عن المؤتمر التاسع

بقلم محتات الرقاص –

حضي المؤتمر الوطني التاسع لحزب التقدم والاشتراكية بمتابعة إعلامية وطنية مكثفة ومتنوعة، واستطاع الزملاء التقاط بعض القضايا المهمة والوقوف عند دروس ومؤشرات هذا الموعد التنظيمي التقدمي الذي التأم ببوزنيقة بمشاركة أزيد من ألفي مؤتمرة ومؤتمر قدموا من مختلف جهات المملكة ومن فروع الخارج، وفي مقابل هذا، كان واضحا لدى بعض المنابر الإعلامية ذلك التركيز الغريب على هوامش الأشياء، وضعف القدرة على الولوج والنفاذ إلى عمقها.

لم يستوعب ذهن البعض سوى أن المؤتمر انتخب لجنة مركزية تضم أزيد من ألف عضو، وردد الكثيرون مقارنة قديمة مع الحزب الشيوعي الصيني، حتى وإن كان الكثيرون منهم لم يسبق أن اطلعوا في حياتهم على ورقة واحدة من أدبيات حزب ماو تسي تونغ…لم يهتم البعض الآخر سوى بفوز هذا ضد ذاك، وكأن الأمر كان يتعلق بمبارزة بين فتيان في الحواري. وكان بعض أشباه المحللين يرسمون القامات والأحجام كما يشاؤون، ثم يبدأون في رسم الخرائط وتخيل التوقعات والنتائج، وعندما تسقط تخميناتهم يشرعون في صنع وفبركة المبررات والشروحات، ولم يدركوا أن كل السيناريوهات هي أوهام هم صنعوها بلا معنى أو مسوغ.

كثيرون كتبوا قبل المؤتمر بأسابيع بأن اللقاء سينفجر، وبأن مآلات مؤتمرات أحزاب أخرى ستتكرر في بوزنيقة، ولم ينتبهوا اليوم أن عليهم أولا الإقرار بخطأ توقعاتهم، بدل تعمد جعل مانشيط صفحاتهم الأولى مستوحى من مزحة بين مؤتمر وأمين عام الحزب حول طفلة صغيرة.

المؤتمر الوطني التاسع لحزب التقدم والاشتراكية اختتم أشغاله ولم يتركها معلقة أو مفتوحة، وأنهى أشغاله، وانتهى الأمر.

إنها الخلاصة الأولى التي يجب تسجيلها، أي أنه لم ينفجر ولم يتوقف ولا هم يحزنون.

أما الخلاصة الثانية، فتكمن في كون المؤتمر صادق على المقرر التنظيمي وعلى قواعد العمل، وقبل الجميع أن تنطلق أشغاله، ومن ثم لا معنى لاحقا الكتابة عن خروقات أو تجاوزات، خصوصا عندما تكون»أثناء الإعداد للمؤتمر»…

أما عندما نستحضر نسب التصويت التي كانت قريبة من الإجماع حول مختلف قرارات ومراحل وإجراءات المؤتمر»رئاسة المؤتمر، مكاتب اللجان الوظيفية داخل المؤتمر، تقارير اللجان، تعديل المقرر التنظيمي للمؤتمر، القانون الأساسي الجديد، البيان العام…»، فإن كل التعليقات حول المساطر تصير بلا معنى في الشكل والمضمون.

وعندما ينجح المؤتمر»أي اللجنة المركزية المنبثقة عنه» في انتخاب الأمين العام، فمرة أخرى الكثيرون لم ينتبهوا إلى أن مرشحين منافسين قدموا ترشيحهم داخل القاعة، وعرضوا برنامجهم الانتخابي وقاموا بحملاتهم الانتخابية وسط المؤتمرين، وفضاءات التصويت وصناديق الاقتراع كانت جاهزة ومعدة، ولما أعلنوا جميعهم الانسحاب، أعلن رئيس المؤتمر أن عملية التصويت ستتم، بموجب ما تنص عليه قوانين الحزب»وحتى هذه لم يفهمها بعض الكتبة»، لكن في كامل هذا المسلسل لم تكن الأرقام والنسب هي الأكثر أهمية، وإنما الأمر كان يتعلق بتصويت المؤتمر بشبه إجماع على خط سياسي وتنظيمي واضح وشامل» الوثيقة السياسية، الوثيقة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية»، وترتيبا كان من المنطقي انتخاب أمين عام وقيادة مستعدة لتطبيق هذا الخط السياسي وتنزيل مقتضياته على ارض الواقع، وهنا المؤتمر عبر عن مسؤولية ونضج كبيرين، أي أنه انتخب قيادة ورؤية.

