مداخلة عبد اللطيف أعمو خلال الجلسة الشهرية لمسائلة رئيس الحكومة – 16 يونيو 2020

لم يتمكن ذ. عبد اللطيف اعمو المستشار البرلماني عن حزب التقدم والاشتراكية من حظور الجلسة الشهرية لمساءلة رئيس الحكومة حول “سياسة الحكومة لما بعد رفع الحجر الصحي: أية خطة إقلاع اقتصادي لمعالجة الآثار الاجتماعية للأزمة ؟”، وذلك نظرا لظروف حالة الطوارئ الصحية
وقدم الاستاذ اعمو مداخلته مكتوبة فيما يلي نصها:

عبد اللطيف أعمو

16 يونيو 2020

السيد رئيس الحكومة؛

السيد رئيس المجلس؛

السيدات والسادة المستشارون؛

لقد تعرض العالم، ومعه المغرب، لهزة عنيفة مع جائحة كوفيد 19: هزة على مستوى المنظومة الصحية دوليا ووطنيا، وهزة على مستوى البنيات الاقتصادية القائمة، وهزة على مستوى العلاقات داخل الدول، وما بين الدول.

وقد اعتمدت بلادنا منهجية استباقية واستشرافية، مكنت من احتواء الوباء، وتجنب الانتقال إلى المرحلة الثالثة للعدوى. وقد سبق للحكومة أن طرحت في عدة محطات تواصلية مع المؤسسة التشريعية تطورات تدبير الحجر الصحي لما بعد 20 ماي  والخطة الحكومية في أفق رفع حالة الطوارئ الصحية لما بعد 10 يونيو 2020.

وأعدت الحكومة رؤية عامة لتدبير الحجر الصحي لما بعد 10 يونيو  تلتزم فيها بالرفع من قدرات المراقبة الفعالة والرفع من قدرات اختبار الأشخاص، لكن المعادلة الصعبة تتمثل في التوفيق بين ضرورة مواصلة التصدي لانتشار الفيروس وضرورة الحد من الانعكاسات السلبية والخسائر في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. فالتداعيات السلبية كثيرة ومتشعبة، وكلفتها على المستوى الاقتصادي والمالي والاجتماعي والصحي والنفسي باهضة.

ولا بد هنا من التأكيد مجددا على وجوب استجابة الخطة الحكومية لمبادئ المرونة، والتدرج في استئناف العمل بالضوابط المعمول بها في الظروف العادية، ومواصلة العمل بالتدابير الاحترازية والوقائية، وتثمين المكتسبات وتعزيزها، والانفتاح على كل مكونات المجلس من أجل بلورة تصور شامل للخطة في شقها المرتبط بالوظائف الدستورية للمجلس، مع إعطاء الفرصة للفرق والمجموعة البرلمانية ولرؤساء اللجان الدائمة لإغناء الوثيقة باقتراحات عملية ترمي إلى تفعيل التدابير المرتبطة بالتشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية.

السيد رئيس الحكومة؛

لا بد بداية من توجيه تحية تقدير لمهنيي الصحة والتربية والتكوين وللقوات المسلحة الملكية وقوات الدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية والإدارة الترابية على تجندهم المستمر طيلة فترة الحجر الصحي.

فتحية إجلال للجهد الرسمي للدولة، والمتمثل في إنشاء صندوق خاص لمواجهة ما سمي بجائحة كرونا… وهو جهد يجسد الوجه المشرق لتجسيد مسؤولية الدولة الراعية والحاضنة والمسؤولة.

وتحية التقدير إلى جميع المواطنات والمواطنين على تحملهم لمستلزمات الحجر الصحي، مع الدعوة إلى مزيد من الالتزام والانضباط من أجل ضمان نجاتنا من هذه الجائحة.

وتحية إجلال وتقدير خاصة لربات البيوت المغربيات، ولكل الأمهات المربيات، اللواتي تولين تدبير شؤون بيوتهن بصبر وروية وبدون رياء، وتحملن عبء مضاعفات الجائحة في ظل الحجر الصحي، وغالبا في ظروف صعبة وداخل مساكن ضيقة، طيلة شهر رمضان، بطقوسه الخاصة وأشغاله المنزلية الشاقة والمضاعفة، وما بعده… ومنهن من يقمن بدور المساعد التربوي للأطفال المتمدرسين عن بعد، بجانب القيام بدور الزوجة والأم الساهرة على شؤون بيتها وأبنائها. وما يتطلبه الحفاظ على التوازن الأسري من صبر لتلبية احتياجات أفراد الأسرة على كافة الأصعدة، ومن بذل مجهود بدني ونفسي كبير، غالبا ما لا يقابله أي اعتراف أو امتنان.

كما نجدد ترحمنا بالمناسبة على أرواح المغاربة ضحايا فيروس كورونا المستجد.

السيد رئيس الحكومة؛

إن فترة ما بعد رفع الحجر الصحي ستقتضي الحرص على بناء منظومة تنموية تدمج المستويات والأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والبيئية في منظور شمولي متكامل.

