من يسعى لتسخين طبخة باردة؟

بقلم محتات الرقاص

الجدل والنقاش الواسعين اللذان أنتجتهما فترة فيروس”كوفيد-19″تجاوزا كل السجالات التي نجمت عن باقي الأزمات التي عاشها العالم في العقود الأخيرة، ولم تعد التحاليل والآراء اليوم محصورة في التقييم السياسي التقليدي وما يفضي إليه على الصعيد الإقتصادي وتداعيات ذلك على الأوضاع الإجتماعية، وإنما برزت أفكار كبرى على الصعيد الدولي، ورؤى فلسفية وإستراتيجية قوية، وبات حديث الكثيرين يسلم بأن عالم ما بعد”كوفيد-19″لن يكون قطعا هو ما قبله، وبأن عديد قضايا ومرتكزات جوهرية ستتغير.

بلادنا أيضا معنية بهذه الأسئلة الكونية الكبرى التي يواجهها العالم اليوم وغدا، ولن يكون مقبولا أن تبقى عندنا دار لقمان على حالها، وأن يعبرنا زمن كورونا من دون أن نقبض على الدروس التي كشفها أمامنا، وأن نصنع منها التغيير.

لكن في حين تصدر في أوروبا وأمريكا كتب ونظريات ومواقف قوية بشأن ما يواجهه العالم من تحديات وما تفرضه التحولات الراهنة من تغييرات كبرى، نجد في بلادنا أوساط تتغلف بالإعلام لترسل(ميساجات)حول المرحلة المقبلة.

لقد إستطاع المنجز العملي والميداني الذي قدمته الدولة، أن يغطي مثلا على المؤاخذات التي همت تركيبة لجنة اليقظة، وتركز اهتمام الجميع على سبل إنجاح هذا المجهود المادي للدولة وتوفير كل الشروط الضرورية لمساندة المواطنين للبقاء في منازلهم والإلتزام بالحجر الصحي، ولكن في الأيام الأخيرة ظهر من يسعى إلى الركوب على ظهر لجنة اليقظة والمطالبة بجعل عملها دائما، وتحويلها ربما من لجنة خاصة ذات مهمة محددة إلى هيئة دائمة أو إلى حكومة تيكنوقراطية.

لقد قرأنا هذا في مقال لناشر أسبوعية بالفرنسية، وقرأناه قبل ذلك في عمود لصاحب صحيفة يومية بالعربية، وورد ذات الأمر تلميحا أو تصريحا لدى أصوات أخرى لم تتردد في الدعوة إلى حكومة تيكنوقراطية تتولى إدارة شؤون البلاد لسنتين لمواجهة تداعيات الأزمة، وفِي هذا الوقت على الأحزاب أن تجلس في المقاعد الخلفية أو أن تهتم ببيتها الداخلي، وتستعد لإنتخابات تجرى بعد عام من موعدها، أي في:2022.

إنه منتهى ما تمخض عنه إجتهاد منظري الساعة الخامسة والعشرين عندنا، وهذه هي قمة المواقف الإستراتيجية الكبرى والأفكار التي إستفادتها هذه الأوساط من دروس كورونا، وتعول عليها لتغيير أوضاع البلاد والعباد.هي تنط اليوم على آلام الناس وتقفز على كل ما يتربص بالبلاد من مخاطر لتسيج لنفسها تموقعات ضمن خارطة” جديدة” تتمناها هي وتريد أن توجه الدولة نحو تبنيها، وهي من أجل ذلك تندفع اليوم نحو سجالات تحصرها فقط في الهجوم على الحكومة ولا ترى الحل سوى في إقالتها وتشكيل حكومة تيكنوقراط.