قد نتفق على أن عدد أعضاء اللجنة المركزية المنتخبة يزيد عن المطلوب، وبأنه لا يتيح إمكانات العمل، ولكن الأمر يجب تدارسه ضمن استحضار عام لعقليتنا السياسية العامة في المغرب، خصوصا أن الإشكال نفسه تكرر لدى أحزاب أخرى، وفي مؤتمرات نقابات وهيئات أخرى، فضلا على أن البناء التنظيمي العام لحزب التقدم والاشتراكية لا يتوفر على هيئات ومؤسسات تنظيمية أخرى «وسيطة مثلا بين الهيئة المقررة والهيئة التنفيذية»، وكل هذا كان وراء دعوة الأمين العام مثلا إلى الانكباب على دراسة المسألة التنظيمية داخل الحزب، وهي الدعوة التي كان أطلقها قبل بدء المؤتمر وكررها في كلمة الاختتام.

ضمن هذا الإطار تجب إذن مناقشة الإشكالية المشار إليها، وليس انطلاقا مما يكتبه البعض حول أن حزب التقدم والاشتراكية حزب صغير ولابد أن يضل كذلك إلى الأبد، حتى أن بعضهم لم يتردد في التساؤل عن سر الحشد الكبير الذي ميز الجلسة الافتتاحية للمؤتمر التاسع.

لقد كان حزب التقدم والاشتراكية، بمناسبة مؤتمره الوطني التاسع، وفيا لخطه السياسي والفكري العام وملتزما بمقتضيات قوانينه وأنظمته، وإذا كان البعض ود إسقاط أفكاره الذاتية أو أحلامه على الحزب، ومن ثم صياغة مواقفه وتقييماته انطلاقا من صدمته الشخصية أو من فشل هذا الإسقاط، فهذه مسؤوليته هو لا مسؤولية المؤتمر والمؤتمرين.

منذ البداية كان مؤتمر التقدم والاشتراكية يقدم إشارات النجاح، فالجلسة الافتتاحية شهدت حضور كامل الطيف السياسي والنقابي والحقوقي والجمعوي الوطني، وهذا مؤشر أول.

مجموع تفاصيل الافتتاح كانت سلسة وعادية وبلا أي»تشويش»، وهذا مؤشر ثاني.

الكلمة السياسية القوية التي قدمها الأمين العام تضمنت المواقف والمبادئ والمطالب، وحضيت بكثير تصفيق داخل القاعة، ولم تواجه لا بصفير ولا باستهجان، وهذا كذلك مؤشر عن النجاح.

الجلسة الافتتاحية، وبقية أيام المؤتمر، تميزت بحضور ممثلي عدد من أحزاب وقوى اليسار من البلدان العربية والأوروبية، وألقوا كلمات أمام المؤتمرين وقدموا تصريحات لوسائل الإعلام، وفي كل هذا خدمة للحزب وللمغرب ولقضايانا الوطنية الكبرى، وهنا أيضا تكمن كثير مؤشرات أخرى للنجاح.

الجلسة الافتتاحية، ومختلف جلسات ولجان وفضاءات المؤتمر كانت مفتوحة لممثلي وسائل الإعلام وللمراقبين الخارجيين…

لقد كان قريبا من الحقيقة من قال إن المؤتمر التاسع لحزب التقدم والاشتراكية نجح واتخذ قراراته منذ جلسته الافتتاحية، لكن الاختتام أيضا جسد النجاح، ذلك أن المؤتمر انتهى بلا مخلفات داخلية مؤثرة على وحدة الحزب ومستقبله.

مرة أخرى نعود لفلاديمير ايليتش لينين ونحور قليلا سؤاله الشهير، ونقول بأن عنوان المرحلة اليوم هو:

إلى العمل..

مقالات ذات صلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.