السياسة….غدا

بقلم محتات الرقاص

الأزمة الصحية الناجمة عن تفشي فيروس:”كوفيد-19″ ستنتهي طال الزمن أم قصر، وسيرفع الحجر الصحي، ولو بالتدريج، ولكن التداعيات الإقتصادية والإجتماعية لهذه الجائحة ستبقى معنا لفترة زمنية أطول، كما أن حجم الرجة التي أحدثها الوباء عبر العالم، وشملت الصحة العامة والإقتصاد والمجتمع والسلوكيات الفردية والعلاقات الإجتماعية، وأيضا الأفكار واليقينيات وتمثلات الأفراد للحياة وللغد، كل هذا، من المؤكد، لن يكون بلا أثر على فعل السياسة وتدبير شؤون الدول والشعوب.

في حالتنا الوطنية المــــــغربية، لقد سجل حزب التقدم والإشتراكية، خلال الدورة الإستثنائية الأخيرة للجنته المركزية التي إلتأمت السبت، أن مواجهة التداعيات السلبية للجائحة ببلادنا تستدعي تعاقدا سياسيا جديدا، وأكد أن هذا التعاقد السياسي الجديد يجب أن يقوم على ميثاق إجتماعي، وعلى تعميق الديموقراطية والحريات والمساواة الكاملة بين الجنسين…وعلى عكس ما قد تميل اليه بعض الأوساط، من أن المهمة الوحيدة فيما بعد الجائحة تكمن في عودة الحياة الإقتصادية للعمل وتوفير التمويلات الضرورية، وبأن التحدي سيكون إقتصاديا وماليا فقط، فإن المدخل السياسي والديموقراطي يبقى الرهان المركزي في المرحلة التي ستعقب الخروج من حالة الطوارئ الصحية، ذلك أنه هو الذي يستطيع تمتين التعبئة الوطنية الشاملة من أجل كسب الرهانات الإقتصادية والتنموية والمجتمعية.

إن السؤال السياسي يكتسب مركزيته إعتبارا لكون العالم برمته ستتغير معادلاته وعلاقاته، ولا يمكن لبلادنا أن تبقى بعيدة عن ذلك، كما لن يكون مقبولًا أن تبقى عندنا نحن دار لقمان على حالها كما لو  أنه لا شيء تغير.طبعا، السؤال السياسي يشمل الإصلاحات والقوانين والممارسات والآليات، ولكن كذلك هو يعني مضامين كل هذه المداخل وإمتداداتها في الواقع وعلى صعيد الأثر الملموس في حياة الناس، ويعني كذلك الفاعل السياسي الحزبي، ذلك أن مغرب الغد يجب أن يعتمد على قوى سياسية جادة وذات مصداقية وبعد نظر، ولن يكون ممكنا مواصلة تكريس الإبتذال وإقتراف”تشناقت”، أو السير على ذات الأساليب التي قادت المبشرين بها إلى الإصطدام بالحائط  أكثر من مرة في السنوات الأخيرة.كورونا اليوم تجعل السياسة مهمتنا الأساسية في المقبل من فترات، وتستدعي تحديات  الظرفية الراهنة عدم تضييع فرصة هذا الإلتحام الوطني الواضح وسط شعبنا، وإستثماره لصياغة إنطلاقة جديدة ومتجددة بغاية تمتين منظومة ممارستنا السياسية والمؤسساتية وتقوية الثقة الشعبية في مصداقيتها، وتوسيع المشاركة الشعبية.

الإنطلاقة المشار  إليها يجب أن تقوم على الأفكار والرؤى، وعلى الإنتصار  لمستقبل وطننا، وعلى الوعي بما يلف المرحلة الآنية والمقبلة من مخاطر،  وأن تقطع مع أساليب الزمن السابق، أي إعتبار السياسة كما لو  أنها فقط ممارسة ل(التحياح)في الإنتخابات، وتجميع الأصوات والرؤوس والأرقام بكل الطرق، وعقب ذلك كل هذه الرؤوس أو  أغلبها، تكون بلا ألسن أو أفواه أو نظر بعيد، ويترسخ، بذلك، التدني في المستويات، كما نرى ذلك أمامنا  وحوالينا.

يجب أن تتغير السياسة عندنا، بداية من رد الإعتبار إليها وإستعادة نبلها ومصداقيتها، ويجب أن يدرك الجميع اليوم هول ما شهده العالم مع”كوفيد-19″وما سينجم عن ذلك مستقبلًا، ومن ثم سيكون من باب السير عكس التيار أن تستمر بلادنا في ذات الأولويات الإقتصادية والإجتماعية السابقة، كما لو  أنه لا شيء حدث مطلقا…ولكل ما سلف، يقتضي هذا التحول الكوني الذي يتشكل نتيجة تفشي وباء كورونا، أن تنكب بلادنا على صياغة إنطلاقتها الجديدة، وان تتجسد معالم الإنطلاقة وأفقها ضمن تعاقد سياسي جديد، يستند إلى ميثاق إجتماعي.إلى العمل إذن…

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.