المشكلة أكبر من احتجاج

بقلم محتات الرقاص –

mehtat rekassفي احتجاجات الطلبة الممرضين هذه الأيام ليست المشكلة هي الاحتجاج نفسه، فذلك حق للجميع والبلاد تتسع له ولغيره… وليست المشكلة أيضا في تركيز الاستهداف على تجمعات حزب التقدم والاشتراكية، كما حدث في وجدة، فهنا أيضا الحزب التقدمي لا يتردد في تمكين المحتجين من منبر لإسماع صوتهم ومطالبهم بكامل الأريحية والانفتاح، علما أن أحزاب أخرى تتعامل بأساليب أخرى مع مثل هذه الاستهدافات…

وحتى عندما تحدث المبالغات ويتحول الاحتجاج إلى إمعان في نسف تجمعات الحزب برعونة ذاتية أو بتسخير معلوم من جهات حزبية أخرى، فان التقدم والاشتراكية يمتلك الشجاعة والتجربة للدفاع عن نفسه…

المشكلة إذن هي أعمق من كل ما سلف، هي تكمن في العقلية الثاوية خلف الاحتجاج الغريب للطلبة الممرضين.

إن الأمر يتعلق بمشروع يعمل عليه وزير الصحة البروفيسور الحسين الوردي، ولا زالت الفكرة لم تتبلور بعد ولم تتحول إلى نص وضع على مسطرة التصديق أو حتى المناقشة الرسمية، وهو يهم إقرار”الخدمة الإجبارية لمهنيي الصحة في المناطق النائية لمدة سنتين مباشرة بعد التخرج”، وذلك بغاية”تحسين جودة الخدمات الطبية المقدمة في هذه المناطق التي تعاني أكبر نسب الخصاص المسجلة بالقطاع”.

هذا هو الموضوع أيها السادة، فلنناقش العمق بلا كثير لف أو دوران.

أولا، الخدمة الإجبارية جرى العمل بها سابقا في المغرب، وبالنسبة لكل الخريجين وليس فقط لمهنيي الصحة.

ثانيا، يمكن أن نناقش شروط تطبيقها اليوم في قطاع الصحة، وظروف عمل المعنيين بالأمر ونظام صياغة مقتضياتها وبقية التفاصيل التقنية والمهنية والمادية، كل هذا ممكن ومطلوب، ولكن ليس رفض المبدأ في أصله، ومن منطلقات أنانية وانتهازية.

ثالثا، الجميع يعرف مآسي قطاع الصحة والخصاص المهول في كثير من المناطق الريفية والجبلية والنائية، ويعرف أيضا محدودية موارد وإمكانات البلاد، ومن ثم فكل الاقتراحات والمبادرات الساعية لتحسين الخدمة الموجهة للفقراء من شعبنا يجب أن يرحب بها الكل .

رابعا، هذه البلاد التي صرفت على هؤلاء الخريجين لتكوينهم وتأهيلهم طيلة سنوات ألا تستحق من هؤلاء تضحية وطنية لمدة عامين لعلاج شعبهم في المناطق الفقيرة والنائية والمهمشة؟؟؟

خامسا، عندما تتحول هذه المساهمة الوطنية إلى ابتزاز وطلب مقابل عنها، ألا يطرح الأمر كله مشكلة خطيرة في علاقتنا بوطننا وشعبنا؟ وألا يفرض ذلك على الجميع التنبيه إلى خطورة هذه اللامبالاة واللامسؤولية؟

سادسا، هل من المقبول اليوم التغاضي عن تهافت هؤلاء المهنيين على العمل في المدن الكبرى”وبالذات في محور الرباط الدار “، كي يكون بالإمكان العمل أيضا بالمصحات الخصوصية؟

سابعا، وساكنة المناطق الجبلية والنائية؟ أليسوا مغاربة؟ ألا يستحقون تمكينهم من الخدمات الصحية، ولو في حدها الأدنى؟؟؟

هذه أسئلة مطروحة اليوم، ليس فقط على الطلبة الممرضين والأطباء وكل مهنيي الصحة والخريجين، وإنما أيضا على النقابات والجمعيات الحقوقية ووسائل الإعلام والأحزاب الجدية وكل المؤسسات العاملة في مجال التنشئة الاجتماعية والتأطير العام، فعندما نزايد إلى جانب هؤلاء الشباب وننفخ في الصراخ وفي الشتائم ونحاول الركوب على ظهر الخطاب، فإننا لا نسيء، في الحقيقة، إلى وزير الصحة أو إلى حزبه أو إلى الحكومة الحالية، وإنما نحن نحتقر ملايين الفقراء من شعبنا في البوادي والجبال ولا نخجل من الإعلان عن حرمانهم من حق العلاج، وهذا يجسد جريمة حقيقية.

لنكن جديين، ولنفكر أبعد من أنوفنا، أي لنفكر في شعبنا وفي المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.