لماذا لم تتمكن إفريقيا من الإقلاع؟

بقلم د. عبد السلام الصديقي

لماذا لم تتمكن إفريقيا من الانطلاقة والإقلاع؟ أمامنا جواب من بين العديد من الأجوبة التي يمكن تصورها، قدمه مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية / CNUCED في تقريره الأخير حول التنمية في إفريقيا “التحويلات المالية غير المشروعة والتنمية المُستدامة”.

لقد حدد هذا التقرير أربعة أشكال من النشاطات التي يمكن أن تشكل مصدراً لهذه التحويلات. حيث هناك أولاً التحويلات المرتبطة بالجباية والتجارة، وهي ممارسات غير قانونية، كالمخالفات في مجال التعريفات الجمركية، وفي الحقوق والإيرادات، والغش الضريبي، والمخالفات المُرتكبة من قِبَل الشركات والتلاعب بالصفقات وغيرها من الممارسات.

ثم نجد، ثانيا، التحويلات المُنجزة عبر الرشوة والاستحواذ على الأموال، وشطط السلطة، واستعمال المنصب والثراء غير المشروع. فنجد، ثالثا، الأنشطة المتعلقة بالسرقة وتمويل الإجرام والإرهاب. ثم رابعا وأخيرا، نميز التحويلات الناتجة عن الصفقات غير القانونية، ويتعلق الأمر هنا بالتجارة الوطنية أو الدولية في السلع والخدمات غير المشروعة. وهذه الأنشطة التي غالبا ما تعتمد على تنظيم إجرامي تهدف إلى تحقيق الأرباح، تندرج ضمنها المعاملات غير المشروعة لبعض السلع كالمخدرات والأسلحة النارية وتقديم بعض “الخدمات” من قبيل الاتجار في البشر ضمن مجال الهجرة غير الشرعية.

أكيد أنه من الصعب تقييم كل التحويلات الناتجة عن مجموع الأنشطة، لذلك اقتصر التقرير على بعض المجالات التي تتوفر فيها معلومات كافية.

بناءً عليه، وعلى مستوى التملص الضريبي، يُلاحَظ أن إفريقيا التي تحصل على سُدُس مواردها العمومية عبر الضريبة على الشركات، بمبلغ إجمالي يناهز 67 مليار دولارا سنة 2015، تَفْقِدُ عُشُرَ هذا الغلاف، أي حوالي 7 مليار دولارا. وقد اعتبر البنك الإفريقي للتنمية أن الرشوة تحرم القارة سنويا من حوالي 148 مليار دولارا. كما نجد مؤخرا مقالات لبعض الصحفيين تُبرز ضخامة الثروة الخاصة التي راكمها بعض الأفارقة وأودعوها في حسابات بنكية معفية من الضرائب. ففي سنة 2015 أثبت بحث ميداني عن معطياتٍ مفصلة تهم تقريبا 500 شخصا ينتمون إلى 41 بلدا إفريقيا في حوزتهم مبلغٌ تراكمي يُقدر بنحو 6.5 مليار دولارا من السندات. كما أن تحاليل أخرى على المستوى الدولي تُبين وجود ما بين 20% و30% من الثروة الخاصة في العديد من البلدان تم تحويلها إلى “الملاذات الضريبية الآمنة”.

حتى المنتوجات الثقافية، من كل الأصناف، لم تَسْلَم من هذه السرقة، إذ تقبع حوالي 90% من التحف التاريخية لإفريقيا جنوب الصحراء في المتاحف الدولية الكبرى أو في مجموعات خاصة أو في متاحف تبشيرية. وجل هذه الممتلكات الثمينة جاءت عبر عملية النهب أو الاقتناء غير المنصف خلال فترات الحروب والهيمنة الاستعمارية. ومن ثمة، فهي تشكل مصدرا لتحويلاتٍ غير مشروعة.