قد تكون الأوساط الإعلامية مجرد ناقل”ميساج”أو ساعي بريد لتمرير طلبات الخدمة، ولكن أليست الطبخة كلها باردة والوصفة قديمة جدا؟ أليست الأوساط نفسها التي قادت البلاد إلى الجدار في السنوات الأخيرة هي نفسها التي تتحرك اليوم من وراء ستار وتستعمل الأدوات ذاتها لتمهيد الأجواء؟ ثم ألم يعش المغاربة كثير أزمات جراء سياسات التيكنوقراط؟من المؤكد أن الدولة في المرحلة القادمة لما بعد كورونا يجب أن تعيد امتلاك دورها المركزي، وأن يتقوى حضورها في السياسات الإجتماعية بالخصوص، ولكن الديموقراطية هي القادرة على أن تمنح لأدوار الدولة المشروعية والمصداقية والفعالية المطلوبة، والفاعل السياسي الجاد هو من يقدر على الحضور والعمل وسط الناس وتعبئتهم حول القرارات والإختيارات المتخذة.

ليس القصد هنا الدفاع عن الحكومة الحالية، وعكس هذا وجهنا عديد إنتقادات لأدائها خلال فترة الأزمة، ولكن دفاعا عن السياسة، وعن المضمون الديموقراطي لتسيير الشأن العمومي، ورفضا لإمتطاء ظهر الأزمة لإحداث التراجع والنكوص.

إن أزمة كورونا طرحت في بلادنا وفِي كل العالم أسئلة وإشكاليات لها عمق سياسي بامتياز، وفِي مثل هذه الظرفيات الصعبة يمكن تحقيق العمليات التاريخية الكبرى، وإنجاز الإصلاحات التي يستغرق تنفيذها سنوات طويلة، وهذا ما يتطلع إليه شعبنا، وليس أن تتعبأ أقلام ولوبيات مصلحية لصياغة سيناريو تراجعي يسعى إبقاء الأحوال في مكانها، وربما جر الأوضاع إلى الخلف، وإلى التدني.

من يريد هزيمة تيار سياسي يجب أن يحقق ذلك ضمن قواعد الديموقراطية، وبما يحترم أحكام الدستور، وليس بتوكيل الأزمات والظرفيات الصعبة لتنوب عنه في ذلك.إن بلادنا في حاجة اليوم إلى عقلاء يمتلكون النظر البعيد في السياسة وفِي أوساط الإقتصاد والمال والإدارة، ليجعلوا من زمن الجائحة إنطلاقة جديدة، وليس لمن لا يرى أبعد من أنفه ولا يهتم سوى بحسابات اللحظة والمزاج والإنفعال.

زمن”كوفيد-19″كشف عورات كثيرة عبر العالم، وعرى تناقضات ومحدودية العولمة والليبرالية، وفضح الأخطار المحدقة بالبشرية، وبعض السيناريوهات التي تروج لها اليوم أوساط معروفة في بلادنا حول معالم الحل لتبعات هذه الأزمة، هي بدورها عرت عورة مؤلفيها وفضحت ضيق النظر لديهم، وحنقهم من أي تقدم ديموقراطي في البلاد، وكشفت أن هذه الأوساط التي تهوى هذا اللعب المتخفي وراء أعمدة بعض المقالات الصحفية لا تعنيها مصلحة البلاد، ولا يهمها المستقبل البعيد أو المصداقية الديموقراطية للمغرب.

إن الأكثر مدعاة للخوف اليوم هو بالضبط هذا التلميح للنكوصية، وهذا الإستسهال للشرط الديموقراطي وقدرته على إخراج البلاد من الأزمة وإنجاح الإنطلاقة التنموية.إذا نجح مثل هذا السيناريو وتحقق الهدف لمروجيه المعلنين والمختفين وراء ستار، فستكون بلادنا قد ولجت المرحلة الجديدة دون أن تستفيد، مع الأسف، من دروس مرحلة كورونا، وستكون كما لو أنها تعود لزمن آخر  يذكر المغاربة معاناتهم جراء الإختيارات التي اتبعت خلاله.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.