراجعات الضرورية إلى فرص للتقدم،،، أما انتظار مرور الشدة وإغلاق القوس من أجل العودة إلى سابق المقاربات والممارسات، فهو أمرٌ لن يخدم بلادنا في شيء، إن لم يكن سوف يُضرها في كثير من الأشياء.

ولأن التغيير هو مُحصلة قوة مادية دينامية ونتيجةٌ لتفاعلات مجتمعية مادية، ولا يتحقق فقط بمجرد المُطالبة به أو الترافع لأجله، فإننا نعتقد أن الوقت ملائم لتطوير ما أسميناه: الحركة الاجتماعية المواطنة، والتي من شأنها أن تُحدث الفارق الإيجابي لفائدة تقدم وطننا وشعبنا.

إن انبثاق هذه الحركة يتأسس على تكامل وتظافر وتلاقي جهود وطاقات ومبادرات كافة القوى الحية الديموقراطية والتقدمية والحقوقية والشبابية والنسائية والمهنية والجمعوية والنقابية، وكل أنصار أفكار ومُـثُــل البناء الديموقراطي والتقدمي، وجميع المدافعين عن الارتقاء بأوضاع مجتمعنا من أجل النماء والعدالة الاجتماعية.

أيضا، يُطرح اليوم بحدة سؤال اليسار، في العالم وفي المغرب، ولماذا لا يكف عن التراجع منذ عقود؟ وهو الذي يحمل آلام وآمال الشعوب؟ وأي آفاق لوحدته برغم تعدده؟ وأي دور لحزبنا في ذلك، ونحن الذين لم نذخر جهدا في السعي نحو الجبهة الوطنية ونحو وحدة اليسار الذي توجد أمامه اليوم فرصة تاريخية لتجميع قواه استجابةً لهذه الحاجة التاريخية إليه.

وفي سياق العمل على تقوية الجبهة الوطنية الديموقراطية، تأتي المجهودات القَيِّمَة التي يقوم بها حزبنا من أجل توطيد التنسيق مع مكونات المعارضة من داخل البرلمان وعلى مستوى الفضاء السياسي المغربي عموما.

في إطارٍ متصل، تتعالى الأصوات في مواقع مختلفة تطرح مسألة مساهمة الشباب في الحياة العامة للبلاد، وخاصة في المجالين السياسي والحزبي،،، وبقدر ما يُدَعِّمُ حزب التقدم والاشتراكية هذا المطلب القائم على إشراك طاقاتنا الشابة وأجيال جديدة على جميع المستويات، بقدر ما يوجه إلى كل هذه الفعاليات الشابة نداءً من أجل اعتماد مقاربة بناءة تروم الانخراط الواسع والالتزام البَنَّاء والاستعداد للنضال والتضحية بُغيةَ النهوض بأوضاع بلادنا، وذلك في تكامل خلاق لا يحتمل التضارب، مع الطاقات الحالية الموجودة في واجهة الاهتمام بالشأن العام.

وتُطرح في النهاية أسئلة جوهرية، بالنسبة إلينا، ترتبط بدور ومكانة حزبنا في هذا الواقع الجديــــــــــــــد.

فلقد تقدمنا ببعض الأجوبة في مقاربة تجذر، وبعدها في مقاربة تجذر وانصهار، وعلينا اليوم أن نُسائل مجددا ذاتَنا الجماعية: أين نحن من ذلك؟ وهل آن الأوان للقيام بمراجعات جذرية في مقارباتنا الجماهيرية، وفي نموذجنا التنظيمي، وفي أساليبنا التدبيرية والتواصلية، وفي علاقاتنا بمحيطنا؟

رفيقاتي، رفاقي،

نفتح كل هذا النقاش العميق، اليوم، خلال هذه الدورة الاستثنائية للجنة المركزية، ولكننا سوف لن نُغلقه، بل سنظل أيضا، بالإضافة إلى مساهماتكم الآن، ومساهمات كافة مناضلات ومناضلي حزبنا خلال الفترة اللاحقة،،، سنظل منفتحين على مساهمات كل الطاقات في المجتمع.

 فلنستمر في مساعدة بلادنا على الخروج التدريجي من هذه المحنة، ولــنُحَــضِّــرْ بالموازاة مع ذلك، منذ الآن، لليوم الموالي / le jour d’après، ولِكيف يتعين أن يكون في زمن ما بعد الكورونا… هدفنا في ذلك هو أن نحول الأزمة إلى أفكار، وأن نحول الأفكار إلى تقدم.

شكرا لكم.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.