أما تهريب الأموال، والذي يضم أيضاً الغش في الفوترة وتعاملات أخرى في ميزان الأداءات، فيقدر ب 88.6 مليار دولارا كمتوسط سنوي خلال الفترة 2013-2015، وهو ما يُعادل 3.7% من الناتج الداخلي الإفريقي. وخلال الفترة الممتدة ما بين 2000 و2015 بلغ المبلغ الذي تم تهريبه 836 مليار دولار، أي 2.6% من الناتج الداخلي الإفريقي. وهو مبلغ يفوق بقليل إجمالي الدين الخارجي لإفريقيا جنوب الصحراء. وقد بلغت هذه المبالغ ذروتها خلال الفترة 2013-2015 في نيجيريا (41 مليار دولارا) ومصر (17.5 مليار دولارا) وجنوب إفريقيا (14.1 مليار دولارا). فالغش في الفوترة في قطاع المناجم، وخاصة الذهب، أدى لوحده إلى خسارة تتجاوز 40 مليار دولارا سنويا.

إن هذا الهروب لرؤوس الأموال يحرم البلدان المعنية من الولوج إلى التنمية، ويؤخر، بالتالي، عملية الإقلاع، كما يحرمها من الاستثمار في القطاعات الحيوية للساكنة من قبيل التربية والصحة والبنية التحتية، ويؤجل بالتالي إنجاز أهداف التنمية المُستدامة. فلقد أظهرت بعض الدراسات أن البلدان التي تعرف تأخرا كبيرا في مستوى التعليم والصحة هي تلك بالذات التي تعاني من التحويلات المالية غير المشروعة بدرجة عالية. كما أن هذه المبالغ التي تجد ملجأها في الملاذات الضريبية تتجاوز بكثير المبالغ المقدمة في إطار المساعدة الدولية للنماء أو تلك التي يتم الحصول عليها ضمن الاستثمارات الخارجية المباشرة. ومن غير المُستبعد، كما بينت ذلك بعض الدراسات الميدانية، أن جزءً مهما من العون الدولي للإنماء، تم تحويله من طرف أشخاص ذوي نفوذ، إلى دورة التحويلات المالية غير المشروعة، مما يعني أننا أمام آلة تفقيرية جهنمية تشتغل دون انقطاع.

ولقد أبى محررو هذا التقرير إلا أن يختتموا عملهم بوضع بعض التوصيات، بمثابة خطة لمحاربة التحويلات المالية غير المشروعة، وذلك في عشر نقط هي كالآتي: الجمع بين التحويلات المالية والأخلاق؛ حماية المجتمع المدني والصحفيين والمُبَلِّغين عن التجاوزات؛ تطوير الإطارات التنظيمية الوطنية؛ إعادة الثقة في النظام المتعدد الأطراف لمكافحة هذه التحويلات؛ الاستثمار في البنية التحتية للمعطيات والشفافية؛ تخصيص مزيد من الموارد لاسترجاع الأموال المسروقة؛ توطيد مساهمة إفريقيا في إصلاح المنظومة الجبائية الدولية؛ تشديد محاربة الرشوة وتبييض الأموال؛ إشراك المقاولة المتعددة الجنسية في الجبايات والتنمية المستديمة؛ ثم الاستثمار في البحث عن التحويلات المالية غير المشروعة والتغيرات المناخية.

ينبغي أن نلاحظ أن هذه التوصيات لا تذهب إلى الأهم، ولا تمس عمق المعضلة، فهي تنحصر في مستويات يغلب عليها الطابع التقني، علما أن المشاكل المطروحة هي سياسية بالدرجة الأولى. ومن ثَــمَّةَ فهي تتطلب معالجة في المنبع.

ومن هنا تبرز ضرورة قيام أنظمة ديموقراطية قائمة على فصلٍ حقيقي للسلط، وعلى استقلال ونزاهة القضاء. أما أن ننتظر من أنظمة لاديموقراطية، ومن قادةٍ وصلوا إلى السلطة عن طريق القوة، ليقاوموا التحويلات المالية غير المشروعة، فذلك يندرج في خانة السذاجة، تماما كما هو الشأن بالنسبة للاقتراح الذي يُنادي إلى التنسيق بين المقاولات المتعددة الجنسية. ألا تُعتبر هذه الأخيرة جزءً من المشكلة؟! ألا تتحمل القوى الاستعمارية القديمة جزءً من المسؤولية في النهب الذي تتعرض له الشعوب الإفريقية؟! ألا يُعتبر النظام العالي الدولي شريكاً ومُستفيداً من هذه السرقة الموصوفة؟!

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.