الصديقي: الحكومة تتلكأ في الإصلاح الجبائي

أستاذ الاقتصاد أكد أن قطاع العقار يلتهم حصة الأسد من النفقات الجبائية

أكد عبد السلام الصديقي، أستاذ الاقتصاد، أن الإصلاح الجبائي الحقيقي، يشكل “أم الإصلاحات”، لأنه يمس مباشرة بالمواقع الاجتماعية، ويزعج أصحاب المصالح الذين يستفيدون من الوضع القائم.

وأوضح الصديقي أن السياسة المتبعة ساهمت في تكديس ثروات ضخمة من قبل المنعشين العقاريين، الذين تحولوا إلى مضاربين وسماسرة يمارسون أبشع الطرق لاستنزاف جيوب المواطنين.

في ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار: برحو بوزياني

ظلت قطاعات تستفيد من إعفاءات جبائية تحولت في ما بعد إلى امتيازات. ما هي القطاعات المعنية بهذه التحفيزات، وما هو السياق الذي تم فيه تنزيلها؟

*القطاعات التي تستفيد من الإعفاءات والتحفيزات الجبائية عديدة، وتكاد تهم كل الأنشطة الصناعية والفلاحية والاجتماعية. وبالطبع تتحول هذه الإعفاءات مع مرور السنين، إلى امتيازات، ثم إلى شكل من أشكال الريع، والذي يصبح له معنى أوسع، ويصعب كثيرا حصره، لأنه مثل السرطان، يتطور دون أن تتم رؤيته.

ويبقى قطاع العقار من بين القطاعات التي تستفيد من حصة الأسد بخصوص النفقات الجبائية، حيث يستحوذ على خمس المبالغ

الإجمالية بحوالي ستة ملايير درهم سنويا، من أصل 29 مليارا، يليه قطاع الأمن والاحتياط الاجتماعي، ثم إنتاج وتوزيع الكهرباء والغاز وقطاع الصادرات والفلاحة والصيد البحري. ونجد في آخر القائمة قطاع الصناعة التقليدية، وهذا أمر له دلالته المجتمعية والسياسية، وهو ما يعني بصريح العبارة، أن الأسبقية ليس للأصلح بل للأقوى.

تحقق المقاولات والمبيعات الفلاحية أرقام معاملات ضخمة. لماذا يستمر حرمان الخزينة من عائدات ضريبية، في الوقت الذي يتم إثقال المأجورين بالضريبة على الدخل؟

ليس قطاع الفلاحة وحده الذي عاش لسنوات حالة إعفاء كامل من الضريبة، كيفما كان نوعها، بل الأمر يحتاج إلى رؤية شاملة ومقاربة جديدة لهذه الإشكالية المطروحة للنقاش بجدية على الصعيد الوطني في ظل التحولات الديمقراطية التي تشهدها البلاد، والتحديات الكبرى التي تواجهها خصوصا في هذه الظرفية التي تتميز باشتداد الأزمة الاقتصادية والمالية وامتداداتها الاجتماعية، في أفق وضع النموذج التنموي الجديد، والذي لن يستقر دون مراجعة السياسيات العمومية والأولويات الكبرى وإعمال العدالة الاجتماعية.

وحتى أكون واضحا، فالأمر يتطلب قطعا إلغاء هذه النفقات، بل ينبغي خضوعه إلى تقييم أولي، ومن خلال تحديد الغاية المرجوة من تلك الإعفاءات والتحفيزات، ولا أقول “الامتيازات”، فمتى كانت الغاية واضحة، لم يعد هناك أدنى مشكل، بالإضافة إلى ذلك، من الضروري تقييم النتائج لمعرفة مدى تحقيق تلك الأهداف من خلال التحفيزات، لا يمكن أن تخرج عن خانتين، إما تحقيق مصلحة اجتماعية أو دعم قطاع اقتصادي يعتبر إستراتيجيا لتنمية البلاد وأمنها. وكل ما يؤدي إلى تقوية المصالح الخاصة وإثراء الأثرياء، وتقوية أصحاب النفوذ، ينبغي التشطيب عليه، لأنه متناقض مع المصلحة العامة ومضر بمستقبل البلاد واستقرارها.

هل يمكن الحديث عن إصلاح للنظام الجبائي في غياب إصلاح شامل للسياسات الاقتصادية يقطع مع نظام الامتيازات والريع؟

طبعا الإصلاح الجبائي الحقيقي، هو في قلب هذه العملية، ويمكن اعتباره “أم الإصلاحات” لأنه يمس مباشرة بالمواقع الاجتماعية، ويحل التوازنات الكبرى، ويزعج أصحاب المصالح الذين يستفيدون من الوضع القائم. ولعل إرجاء هذا الإصلاح من فترة إلى أخرى، يعود في نظري، إلى هذا التخوف لدى أصحاب المصالح، بمن فيهم الذين يشتغلون في القطاع غير المهيكل الكبير الحجم، وكل الذين راكموا ثروات هائلة في الظل، وإلا كيف يمكن أن نفهم تلكؤ الحكومة في تقديم قانون إطار، الذي وعدت به خلال مناظرة الصخيرات، التي نظمت في ماي 2018، فالحكومة تتحدث الآن عن جميع الإصلاحات إلا الإصلاح الجبائي.