كما أن للتواصل في زمن الأزمات أشكال ومحتويات عديدة، بحكم أن الفضاء السياسي يكون مفعما بالضغوطات …  ويجب ضمان مرور سلس وتحول مرن من أزمة صحية إلى أزمة اقتصادية…  مع الحرص على أن يكون الخطاب  الرسمي مقرونا بتدابير عملية وبأفعال ملموسة تساهم في تحسين أوضاع الساكنة وزرع الأمل في نفوس المواطنين والتخفيف من حدة الأزمة.

الأزمة بقدر ما هي تهديد،  فهي كذلك فرص. 

سيكون تمرين النموذج التنموي المنشود، وملائمته مع كل هذه المستجدات، من خلال استغلال الفرص التي توفرها جائحة كورونا، وتثمينها، تمرينا مفيدا للتأسيس لمنظومة تنموية متكاملة.

ومن الفرص المتاحة:

             فرصة الانفلات من الهيمنة الغربية الضاغطة،

             فرصة تحسين حكامة القطاع الصحي، والارتقاء بالصحة العمومية،

             فرصة تجويد المنظومة التربوية ومراجعة المناهج والبرامج التعليمية في اتجاه تعزيز الابتكار والخلق والحرية والإبداع،

             فرصة استعادة الجامعة والبحث العلمي لمكانتهما اللائقة،

             فرصة فتح المجال للشباب الباحث ليبدع ويخلق  في مجال التكنولوجيا الحديثة، وما يتيحه الذكاء الاصطناعي من إمكانيات،

             فرصة لاستعادة قيم التآزر  والتعاون والتعاضد،

             فرصة الوعي بأهمية المجتمع المدني،

             فرصة الوعي بالأهمية الإستراتيجية للتوجه بثبات نحو الاكتفاء الذاتي ودعم التصنيع المحلي، وتحقيق الاستقلال،

             فرصة الوعي بالأبعاد البيئية للتنمية،

ولا بد هنا أن نستحضر التحدي الأكبر المتمثل في ضرورة الربط بين الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية وبين المسألة السياسية والديمقراطية.

إن متابعة  الوضع الوبائي عبر العالم، يقتضي متابعة موازية لتطور الوضع السياسي المتقلب دوليا، والقراءة المتأنية لعلاقة المغرب مع العالم الخارجي، والانتباه أكثر للتحولات التي بدأت إرهاصاتها تطفو إلى السطح، والتي لم تتحدد ملامحها بعد بشكل جلي.. وقد تؤشر لــ  “ما بعد الحداثة” و “ما بعد العولمة”.. وتشكل قطبية جديدة، مع وضع مخطط مندمج  يأخذ بعين الاعتبار نتائج أشغال اللجنة الوطنية لإعداد النموذج التنموي الجديد.

فالعولمة ليست ظاهرة اقتصادية فحسب، بل هي ظاهرة ذات أبعاد سياسية وثقافية عميقة. وتؤدي في آخر المطاف إلى الاستهلاك الفائق للموارد الطبيعية والبشرية، بفعل جشع المجتمعات الاستهلاكية … مثلها مثل الليبرالية الموغلة في التوحش. وهو ما يفتح الباب للتوجه إلى القيم العالمية الجامعة بدل التقوقع حول القيم المتمركزة حول الذات وحول العولمة المدمرة للشعوب المستضعفة.

وعلينا استغلال الفرصة لبناء تموقع جديد لبلادنا لما بعد الجائحة ورصد تطور العلاقات بين القوى العالمية الكبرى (الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، وأوروبا)، والاستفادة من الصورة الإيجابية التي حظي بها المغرب انطلاقا من سياسته في مواجهة الوباء، مع توجيه الجهد نحو تطوير العلاقات مع القارة الإفريقية ومع أوروبا، … بجانب اعتماد تطوير صناعي وطني يعتمد على الإنتاج والاستهلاك الوطني، وتعزيز المؤهلات الوطنية في مهن المستقبل.. وإعمال الحكامة في المجال الاقتصادي.

كما يتعين علينا ربط الإكراهات الصحية والاقتصادية والمالية والأمنية المرتبطة بما بعد الجائحة برهان تعميق المسار الديمقراطي والبناء المؤسساتي المتين.

فقد عشنا في مرحلة الحجر الصحي، مرحلة الدولة الحاضنة الأبوية، وطغيان المقاربة الأمنية على المقاربة السياسية التشاركية والتنموية.

والآن، حان وقت الدولة المبادرة، والدولة المدبرة الخادمة والراعية لمصالح المجتمع، والراعية للطموح نحو التقدم والتحضر والرفاهية والعدالة.. لتحل محل الدولة الضاغطة والمهيمنة على القرار.

فلقد ساهمت الدولة نفسها في إضعاف و احتواء مؤسسات المجتمع وإتلاف قيمها لفائدة الدولة  المركزة.

