دفاعا عن الحريات العامة وعن صورة البلاد

بقلم: محتات الرقاص ، مدير نشر جريدتي بيان اليوم و ALBAYANE

حادث الإعتداء العنيف على محتجين خلال وقفة الأساتذة المتعاقدين بالرباط شغلت الرأي العام الوطني، ولا زال يتواصل بشأنها الجدل والإستنكار.
لسنا الآن في مقام الحديث عن منظومة التعاقد ذاتها أو تقييم المواقف بخصوصها، فذلك يندرج ضمن السياسات العمومية، وخصوصا العدالة الإجتماعية والإرتقاء بمستويات عيش المواطنات والمواطنين، وهو ورش مركزي مطروح على بلادنا، ولكن الأمر الآن يتعلق بتعامل السلطات العمومية مع الإحتجاجات في الشارع.
لقد عمدت القوات العمومية إلى استعمال القوة من أجل فض التجمع الإحتجاجي للأساتذة المتعاقدين بالرباط، وهو ما نجم عنه تدافع واستعمال العنف، وتمت مطاردة المحتجين بالأزقة والشوارع وإسقاطهم وضربهم.
هذه المشاهد تناقلها الناس عبر مواقع التواصل الإجتماعي، وأثارت استنكار الكثيرين.
هذا هو الموضوع، وهذا ما يجب الحديث عنه والوقوف عنده.
لقد تغير العالم بالفعل، وحتى الإحتجاجات تطورت وتعددت مجالاتها وطرق تنظيمها، ولم يعد الفضاء العمومي هو الشارع فقط، وانما صار الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي بدورها آليات للدعوة للإحتجاجات وتنظيمها، كما أن المناقشات القانونية والحقوقية عبر العالم تنكب اليوم على الإجتهاد أيضا بشأن الحق في التظاهر السلمي من دون تصريح أو ترخيص مسبق، وكامل هذه الدينامية تروم حماية الحريات أولا…
بلادنا أيضا مطالبة اليوم باستحضار كل هذه التحولات، وبأن الوقت لم يعد هو الوقت، وأن تبدي إرادة قوية للإنخراط في هذا التحول والإنكباب على خوض التحدي، أي تحدي تعزيز أجواء الحريات وسط المجتمع، واحترام التعبيرات السلمية عن انتظارات ومطالب وتطلعات المجتمع.
وقبل التفكير في تدبير الأشكال الجديدة للاحتجاجات، والإستعداد القانوني والسلوكي والتأطيري للتعاطي معها ضمن الحرص الديموقراطي اللازم، يجب أولا السهر على تطبيق القانون واحترامه بشأن الإحتجاجات التي نشهدها اليوم حوالينا في الشارع.
ما حدث في الرباط قبل أيام يطرح السؤال حول الجهة الموكول لها فض الإحتجاجات وتفريق التجمعات، وهي على كل حال منصوص عليها في القوانين الوطنية الحالية، كما أنها ملزمة بإشهار شارتها الوظيفية، ويحدد لها القانون طرق ومساطر القيام بعملها.
أما أن يعمد أشخاص بزي مدني إلى استعمال العنف، وأمام أنظار القوات النظامية الرسمية المخول لها تنفيذ القانون، ومن دون أي مسطرة ولا هم يحزنون، فهذا تجاوز واضح وخرق للقانون، ويجب ترتيب الأثر القانوني تجاه ذلك.
القضاء فعلا أعلن عن فتح تحقيق بشأن ما وقع في الرباط، وهو ما ينتظر المغاربة نتائجه، وأيضا يتطلعون أن يشمل كل السلوكات والمشاهد التي تناقلتها الفيديوهات المصورة ومواقع التواصل الإجتماعي، علاوة على أن هذه الواقعة تحيل من جديد على ضرورة إخضاع استعمال القوة بشكل عام لمراقبة النيابة العامة.
الشخص بزي مدني الذي تداولت الأخبار والفيديوهات صورته وعدوانيته المفرطة، يمثل نموذجا لحالات مماثلة باتت اليوم تتكرر في مناسبات مختلفة، سواء حوالي دوريات السلطات المحلية في المناطق، أو أيضا في بعض المناسبات الإستثنائية، وهو ما ينبه إلى ضرورة الإنتباه إلى خطر ذلك، وإلى تحول هذه العناصر مستقبلا إلى مشكلة حقيقية.
من جهة أخرى، حتى تطبيق مقتضيات القانون وتفريق الإحتجاجات من لدن السلطات المختصة، يجب أن يخضع نفسه للقانون، وأساسا يجب أن يستحضر استعمال القوة مبدأي الضرورة والتناسبية، وذلك بلا مبالغة أو إمعان في العنف.
صحيح أن الإعلام اليوم ينقل لنا صورا عن تفريق محتجين من بلدان أوروبية أو أمريكية، وتصلنا مشاهد عنف من هناك أيضا، وصحيح كذلك أن الزمن تؤطره حالة طوارئ صحية، ويفرض ذلك التقيد بقواعد وأحكام استثنائية، لكن الصحيح أكثر من هذا وذاك أن بلادنا تتطلع أن تطور مسارها الديموقراطي العام، ويطرح عليها اليوم تحدي الإنفراج العام، وضخ نفس ديموقراطي في المجتمع، وكل هذا لن تنجح فيه البلاد من دون تطوير الحريات العامة، ومن دون حماية حيوية المجتمع ودينامية تعبيراته السياسية والحقوقية والمدنية والإعلامية.
لقد نجح المغرب في تجاوز كثير من المعضلات، وحقق منجزات هامة على صعيد الحياة الديموقراطية والجهد التنموي والإستقرار العام والنجاح الديبلوماسي، ولذلك ما حدث في الرباط تجاه احتجاجات الأساتذة المتعاقدين يسيء فعلا للبلاد، ويمس صورتها الديموقراطية العامة.
من يحب هذه البلاد، ويحرص على تميزها الديموقراطي والتنموي، يجب أن يعمل لكي تنجح في تقوية أجواء الإنفتاح والحريات وسط المجتمع، وعلى بلادنا والسلطات العمومية أن تنكب اليوم على تحدي تدبير الإحتجاجات العمومية، بما في ذلك مظاهرها المستجدة نتيجة تطور التقنيات الرقمية والتواصلية، وأن تطور المنظومة القانونية والتدبيرية ذات الصِّلة، وأن تعمل على إشعاع الوعي اللازم داخل الأجهزة المكلفة بتنفيذ القانون بأهمية استيعاب ما يجري عبر العالم من تغيرات، وأهمية ترسيخ الحريات والإنفتاح واحترام حقوق الإنسان، بما فيها الحق في التظاهر السلمي.