ظل قطاع العقار وإنتاج السكن يستفيد من تحفيزات جبائية. كيف تتصورون حل إشكالية الجنات الضريبية لبعض القطاعات ومحاربة التملص الضريبي؟

ما قلناه بخصوص التعليم والتربية، يمكن تطبيقه إلى حد بعيد، على قطاع العقار الذي استحوذ كما بينا ذلك، على حصة الأسد من الإعفاءات والامتيازات. فرغم ما قدم من “هدايا” للقطاع، لم يتم لحد الأنا لقاء على دور الصفيح والسكن غير المنظم، ولا امتصاص العجز السكني، رغم بعض الانخفاض الذي شهده.

وعلى العكس، يمكن الجزم، رغم شح المعلومات أن السياسة المتبعة ساهمت في تراكم وتكديس ثروات لا يمكن أن نتصور حجمها من طرف المنعشين العقاريين، الذين تحولوا إلى مضاربين وسماسرة جشعين يمارسون أبشع الطرق لاستنزاف جيوب المواطنين، والتملص من أداء مستحقاتهم الضريبية، تجاه الدولة والمجتمع. ويكفي أن نستشهد دون أن نعمم بالطبع، باللجوء إلى الأداء “تحت الطاولة” أو ما يسمى “النوار”. ولا يمكن لمثل هذه العمليات غير الأخلاقية وغير القانونية أن تمر لولا بعض التواطؤات التي تحتمي منها وفي مختلف الأوساط. فالإشكالية، كما ترون، لا يمكن معالجتها إلا بإعمال القوانين ودمقرطة المجتمع.

يستفيد قطاع التعليم الخاص من إعفاءات. كيف يمكن ضمان التوازن بين بعض التخفيضات بأهداف واضحة وبين ضرورة إقرار عدالة جبائية؟

حسب الإحصائيات، يأتي قطاع التعليم الخاص وقطاع التربية بصفة عامة في الرتب الأخيرة من حيث استفادته من الامتيازات الجبائية، إذ لا يتجاوز المبلغ الذي يستفيد منه 0.5 في المائة من المبالغ الإجمالية، وهو ما يساوي 135 مليون درهم، ودعني أوضح للقارئ الكريم مسألة أعتبرها في غاية الأهمية، وتقع في قلب المشروع المجتمعي، وهي أخطر بكثير من هذه التحفيزات النقدية.

إن أكبر هدية تقدمها الحكومة، حتى لا أقول الدولة، للقطاع الخاص في التعليم، تتمثل في تخليها المتزايد عن التعليم العمومي، وفي فشلها الذريع في ضمان تعليم عمومي، ذي جودة عالية ومحتوى تربوي وعلمي يليق بتطلعات الشعب في بداية القرن الواحد والعشرين.

فشل التعليم العمومي

إن فشل التعليم العمومي وعدم قدرته على استيعاب المستجدات العلمية والتربوية، هو الذي قدم فئات واسعة من المواطنين رهائن للقطاع الخاص، الذي حول مهمة التربية إلى مجرد بضاعة خاضعة لقانون العرض والطلب. ولعل ما شهدناه خلال السنة الماضية من تجاذبات بين المسؤولين عن بعض المدارس الخاصة، وآباء وأولويات التلاميذ يؤكد إن كان الأمر يحتاج إلى تأكيد، على هذه المفارقة التي ينبغي أن يوضع لها حد نهائي، والعودة إلى جادة الصواب. فلا بديل عن تعليم عمومي جيد ونافع ومجاني، لسائر أبناء وبنات شعبنا، على الأقل في مستوى التعليم الأساسي، لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، أمام أفراد المجتمع. وإذا كان هناك من تحفيز ودعم ينبغي تقديمه، فعليه أن يوجه لصالح الفئات الاجتماعية المعوزة.

في سطور

عبد السلام الصديقي

من مواليد 1951 بتازة

أستاذ التعليم العالي

حاصل على دكتوراه دولة في العلوم الاقتصادية من جامعة الحسن الثاني بالبيضاء (1988).

وزير التشغيل والشؤون الاجتماعية سابقا

عضو بالديوان السياسي للحزب منذ ماي 2010.

عضو بالمكتب الوطني للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان ما بين 2006 و2010.

عضو جمعية الاقتصاديين المغاربة وعضو بالمكتب الوطني لجمعية الريف للتنمية والثقافة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.