ونخشى أن ننزلق فيما بعد جائحة كورونا نحو نزعة فرض الدولة بمؤسساتها كأفق وحيد ومستحوذ على التفكير والاشتغال والانشغال، وما يستتبع ذلك من تكريس فكرة تفوق الدولة  على باقي دينامية المجتمع، وعلى مختلف الأشكال المجتمعية المتنوعة، وأن تشكل الدولة تدريجيا لنفسها إطارا سياسيا مهيمنا ومسيطرا…  مما سيجعل البلاد خارج قواعد الديمقراطية.

مع ما قد يؤدي إليه من تهميش للديمقراطية المحلية وللبنيات التداولية والتشريعية، في مقابل تعزيز البنيات التنفيذية.

والمطلوب هو التأسيس للتوازن بين المجتمع والدولة، مع الحفاظ على هيبة هذه الأخيرة ونسقها الناظم، كدولة تضطلع بدور « الدولة الاستراتيجية ».

إن ما بعد  جائحة كورونا يجب أن يخلق ظروفا تسمح بانكماش الهوية الإدارية الأمنية الصارمة للدولة لفائدة بزوغ منظور الدولة  اللآمركزية واللآمتمركزة والتشا كية.

وهنا لا بد من التأكيد على ضرورة تقوية البعد المؤسساتي في شقه الترابي، بإعطاء الديمقراطية المحلية المكانة التي تستحقها، من خلال تفعيل أدوار وصلاحيات مجالس الجماعات الترابية ، واستئناف عملها، باعتبارها وحدات لا مركزية تضطلع بتنفيذ سياسة القرب وتعبئة المواطنين وحثهم على الانخراط في تفعيل السياسة العامة للدولة، وفي تدبير شؤونهم والرفع من مساهمتهم في محاربة الجائحة، وباعتبار  الجماعات الترابية ذراعا أساسيا ضمن هيكلة الدولة وهندسة نظامها اللآمركزي المعتمد على التدبير الحر وعلى التعاون والتضامن ومشاركة السكان.

كما يتعين في هذا الباب التسريع بتفعيل ميثاق اللآتمركز الإداري والإسراع بنقل الاختصاصات المركزية إلى المصالح اللآممركزة.

كما يتعين الإعلان عن المبادئ العامة التي ستمكن كل الفاعلين من التفاعل معها في أفق يغاير الأفق الذي كان عليه الوضع قبل الجائحة.

ومن جملة هاته المبادئ :

             توطيد الدولة الوطنية الديمقراطية القوية الناجعة اقتصاديا والعادلة اجتماعيا ،

             بلورة ميثاق اجتماعي ديمقراطي يضع الإنسان في صلب المسلسل التنموي ويحقق كرامته ،

             إعطاء الأولوية لقطاعات الصحة والتعليم والتشغيل والثقافة،

             التركيز اقتصاديا على دور الدولة في التوجيه والتقنين وتوطيد القطاع العمومي وإنعاش القطاعات الاقتصادية المتضررة في مجال السياحة والصناعة التقليدية والبناء والنقل والخدمات .

             الاستثمار في التصنيع والرقمنة والاقتصاد الأخضر، ودعم المقاولة في كل ما من شأنه أن يحافظ على مناصب الشغل وينعش الطلب الداخلي ويقوي القدرة الشرائية للمواطنين.

             مواكبة الدولة لمرحلة ما بعد الجائحة، انطلاقا من إعادة البناء الاقتصادي، والاستثمار في القطاعات الاجتماعية ذات الأولوية والاهتمام ببؤر الفقر وبالوحدات الصغيرة، وتوجيه نفقات الدولة نحو مزيد من التكافؤ الإجتماعي.

وهذا لن يتأتى إلا في إطار عام تعزز فيه الديمقراطية بجميع أبعادها، من تعزيز الحريات والحقوق وروح المواطنة والرفع من شأن الأداء السياسي للمؤسسات الحقيقية والناجعة والأحزاب الجادة، وتقوية موقع الجماعات الترابية والمؤسسة التشريعية المنتخبة والمعبرة والممثلة الحقيقية للإرادة الشعبية، والقادرة على فرز حكومة حقيقية تخضع لمبدإ المسؤولية والمحاسبة، كما ينص على ذلك الدستور .

كل ذلك بجانب دور المجتمع المدني الذي يتعين إشراكه وتمكينه من تفجير طاقات الشباب الإبداعية والابتكارية في القرار، وفي تنفيذ المشاريع والاحتكام إلى المؤسسات. وهي دعوة صريحة للاستفادة من قدرات جمعيات المجتمع المدني وفرص الديمقراطية التشاركية لمضاعفة المجهود الوطني في مواجهة جائحة كورونا (كوفيد 19).

وهي كذلك دعوة لتفعيل المقاربة التشاركية في مسار الإعداد لما بعد الجائحة. مما يؤكد أهمية تطوير مقاربة جديدة للشراكة مع المجتمع المدني، وتيسير سبل أدائها لمهامها الدستورية، بهدف تقوية الشعور المغربي الجماعي العميق بقيم التضامن والتآزر والتلاحم والإصرار على الانتصار على الوباء بالمزيد من تعزيز الوعي والتعاون والثقة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.